يشهد سوق أبوظبي العقاري حركة تصحيحية ملحوظة وتهاويا لسطوة المضاربين عليه بعد أن سيطروا عليه خلال أعوام 2006، 2007 و2008 وأشعلوا فيه حرب أسعار حققوا منها أرباحاً خيالية.
وتتراجع حالياً أسعار الأراضي والإيجارات السكنية والتجارية بصورة شبه أسبوعية لتعود إلى سابق عهدها عام 2006 بعد أن لفظ السوق الدخلاء عليه وحول أرباحهم الخيالية إلى خسائر وإضطرهم إلى إغلاق مكاتبهم العقارية التي كانت افتقدت إلى أدنى مواصفات العمل في قطاع الإيجارات سواء من ناحية المباني أو الكوادر البشرية أو اللوائح التنظيمية.
أعداد السماسرة
وشهدت أبوظبي تزايداً غير مسبوق في أعداد السماسرة والوسطاء والمضاربين غير المرخصين بعد تطبيق قرار حكومة أبوظبي ببدء التداول على الأراضي صيف 2005 ثم تضاعف عدد السماسرة والمضاربين مع عام 2007 حينما ارتفع الطلب بصورة كبيرة على الأراضي والسكن داخل مدينة أبوظبي وخارجها، وتراجع المعروض من الأراضي والوحدات السكنية.
وتزامن ذلك مع بدء تنفيذ المشاريع العقارية الضخمة الجديدة لشركات الدار وصروح وطموح ومنازل والقدرة والريان وإشراق، وحقق المضاربون والسماسرة أرباحاً قياسية سواء من مبيعات الأراضي أو تأجير الوحدات السكنية والتجارية والفيلات، وظهرت سطوتهم ونفوذهم في معرض سيتي اسكيب أبوظبي 2008 .
حيث باعوا أراضي بأربعة أضعاف أسعارها على الأقل وقد ساعدهم على ذلك الطوابير الطويلة من العملاء الذين اكتظ بهم مركز المعرض في مبني مركزأبوظبي الوطني للمعارض.
توفر المعروض
ومع تراجع الطلب على الأراضي والعقارات بداية عام 2009 وانخفاض الأسعار وتوفر معروض متزايد بشكل مستمر بدأ سوق أبوظبي رويداً رويداً يلفظ الدخلاء عليه من السماسرة والمضاربين ليلقي بهم في غياهب الإفلاس والندامة.
ويؤكد عبدالرحمن الشيباني المدير العام لمكتب الغانم للعقارات أكبر المكاتب العقارية في أبوظبي أن المضاربين والسماسرة الدخلاء على المهنة اختفوا من السوق إلى حد كبير، لافتاً إلى أن هناك أعداداً كبيرة من مكاتب الوساطة العقارية والسماسرة أغلقوا مكاتبهم أو حولوها إلى أنشطة تجارية أخرى بعد أن تكبدوا خسائر كبيرة.
ولفت إلى أن أعوام 2006 و2007 و2008 كانت سنوات العصر الذهبي للسماسرة والمضاربين، مشيراً إلى أن السوق شهد فجأة دخول أعداد لا حصر لها من المكاتب والسماسرة غير المهنيين وافتقدوا جميعاً للخبرة، فضلاً عن أن غالبيتهم افتتحوا مكاتبهم في غرف لا تليق بمكتب عقاري.
وللأسف فقد تركزت أعمالهم على المضاربة فقط وليس إدارة وبيع واستثمار وصيانة العقارات والأراضي مثل المكاتب الكبيرة والقوية التي بقيت صامدة أمام أعاصير الأزمة العالمية المالية.
ولفت إلى أن المضاربين كانوا أبرز الأسباب وراء ارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات السكنية والتجارية، لافتاً إلى أن بعضهم كان يحقق ربحاً في بيع قطعة الأرض الواحدة أكثر من 100 ألف درهم، حيث ان عمولته كانت تصل إلى 1%، كما أن بعض المكاتب والسماسرة كانوا يحصلون من المستأجر للوحدة السكنية في أبوظبي على نحو 20 ألف درهم كعمولة وخلافه.
