قال الله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون). لقد ساق القرآن دليلاً منطقياً على وحدة الله فاجتماع المؤثرين على أثر واحد مستحيل عقلاً لأن أحدهما لو اثر لثبتت قدرته وعجز الآخر.
قال تعالى: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً).
فالآلهة المتعددة إن أطاعت الله ولم تخرج عن قضائه وقدره فحكمها حكم المخلوقات وإن كانت لا تطيعه فهي تنازعه وتبتغى «إلى ذي العرش سبيلاً» فلا يستقيم على ذلك أمر الوجود.
ولم تكن قضية إنكار الله هي قضية الرسل مع البشر إلا في أحوال قليلة ولكن قضية القضايا هي قضية التوحيد وهى أن يعتقد الناس أن الذي يستحق العبادة والخضوع هو الله وحده فإن البشرية في أطوارها المختلفة كثيراً ما ألغت عقولها ونزلت عن المكانة التي اختارها الله لها فتوهمت أنها أقل شأناً من أن يكون اتصالها مباشراً فاتخذ الناس آلهة غير الله من البشر والحجر أو النار أو الشجر أو غيرها فعبدوها وتقربوا إليها لتقربهم هذه الآلهة إلى ربهم وتقضي لهم حاجاتهم وتلبي رغباتهم فقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
وبهذا سموا مشركين لأنهم أشركوا مع الله غيره فيما هو مختص به تعالى ولا يصح أن يكون هذا الاختصاص لغيره وهو العبادة والدعاء والاستغاثة وقت الشدة والنذر وغير ذلك.
وقضية التوحيد هي القضية التي عانى من أجلها المرسلون ما عانوا من المتاعب والمشقات مع قومهم. قال تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد).
وقد اشتملت هذه السورة على أهم أركان الرسالة النبوية (توحيد الله وتنزيهه وتقرير الحدود العامة للأعمال ببيان الصالحات وما يقابلها وذلك هو الشريعة وأحوال النفس بعد الموت من البعث وملاقاة الجزاء من ثواب وعقاب).
ثم إن جميع ما يصل إليه عقلنا وحواسنا من هذا العالم يدخل في نظام واحد يرتبط بعضه ببعض تمام الارتباط وهو يدل على أن موجده واحد (والصمد) هو السيد الذي يصمد إليه ويقصد في الحوائج وحاجة ما في الوجود لا تتوجه إلى غيره فجميع المسببات تنتهي إليه وجميع ما يسري فيها من الوجود فهو من إيجاده وأن صاحب الاختيار كالإنسان إذا أراد أن يحصل مسبباً من سبب فعليه أن يبحث عن طريقه ارتباطه به على حسب ما أمره الله بالبحث والنظر والتدبر في مخلوقاته ليعلم كيف يسري الوجود الموهوب من واجب الوجود من الأسباب إلى المسببات ثم يذهب بها حتى يسندها إلى مبدئها وهو الأمر الإلهي.
وهذا فيما يظهر فيه السبب والمسبب ويظهر فيه أثر الكسب وعمل الإرادة والقوى الممنوحة للبشرية.
أما ما هو وراء ذلك مما لا دخل للإرادة فيه فعلى صاحب الحاجة ألا يتوجه في المعونة عليها بعد الأخذ بالأسباب إلى الله وحده فهو المستأثر بالعمل فيما وراء ما جعل لك فيه عملاً وقوله (الصمد) يشعر بأنه الذي ينتهي إليه الطلب مباشرة دون واسطة ولا شفيع وهو في ذلك يدعو إلى ما يخالف عقيدة مشركي العرب الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء وكثر من أهل الأديان الأخرى يعتقدون أن لرؤسائهم منزلة عند الله ينالون بها التوسط لغيرهم في نبل مبتغياتهم فيلجأون إليهم أحياء أو أمواتاً.
ولم يكن له كفواً أحد: الكفو معناه المكافئ والمماثل في العمل والقدرة وهو نفي لما يعتقده بعض المبطلين من أن لله نداً في أفعاله يعاكسه في أعماله.
رجاء علي