قال الشيخ: ذكرنا في تعريف القلب السليم أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، وأصل الشهوات المخالفة هو الهوى وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ما ذكر الله عز وجل الهوى في موضع الا ذمه. وقال الشعبي: انما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه.

والحق أن الهوى يدفع إلى اللذة العاجلة دون التفكير في العواقب ودون أن يميز بين لذة شريفة ولذة قبيحة، من هنا وجب تحكيم العقل والقلب المزكى لينظر المرء في الآجل قبل العاجل وفي الحسن قبل القبيح وفي الشريف قبل الدنيء.

وأمر الدين كله قائم على الاختيار بين النقد والنسيئة فمن قنع بالنقد وهو قليل مهما عظم ضيع النسيئة العظيمة يوم القيامة وفي دار الخلود.

والأصل أن الهوى والذي هو ميل النفس إلى ما يلائمها مما غرسه الله في طبع الانسان لحاجته اليه من أجل البقاء والتناسل، الا أن الحق سبحانه وتعالى أباح لنا الطيبات وحرم الخبائث، وأراد لنا أن نأخذ من الدنيا ما يكفي دون أن نطغى، وألا نعتدي على حق لغيرنا من أجل لذة أو هوى لا نملك أمره، وقل أن يقف المرء عند هذه الحدود ان لم يوفقه الله لتزكية قلبه وهيمنة عقله على جوارحه.

ثم ان من يدمن على اللذائذ دون رقيب من قلب سليم أو عقل راجح غالبا ما يصير إلى حال لا يلتذ فيها ولا يستطيع في الوقت نفسه الا ان يأتي لذته، فمدمن الزنا لا يلتذ كمن يأتي حلاله في الوقت وعلى الهيئة المناسبة، ومدمن الخمرة يعتاد على أي مقدار فيزيد عليه حتى يخرب دماغه وجسده، ولعل هذه أول بوادر الشقاء والعقوبة الالهية في الدنيا قبل الآخرة، اذ ان كل متبع لهواه كمن يشرب من ماء البحر لا يزيده الشرب الا ظمأ فضلا عن أنه لا يجد لذة في الشرب أصلا.

قد يقول قائل ان هناك لذائذ مأمونة العواقب سيما في زماننا الذي اختلطت فيه الامور ولم يعد يفرق الناس فيه بين البر والفجور، فالحق أن من يقول مثل هذا القول يخسر خسارتين: الاولى أنه لم يراقب الحق في أفعاله وتلك مصيبة ما بعدها مصيبة، والثانية أنه قد لوث قلبه ونفسه بالخبائث وأنه ان لم يدرب نفسه على أن تقف عند ما تسميه لذائذ مأمونة العواقب فانه لن يستطيع الوقوف عند اللذائذ الخطرة الفاضحة في الدنيا والآخرة.

وقد أورد ابن الجوزي رحمه الله أدوية للتخلص من الاهواء غير الشريفة مما قد أدمنت النفس عليها فذكر انه لا بد من عزم قوي على هجرانها ويساعده في ذلك أمور: التفكر في أن الانسان لم يخلق للهوى واللذة كالبهائم وانما للتفكر والاعتبار، فالبهيمة ترتع في ملذاتها وهي تساق إلى الذبح في حين ان الانسان لا بد أن يشغله التفكر في العواقب، وأن يفكر في العواقب الدنيوية والأخروية لاقباله على الهوى فكم ضيع من خير وفضيلة، وكم ساق إلى شر ورذيلة، وكم جر إلى فضيحة وانكسار، وكم أدى إلى غضب وانتقام الجبار، الا أن الغارق في الهوى لا يرى الا هواه كمن في المدبغة لا يجد ريحها حتى يخرج منها.

ومما يعين على العزم على ترك الهوى القبيح تصور انقضاء الوطر والحصول على الغرض من الهوى حيث تنطفئ نار الشهوة والرغبة ولا يبقى الا العواقب المؤلمة في الدنيا والآخرة، وأن يتصور الرذيلة في غيره لأن المرء أقدر على رؤية العيب في غيره أكثر من رؤيته في نفسه.

ورؤية العواقب على غيره أكثر من رؤيتها على نفسه، وأن يتأمل في ملذاته التي يطمع بها مما قبحه الشرع فان عقله سيرشده إلى قبحها وخبثها ولولا عمى الهوى لما أقبل عليها، وفي الحديث عن ابن مسعود: اذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها. وأن يتدبر عز غلبة هواه وذل قهر هواه له، وأن يتفكر في فائدة مخالفة هواه من سلامة النفس والعرض والذكر الجميل في الدنيا والفوز في الآخرة عن ذم الهوى بتصرف.

قال ابن الجوزي رحمه الله: أين لذة آدم التي قضاها من همة يوسف التي ما أمضاها؟ من كان يكون يوسف لو نال تلك اللذة فلما تركها وصبر عنها بمجاهدة ساعة صار من قد عرفت.

ماهر سقا أميني