تساهل البنوك
وأشار الشيباني إلى أن تساهل البنوك في الإقراض للمشترين سهل خداع بعض المضاربين للبائعين والمشترين معاً، مشيراً إلى أن غالبية البنوك كانت تقدم تمويلات تصل إلى 70% وأحياناً 95% للشراء، وللأسف فقد قام هؤلاء المضاربون الذين كان غالبيتهم أناس بدون عمل في الإمارة وبدون ترخيص من جهات رسمية بملاحقة البائعين وتزيين عمليات البيع لهم وهو ما فعلوه أيضاً مع المشترين ليجنوا عمولات مرتفعة جداً.
وشدد على أن السوق حالياً يشهد تصحيحاً واستقراراً بعد غياب الوسطاء والمضاربين، مشيراً إلى أن الأسعار تتراجع سواء في العقارات أو الأراضي خاصة مع تراجع الطلب علماً أن هناك زيادة ملحوظة خلال الأيام القليلة الماضية في الطلب على الأراضي ذات المساحات الصغيرة في أبوظبي مقارنة بالأراضي ذات المساحات الكبيرة، كما أن الإقبال يتزايد على الوحدات السكنية ذات الغرفة والغرفتين وليس ثلاث غرف.
ولفت إلى أن تراجع الطلب لا يعود إلى محدودية الأموال النقدية «الكاش» مع الراغبين في الشراء أو إلى تشدد البنوك في التمويل، حيث شهدنا مؤخراً قيام بنوك في أبوظبي بتمويل 50% من قيمة شراء الأراضي، ولكن تراجع الطلب يرجع إلى توقعات عديدة بالمزيد من تراجعات الأسعار، حيث ان الأسعار رغم انخفاضها إلا أنها مازالت مرتفعة.
تنظيف طبيعي
أكد عتيبة العتيبة رئيس لجنة العقارات السابق في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي أن السوق «نظف» نفسه من المضاربين والسماسرة بشكل طبيعي وهو ما كان متوقعاً، لافتاً إلى أن الغث يذهب جفاء وأن المكاتب الأفضل القوية الأنفع للإمارة ومستقبلها بقيت وقويت.
ويقول: لا شك أن سطوة السماسرة في سوق العقارات سواء عمليات بيع وشراء الأراضي أو الإيجارات السكنية والتجارية في أبوظبي قد تراجعت خلال الفترة الماضية مقارنة بما كانوا عليه خلال عامي 2007 و2008.
مشيراً إلى أن السوق امتلأ بسماسرة افتقدوا للقيم الأخلاقية ولم تكن لهم وظائف وأشعلوا الأسعار بدون داع مطلقاً، لكن السوق تخلص من غالبيتهم حالياً، ويجد المشترون والمستأجرون اليوم خيارات عديدة بعد أن عادت لافتات للإيجار وللبيع في أماكن كثيرة في مدينة أبوظبي وخارجها وبلاشك فإن الوضع حالياً أفضل مما كان قبل، حيث تتواجد حالياً وحدات سكنية وأراضي وإن كانت ليست بالعدد المطلوب ولكن السوق يتحسن ويصحح نفسه تدريجياً وعليه أن نتركه يصحح نفسه دون تدخل من أحد.
ولفت إلى أن الوسطاء والسماسرة والمضاربين تسببوا لأنفسهم في خسائر كبيرة، مشيرا إلى أن غالبيتهم لم يكن لديهم أية خبرات عملية بسوق أبوظبي أو أصول المضاربة والسمسرة الحقيقية.
كما أنهم دخلوا في صراعات مع بعضهم البعض لكثرة أعدادهم، كما أن البيئة التي كانوا يعملون فيها خلال سنوات 2006، 2007 و2008 هيأت لهم الكسب السريع ولم ينتبهوا إلى أن الأيام حبلى بالمفاجآت التي لم يستعدوا لها ولكن ما حدث من اختفاء لهم أراح السوق كثيراً ودفعه للاستقرار التدريجي وهو ما نعيشه حالياً.
أبوظبي- عبدالحي محمد
