رسالة الإنسان على الأرض وكرامته على الله سبحانه تقتضيان ألا يترك للفقر الذي ينسيه نفسه وربه ويذهله عن دينه ودنياه ويعزله عن أمته ورسالتها ويشغل عن ذلك كله بالتفكير في سد الجوعة وستر العورة والحصول على المأوى، لأن الإسلام يريد للناس ان يحيوا حياة طيبة ينعمون فيها بالعيش الرغد ويغتنمون بركات السماوات والأرض ويأكلون من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويحسون فيها بالسعادة تغمر جوانحهم وبالأمن يعمر قلوبهم والشعور بنعمة الله يملأ عليهم أنفسهم وحياتهم.
ان القاعدة الذهبية التي يتمسك بها الاقتصاد الإسلامي والتي تجعله متميزاً عن غيره هي ان الموارد الاقتصادية يجب ان توجه وتتركز في إنتاج السلع والخدمات التي تشبع الحاجات السوية للإنسان؟ فالرفاهية مثلاً لها مفهوم ومضمون يختلف عن المفهوم والمضمون السائد في النظم الأخرى فليس كل ما يشبع حاجة أو رغبة قابل للإنتاج، ان الرفاهية في الإسلام تتشكل حسب طبيعة الأذواق والميول النفسية التي تصوغها وتكونها المفاهيم الإسلامية.
وهذا الحصر لمفهوم الرفاهية ومضمونها يعطي الموارد الاقتصادية في أي وقت وتحت أي مستوى فني للإنتاج مقدرة أكبر لإشباع الحاجات الإنسانية الضرورية اللازمة لتحسين مستوى المعيشة، ذلك ان تطلعات الإنسان للاستهلاك النامي تظل منضبطة في إطار الحلال والحرام وهذا الإطار من شأنه ان يسد منافذ الشهوات والتطلعات الضارة للاستهلاك والتي تستنزف جانباً من الموارد الاقتصادية المتاحة.
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه). والواضح هنا ان هذا التحريم لم ينصب على شرب الخمر وحده بل شمل كل النشاطات الاقتصادية الأخرى التي تجعل شربها ممكناً بداية من مرحلة الإنتاج مروراً بمراحل التصنيع والتعليب والتعبئة وانتهاءً بمراحل التغليف والتسويق والتوزيع والتقديم وصولاً إلى المرحلة النهائية بحيث لا يستطيع القاموس الاقتصادي المعاصر ان يضيف شيئاً لهذا التحريم وقياساً على هذا يحرم كل إنتاج ضار بصورة مباشرة يماثل في آثاره الضارة للخمر وأي محرم ورد فيه نص قرآني أو نبوي.
ان الإسلام لا ينظر إلى الإنتاج النافع كمسألة ثانوية في حياة الفرد والمجتمع بل يعتبره واجباً لا يكمل الواجب الديني بدونه، بل انه يضفي على العمل المنتج قيمة أخرى تتعدى العائد المادي ـ على شكل أجور وأرباح ـ تتمثل في المردود النفسي فتصبح للعمل قيمة جمالية تغذي في الإنسان نوعاً من الشعور الوجداني بالانتماء والتكامل مع الشيء المنتج بحيث تترقى العملية الإنتاجية إلى الأفضل لأن الأفضل مرغوب لذاته إذ يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (ان الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً ان يتقنه).
ان قضية القيم في التحليل الاقتصادي لا يمكن تجاوزها بسهولة وان القائلين بهذا التجاوز يورطون علم الاقتصاد فيما لا صلة له به ولعل الأهمية البالغة لدور القيم تشفع للباحث ان أفرد لها حيزاً ليس بالقليل في دراسته ذلك لأن قضية القيم تطرح أملاً واسعاً لاستكشاف نظرية اقتصادية إسلامية تنطلق أساساً من خلال المفاهيم الذاتية للإسلام، فهناك ميزة رئيسية للقيم الإسلامية تجعلها تتفوق على القيم في النظم الأخرى، فإذا كان للقيم دور تسيير الاقتصاد فإن القيم الإسلامية أجدر بتحقيق نتائج أفضل من غيرها لأنها تتشكل من القيم الأصيلة الثابتة والقيم المترتبة عليها.
