عن ابن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة؛ وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار؛ وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» متفق عليه.

الصدق: صفة من صفات الرسل؛ وهو ـ أيضا ـ من الخلال الحميدة التي دعا إليها الإسلام؛ وجعلها دعامة من دعائمه القوية في نشر دعوته بين العالمين؛ وهو من الأخلاق العظيمة التي طلب النبي، صلى الله عليه وسلم، من المسلمين أن يتحلوا بها أينما كانوا؛ تلك الأخلاق التي كانت أوسمة المسلمين في أرجاء الدنيا حتى دانت لهم ممالك الأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجا.

والرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الشريف يبين لنا مزية الصدق، ومغبة الكذب؛ فالصدق يؤدي بصاحبه إلى الجنة؛ وهي دار النعيم المقيم، والكذب يؤدي بصاحبه إلى النار؛ وهي دار العذاب الأليم؛ فكلما صدق المرء في أقواله وأفعاله أدى به ذلك إلى البر (أي إلى طاعة الله تعالى) فابتعد عن المعاصي وأحب الطاعات وما دام المسلم صادقا مع الله تعالى ومع الناس فإنه يكتب في سجل الصديقين؛ فينال درجتهم في الجنة.

وكلما كذب المرء في أقواله وأفعاله أدى به ذلك إلى الفجور (أي إلى الخروج عن طاعة الله تعالى) فابتعد عن الطاعات واقترب من المعاصي؛ وما دام المرء كاذبا مع الله تعالى ومع الناس فإنه يكتب في سجل الكذابين؛ فينال جزاءهم في جهنم، والعياذ بالله.

وتتمثل في هذا الحديث الشريف: سلاسة الأسلوب، ووضوح المعنى، ورشاقة العبارات، وخلوها مما يعكر صفو السامعين؛ بل إنها لتسري مسرى النسيم العليل في الأسحار، وتجري مجرى الماء النقي في الجداول بين الغصون والأشجار؛ لا غموض فيها ولا التواء؛ حتى إنها لتدخل إلى الآذان بلا استئذان ـ كما يقولون ـ فالجمل خبرية جاءت على لسان المصطفى، صلى الله عليه وسلم، واضحة جلية مؤكدة «بإن» واسمية الجملة واللام الموطئة للقسم؛ والجملة الاسمية ـ عند البلاغيين ـ أقوى من الجملة الفعلية؛ لدلالتها على الثبوت والدوام

أي: إن هداية الصدق إلى البر، وهداية البر إلى الجنة أمر ثابت معلوم ودائم في كل زمان ومكان؛ كما أن هداية الكذب إلى الفجور، وهداية الفجور إلى النار، أمر ثابت معلوم ودائم في كل زمان ومكان كذلك؛ وما أكدها النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا لأهمية الصدق في حياة الأمة الإسلامية، وإعلان مصداقية رجالها بين الأمم والتشنيع على الكذب والكذابين، وأنهم باختيارهم تلك الصفة الذميمة قد اختاروا الطريق المؤدي إلى سواء الجحيم! وفي العبارات تسلسل طبيعي، وتدرج منطقي؛ فالصدق يؤدي إلى أعمال الخير، وأعمال الخير تؤدي إلى الجنة؛ والكذب يؤدي إلى الفجور، والفجور يؤدي إلى النار.

وتبدو روعة التصوير البياني الذي هو من صفات أسلوب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في تصويره الصدق برجل صالح تقي نقي يهدي صاحبه إلى طرق الخير المؤدية إلى الجنة؛ وتصويره الكذب برجل فاسق شرير يزين لصاحبه طرق الشر المؤدية بصاحبها إلى النار.

وفي هذا التصوير: إكرام وتهنئة وبشرى للمهتدين الصادقين، وإهانة وتهكم وسخرية من الضالين الكاذبين؛ لأن الصدق ـ وإن كان هاديا حقا ـ فإن الكذب لن يكون هاديا أبدا؛ وإنما يكون دالا على طرق الشر المؤدية بصاحبها إلى النار. وإنما عبر المصطفى، صلى الله عليه وسلم، عن الدلالة على طرق الشر «بالهداية» سخرية من أصحابها، وإهانة لهم، وتهكما بهم؛ فالهداية لا تكون إلا إلى طرق الخير، وإلى الطريق المستقيم.

وأما الدلالة على طرق الشر فإنها لا تكون إلا ضلالا! ونظير هذا الأسلوب التهكمي من القرآن الكريم: قول الله تعالى ـ يوم القيامة ـ للملائكة: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم) [الصافات: 23] يقول الإمام الزمخشري في الكشاف: (أي: فعرفوهم طريق النار حتى يسلكوها؛ وهذا تهكم بهم وتوبيخ لهم).

وفسر قوله، صلى الله عليه وسلم: «وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» نجد التعبير بالفعل المضارع الذي يدل على التجدد والحدوث في (يصدق) وفي (يكذب) ليؤذن بأن تجدد الصدق وتتابعه وكثرته مما يؤهل صاحبه لأن يكتب في سجل الصديقين، وبأن تجدد الكذب وتتابعه مما يؤهل صاحبه لأن يكتب في سجل الكذابين. وآثر (الكتابة)؛ لأنها تكون صحيفة شرف للصادقين يقرأها أهل السماء بعد أن رأى أحوالهم أهل الأرض فشهدوا لهم بالصلاح والتقوى؛ وتكون إعلانا بفضيحة الكاذبين بين أهل السماء بعد أن افتضح أمرهم بين أهل الأرض فشهدوا عليهم بالفسق والفجور!

ولا يخفى على أحد ما في الحديث الشريف من جمال في التعبير تمثل في المحسن البديعي المعروف عند البلاغيين باسم (الطباق) وهو: الإتيان بالمعنى وضده ـ والذي نجده في (الصدق) و(الكذب) و(يصدق) و(يكذب) و(البر) و(الفجور)، و(الجنة) و(النار) و(صديقا) و(كذابا) وذلك مما يكسب المعنى وضوحا وجمالا؛ وبضدها تتميز الأشياء.