لا تزال الأسواق المالية العالمية تنطوي على مزيج من الفرص والمخاطر. ورغم أن الشهر الماضي كان أفضل سبتمبر لأسواق الأسهم خلال سبعين عاماً، غير أننا نواصل تحذير المستثمرين من المخاطر المستمرة في الاقتصاد العالمي.
إذ لا يزال العالم يواجه العديد من المشاكل العالقة كما رأينا في الأزمة الإيرلندية هذا الأسبوع والضغوط السياسية الناجمة عن الأزمة العالمية التي تستمر تداعياتها بالتفاعل كما يبدو واضحاً في الإضرابات التي تعم أوروبا، والمشاكل السياسية في أوروبا الشرقية والإكوادور.
وقال غاري دوغان الرئيس الأول للاستثمارات في الخدمات المصرفية الخاصة بنك الإمارات دبي الوطني: من الأمور المثيرة للضحك التي شهدها الأسبوع الماضي كان طرح القطاع المالي الإيرلندي مزيداً من إصدارات السندات المالية.
واستحضر ذلك إلى ذاكرتي مجريات الأسبوع الذي سبقه عندما تهافت المستثمرون قبل عشرة أيام فقط على شراء سندات الحكومة الايرلندية، إذ تجاوز حجم الطلب على الإصدارات الحكومية الأخيرة خمسة أضعاف السندات المطروحة للاكتتاب. وأثار ذلك حفيظتي إلى حد التساؤل عما إذا كنت قد أسأت تقدير الأمور.
وما هي سوى بضعة أيام فقط حتى وجدت مخاوفي تجاه السوق الايرلندية ما يبررها مع إطلاق خطة إعادة هيكلة بالمليارات لتقديم مزيد من الدعم للقطاع المالي الايرلندي.
ولا شك في أن اهتمام المستثمرين بالاكتتاب على إصدار السندات الايرلندية خلال الأسبوع الأسبق كان يرتكز على العائدات (تتجاوز 0 .6 %) بصرف النظر عن المخاطر. وهنا ينبغي القول إنه لا يجب الاستهانة مطلقاً بهذه المخاطر.
أزمة أيرلندا
لا تزال الأزمة في ايرلندا قادرة على توتير الأسواق العالمية الأوسع. فقد عاد النظام المصرفي الايرلندي الأسبوع الماضي ليشغل مجدداً عناوين الصحف، التي تناولت مختلف الممارسات الخاطئة التي شهدها.
وقد ارتفعت تكلفة إنقاذ النظام المصرفي الأيرلندي إلى 44 مليار يورو، ومن المرجح أن يصل العجز فى ميزانية البلاد إلى 32% من الناتج المحلي الإجمالي، إي أكثر بنحو عشرة أضعاف النسبة التي حددها الاتحاد الأوروبي.
وثمة العديد من الجبهات التي تحد من قدرة ايرلندا على تحقيق الاستقرار، أولها أنها كانت صارمة إلى حد ما في إدارة نظامها المصرفي، مما جعل البنوك تدرك حجم مشاكلها وتسارع إلى تقليص الرهون لديها. وسرعان ما كشفت هذه السياسة عن حجم الخسائر المترتبة، وكان على الحكومة ردم هذه الهوة من خلال ضخ السيولة النقدية في البنوك.
وساهم برنامج دعم البنوك حالياً بنحو 75% من زيادة العجز الحكومي خلال الأزمة. ثانياً: كانت الحكومة الايرلندية بطيئة إلى حد ما في خفض الإنفاق وزيادة الضرائب بحكم أغلبيتها الصغيرة في البرلمان الايرلندي، الأمر الذي حد من قدرتها على إقرار سياساتها.
ولا تمثل جهود الحكومة الأيرلندية لخفض الإنفاق وزيادة الضرائب حتى الآن سوى ثلث إنجازات نظيرتها اليونانية. وستواجه ايرلندا فترة ركود طويلة قبل إجراء الإصلاحات الكافية في اقتصادها.
التزام الحذر
ونصح غاري دوغان المستثمرين بالتزام الحذر في بحثهم عن استثمارات عالمية مدرة للعائدات. إذ يسهم النطاق الواسع من التسهيلات الكمية والعائدات المنخفضة جداً في أسواق السندات الحكومية بالولايات المتحدة وألمانيا واليابان في تشجيع العديد من المقترضين على الاستثمار في عروض السندات، وهي ليست جميعها جديرة بذلك.
وتكشف بعض أجزاء سوق السندات عن بوادر توتر ملحوظ؛ فمن المثير للاهتمام أن نلاحظ ارتفاع هوامش السوق لقروض الاستدانة إلى أعلى مستوى له منذ نهاية عام 2001، وذلك في جزء واحد فقط من سوق السندات.
وذكرت «بلومبيرج» أن الهوامش الجديدة لفائدة القروض عالية العائدات والمخاطر - والكثير منها دون مستوى التصنيف الاستثماري - قد ارتفعت بنسبة 2 .5 نقطة مئوية قياساً بعائدات السندات الحكومية.
وبينما لا تعتبر عائداتها في أعلى مستوى لها، فإن علاوة المخاطر لهذه الفئة من السندات تعد الأعلى طوال سنوات عديدة. ويعكس ارتفاع علاوة المخاطرة إدراك السوق لمخاطر السندات المدعومة بالقروض.
وتكمن مشكلة سوق قروض الاستدانة في حجم العرض؛ حيث قامت البنوك بتقديم قروض استدانة بقيمة 6 .249 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، وهو ما يفوق إجمالي القروض المقدمة خلال عام 2009 بنحو ضعفين ونصف.
مستثمرو السندات
بالنسبة لمستثمري السندات فإن الكثير من مكاسب رأس المال منذ بداية هذا العام ناجمة عن انخفاض عائدات السندات الحكومية وليس نتيجة خفض علاوات المخاطرة. وتؤدي التسهيلات الكمية والبيئة المالية ذات التضخم المنخفض إلى تراجع عائدات السندات الحكومية، في ما تسهم مشاكل الاقتصادات المتعثرة حول العالم في زيادة العائدات.
ويمكن للمستثمرين الارتياح إزاء البيانات الاقتصادية الداعمة ولاسيما في الصين والولايات المتحدة. حيث أظهرت أحدث البيانات الواردة من الصين تحسن مستوى الثقة الصناعية.ويشير حجم الطلبيات الجديدة إلى تعافي الطلب المحلي الصيني بشكل جيد قياساً بالمستوى المتدني الذي شهده خلال الربع الثاني.
كما جاءت بيانات ثقة المستهلك في الولايات المتحدة أفضل من التوقعات. وازداد الدخل الفردي بنسبة 5 .0% في شهر أغسطس، وهي أقوى زيادة شهرية منذ ديسمبر 2009. وواصل الاستهلاك نموه في شهر أغسطس مع ازدياد الإنفاق الحقيقي مع احتساب معدل التضخم بنسبة 2 .0%.
وفي خطاب ألقاه الأسبوع الماضي، واصل رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بولاية نيويورك وليام دادلي تأكيد الحاجة إلى مزيد من التسهيلات الكمية الكبيرة، وضرب مثالاً كيف أن مشتريات بقيمة 500 مليار دولار تعادل خفضاً لأسعار الفائدة بواقع 50 نقطة أساس.