فالقيم الأصيلة الثابتة تلك التي تبنى على النصوص الواردة في القرآن والسنة والقيم المترتبة عليها؟ أي القيم الإنسانية التي يضيفها فهم الإنسان واجتهاده، ولما كان الإسلام غنياً بالقواعد المحددة الثابتة فإن مجال التحيز والخطأ المحتمل في الجانب الإنساني للقيم أقل مما يجعل تأثير القيم على النظام الاقتصادي من وجهة تحليلية أكثر إيجابية مقارنة بالنظم الأخرى لأنها وضعية ولا تستند إلى معايير شرعية ثابتة وتعتمد بشكل كامل على التجربة الإنسانية لذا سنجد مجال الخطأ فيها أوسع بكثير.
وقد يكون الإنتاج مباحاً في حد ذاته كإنتاج الأقمشة والأطعمة؟ ولكن المؤسسة التي تقوم بالإنتاج والبيع قد تستغل السوق وتمارس سياسة احتكارية وهنا لا يحرم الإنتاج في حد ذاته وإنما يحرم الفعل اللاحق أي لابد من ان تراعي المؤسسات المنتجة والموزعة أحكام الشريعة الإسلامية وقد يمتد التحريم إلى الطريقة التي يتم بموجبها تشغيل العناصر النادرة في العملية الإنتاجية في المجتمع كأن يوظف رأسمال بالربا، وعلى هذا فان العملية الإنتاجية لابد ان تكون متكاملة ذاتياً من حيث المضمون والشكل أي ان يقع الشيء المنتج والسلعة أو الخدمة في دائرة الحلال وان يكون الإطار الذي ينظم الإنتاج منسجماً مع دائرة الحلال وان تكون وسيلة جمع عناصر العملية كالتمويل أو معدل الأجر منسجمة مع دائرة الحلال.
وبلغة فنية في نطاق الاقتصاد الإسلامي يراعى مبدأ الإيراد الاجتماعي كمقياس رئيس يخضع له الإنتاج وليس الإيراد الشخصي، فقد يحقق إنتاج سلعة معينة ربحاً شخصياً للمنتج لكن هذه السلعة تلحق أضراراً كبيرة بالمجتمع كالمؤسسات التي تنتج أفلام وأغاني الميوعة والخلاعة، إذ ان الأضرار التي يضعها الاقتصاد الإسلامي في الحسبان ليست الأضرار المادية فحسب لكنها تشمل أضراراً أخرى كالمساس بعقيدة المجتمع وأخلاقه.
وقد يلجأ المنتجون والبائعون إلى إنقاص الوزن أو تغيير مواصفات السلع أو الغش في التركيب باستخدام مواد رخيصة ودون المستوى وعدم مراعاة الشروط الصحية وتدخل الدولة أو أولي الأمر واجب في هذه الحالة وان قصرت عن القيام به فهي إما ظالمة للرعية أو ضالعة في عمليات الغش والتدليس. ان مهمة الاقتصاد الإسلامي تنصب على تحقيق أنسب قدر مستطاع من الإنتاج المادي المقبول اجتماعياً.
وذلك عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد ثم توزيع هذا الإنتاج بطريقة عادلة للوصول بالرفاهية إلى أفضل قدر ممكن ولا يكفي ان تستغل الطاقات الإنسانية حتى يتحقق التقدم والرفاهية بل لابد من ان تصاحب عملية الاستغلال عملية أخرى تتمثل في الوعي المدرك والإيمان العميق واليقين الكامل بأن ما عند الله خير وأبقى وان أوامره ونواهيه تحمل لنا السعادة والبشرى في الدنيا والآخرة.. وصدق ربنا إذ يقول (ولو ان أهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) الأعراف 96.
أحمد عبدالمجيد
