بعد أن أعلن البنك المركزي الياباني في خطوة غير متوقعة خفض سعر الفائدة إلى المستويات الصفرية وكذالك قيامه بتسهيل سياسته النقدية من خلال إنشاء صندوق لشراء السندات الحكومية من الأسواق، تتجه العديد من البنوك المركزية في الاقتصادات العالمية الرئيسية بالتوسع في سياستها النقدية وفقاً للتلميحات التي كانت تخرج من بنوك مثل البنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي البريطاني، الأمر الذي يؤكد حقيقة واقعة وهي أن الاقتصاد العالمي يعاني فعلاً من تباطؤ اقتصادي حاد وأنها تسعى لتفادي ما يحتمل أن يكون الأسوأ.

المركزي الياباني الذي فاجأ الجميع بخطوة غير متوقعة، وافق على شراء سندات الشركات والسندات الحكومية التي يصل ميعاد استحقاقها من عام إلى عامين، كما وافق على تكوين صندوق نقدي جديد لدعم السيولة في الأسواق المالية اليابانية.

الإنفاق الحكومي

وقال تقرير لشركة الفجر للأوراق المالية: تشير التوقعات في المملكة المتحدة إلى أن تراجع حجم الإنفاق الحكومي من أجل تقليص عجز الموازنة في الربع الثاني، والذي يؤثر سلباً على عملية التعافي، قد يكون عاملاً دافعاً لمعاودة تفعيل سياسة التخفيف الكمي من جديد والتي توقفت عند مبلغ 200 مليار جنيه إسترليني، وما يعني ذلك احتياج البلاد للمزيد من الدعم.

خاصة مع خطط الحكومة نحو خفض الإنفاق العام. ووفقاً لتصريحات رئيس البنك المركزي البريطاني فإن البنك أمامه المزيد من الوقت حتى يعود بأسعار الفائدة إلى المستويات العادية التي كانت عليها قبل الأزمة، ولن يتم تقييد السياسة المالية إلا عندما يحين الوقت لذلك، وهذا ما يؤكد أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يحتاج المزيد من المساندة والاستمرار في تخفيف السياسة النقدية.

وفي منطقة العملة الأوروبية الموحدة على جانب أظهرت أحدث البيانات استمرار تباطؤ نمو القطاعات الرئيسية وفي قطاع الصناعة، إذ أن القراءة النهائية لمؤشر مديري المشتريات عن شهر سبتمبر سجلت قيمة 1, 54 من 9, 55 لشهر أغسطس السابق والذي يعد الأسوأ منذ سبعة أشهر، فيما انخفضت وتيرة نمو القطاع الصناعي إلى 7, 53 في نفس الفترة من 1, 55 للشهر السابق له.

هذا التراجع ينسب إلى ما تقوم به الحكومات من خفض الإنفاق العام، وكذلك إلى الوضع السيئ لسوق العمل في المنطقة، حيث سجل معدل البطالة 1, 10% في أغسطس ليصبح بذلك ضمن أعلى مستوى منذ أكثر من 12 عاماً، وما لذلك تأثير سلبي واضح على عمليات الإنفاق والاستهلاك، والتي انعكست جلياً على مبيعات التجزئة التي انكمشت على غير المتوقع في أغسطس لتسجل -4, 0% من 1, 0% وانخفضت على المستوى السنوي لتصل إلى 6, 0% من 1, 1% للقراءة السابقة.

هذه المعطيات تؤكد ان الاقتصاد الأوروبي يتجه هو الآخر نحو توسيع سياسته النقدية على الأقل لتعويض التراجع في الإنفاق الحكومي.

تحذيرات أميركية

في الولايات المتحدة جاءت تحذيرات رئيس الفيدرالي الأميركي الأخير من تفاقم العجز كمؤشر على أن الفيدرالي يتجه لتعويض خفض الإنفاق الحكومي بمزيد من سياسات التخفيف الكمي أو التيسير النقدي.

فقد أكد برنانكي في محاضرة له هذا الأسبوع أن العجز المتفاقم في الموازنة الاتحادية -الذي بلغ 47, 1 تريليون دولار في السنة المالية التي انتهت بنهاية سبتمبر الماضي، سيصيب الاقتصاد الهش أصلاً بأزمة خطيرة ما لم تتخذ خطوات سريعة لاحتوائه.

الخيارات المتاحة وفقا للفيدرالي الأميركي هي بشراء ديون حكومية للتخفيف من العجز الكبير. علماً أن الفيدرالي قد اشترى لحد الآن ما قيمته 7, 1 تريليون دولار من الديون الحكومية والرهون العقارية والسندات.

هذه التصريحات فسرت من قبل الأسواق على انها امتداد لتلميحات سابقة بشأن التدخل لدعم الاقتصاد من خلال المزيد من التيسير النقدي بل وحملت تصريحات بن برنانكي الجديدة على الاعتقاد بأن مجلس الاحتياطي سيتخذ إجراءات تصحيحية في اجتماعه المقبل يومي الثاني والثالث من نوفمبر المقبل.

الأمر الذي دفع مؤشرات الأسواق والنفط والذهب للارتفاع والتحليق عالياً هروباً من الدولار المهدد بمزيد من التراجع.

أسباب التحرك

وظل ارتفاع الأسواق الأميركية الذي يتواصل منذ ان لوح الفيدرالي بالعودة القوية لسياسات التخفيف الكمي والذي بلغ في إقفال يوم الثلاثاء الماضي 2, 9% منذ مطلع يونيو الماضي، جاء على الرغم من البيانات الاقتصادية الضعيفة المتعلقة بالأشهر القليلة الماضية.

هذا التناقض بين الأداء الاقتصادي السيئ وبين أداء أسواق الأسهم الجيد جداً، تثير التساؤل حول الأسباب التي تدفع أسواق المال لمخالفة اتجاه الاقتصاد الحقيقي كما يثير التساؤل فيما إذا كان هذا التناقض مدفوعاً ومرغوباً فيه لتحقيق أهداف مرسومة. ويوضح تقرير الفجر:

تعتقد، وهو ما كنا قد اشرنا إليه سابقاً، أن السياسات الاقتصادية الأميركية قد اختارت تحسين قيمة الأصول المالية (الأسهم) كوسيلة مكملة لتحفيز الإنفاق الذي يشكل 70% من الاقتصاد.

ان اختيار أسواق الأسهم من قبل صناع السياسة الاقتصادية كوسيلة محفزة لزيادة الأنفاق، لا يعني ان السلطات الاقتصادية قد تدخلت بصورة مباشرة لرفع الأسواق بل يعني ان الأموال التي تم ضخها لدعم النظام المالي وظفت من قبل المصارف في أسواق الأسهم خصوصاً لأن مخاطر التوظيف في الإقراض التقليدي لا تزال ماثلة أمام المصارف الأميركية.

وهكذا وعلى الرغم من ان الاقتصاد الأميركي لا يزال يناضل من أجل الخروج من الركود فقد ارتفع مؤشر الداو الصناعي حتى 21-9-2010 بنسبة 62% من القاع الذي كان قد وصله في مارس2009.

مثل هذا التحسن إذا ما استمر فسوف يعيد الثقة للمستهلك الأميركي الذي سيبدأ تدريجياً بزيادة إنفاقه وبما يؤدي بدوره إلى تحسن فرص توظيف العمالة العاطلة مع تزايد الطلب وإيجاد فرص العمل الجديدة ليتمكن الاقتصاد من معاودة مستويات نمو مرتفعة.

لذلك كنا قد توقعنا في الشهر الماضي استمرار تحسن أداء الأسواق الأميركية مع عودة الفيدرالي لسياسات التخفيف الكمي وبالفعل فقد تواصل هذا الأداء المتصاعد على الرغم من أن البيانات التي صدرت خلال فترة الشهر المنصرمة كانت سلبية إلى الحد الذي أعاد إحياء التوقعات المتشائمة التي ترى احتمال مجيء الأسوأ.