إذا أردنا تعريف الاقتصاد الإسلامي فهل يكفي أن نقول إنه اقتصاد إلهي أو رباني دون تحديد أو تفصيل لأهم المبادئ الأخلاقية التي يقوم عليها وأولها أن الأموال التي نحتفظ بها لا تعد من أملاكنا الخاصة وأن المال جميعه هو مال الله وإنما نحن مستخلفون فيه لإنفاقه في ما يرضيه ويحله.
يقول ربنا (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) الحديد 7، ويقول أيضاً (وآتوهم من مال الله الذي أتاكم) النور 33.
يخطئ من يظن أن الاقتصاد الإسلامي مفهوم ولد في العصر الحديث أو انه من نتاج أسلمة العلوم والمفاهيم أو إضفاء الروح الإسلامية على المستجدات التي اقتحمت علينا حياتنا مؤخراً.
ان الاقتصاد الإسلامي بدأ نوره يشرق على الدنيا بنزول أول آية من القرآن العظيم قبل أن يضع العلمانيون الغربيون ـ ما عرف في ما بعد باسم علم الاقتصاد ـ وجعلوا الربا لبه وجوهره رغم ان الربا محرم في الأديان السماوية الثلاثة وآخرها الرسالة الخاتمة: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) البقرة 278، 279.
وقبل تحريم الربا في الآيتين السابقتين يأتي تحريم أكل أموال الناس في الآية 188 من سورة البقرة بعد آيات فرض الصيام وكأن الله تعالى يريد ان يقول لنا انكم ستصومون في شهر رمضان عن الطعام والشراب والشهوة (أياماً معدودات) إلا انكم ستصومون عن أكل أموالكم بينكم بالباطل طوال حياتكم، وإذا كان الصيام ركناً من أركان الإسلام فإن النزاهة المالية وطهارة اليد هما عماد حياتكم المستقرة الآمنة.
(ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) 188 البقرة.
ما دامت أموالي فلماذا لا آكلها؟ إن الأمر هنا للجميع، والأموال مضافة للجميع، فالمال يكون ساعة ملكاً لي، فهو في الوقت نفسه يكون مالاً ينتفع به الغير. إذاً فهو أمر شائع عند الجميع، لكن ما الذي يحكم حركة تداوله؟ إن الذي يحكم حركة تداوله هو الحق الثابت الذي لا يتغير، ولا يحكمه الباطل. وما معنى الباطل، والحق؟
إن الباطل هو الزائل، وهو الذي لا يدوم، وهو الذاهب. والحق هو الثابت الذي لا يتغير فلا تأكل بالباطل، أي لا تأكل مما يملكه غيرك إلا بحق أثبته الله بحكم: فلا تسرق، ولا تغتصب، ولا تخطف، ولا ترتش، ولا تكن خائناً للأمانة التي أنت موكل بها، فكل ذلك إن حدث تكن قد أكلت المال الباطل.
استقرار
وحين تأكل بالباطل فلن تستطيع أنت شخصياً أن تعفي غيرك مما أبحته لنفسك، وسيأكل غيرك بالباطل أيضاً. وما دمت تأكل بالباطل وغيرك يأكل بالباطل، هنا يصير الناس جميعاً نهباً للناس جميعاً. لكن حين يحكم الإنسان بقضية الحق فأنت لا تأخذ إلا بالحق، ويجب على الغير ألا يعطيك إلا بالحق، وبذلك تخضع حركة الحياة كلها لقانون ينظم الحق الثابت الذي لا يتغير، لماذا؟ لأن الباطل قد يكون له علو، لكن ليس له استقرار.
إن الحق يريد للإنسان أن يتحرك ليشبع حاجته من طعام وشراب ومأوى، وبذلك تستمر دورة الحياة. إنه سبحانه يريد أن يضمن لنا شرف الحركة في الحياة بمعنى أن تكون لك حركة في كل شيء تنتفع به؛ لأن حركتك لن يقتصر نفعها عليك، ولكنها سلسلة متدافعة من الحركات المختلفة، وحين تشيع أنت شرف الحركة فالكل سيتحرك نحو هذا الشرف، لكن الباطل يتحقق بعكس ذلك، فأنت حين تأكل من حركة الآخرين تشيع الفوضى في الكون.
وعلى هذا فالحركة الحلال لا يكفي فيها أن تتحرك فقط، ولكن يجب أن تنظر إلى شرف الحركة بألا تكون في الباطل، لأن الذي يسرق إنما يتحرك في سرقته، ولكن حركته في غير شرف وهي حركة حرام.
إذاً كل مسروق في الوجود نتيجة حركة باطلة، وكذلك الغصب، والتدليس، والغش، وعدم الأمانة في العمل، والخيانة في الوديعة، وإنكار الأمانة، كل ذلك باطل، وكل حركة في غير ما شرع الله باطل، حتى المعونة على حركة في غير ما شرع الله، كل ذلك باطل.
ويقول لنا الحق سبحانه: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» أي إياكم أن تأكلوها بالباطل ثم تدلوا بها إلى الحكام ليبرروا لكم أن هذا الباطل هو حق لكم. فهناك أناس كثيرون يرون في فعل الحاكم مبرراً لأن يفعلوا مثله، وهذا أمر خاطئ؛ لأن كل إنسان مسؤول عن حركته.
لا تقل إن الحاكم قد شرع أعمالاً وتلقى عليه تبعة أفعالك؛ ومثال ذلك تلك الأشياء التي نقول عليها إنها فنون جميلة من رقص وغناء وخلاعة، هل إباحة الحكومات لها وعدم منعها لها هل ذلك يجعلها حلالاً؟ لا؛ لأن هناك فرقاً بين الديانة المدنية والديانة الربانية. ولذلك تجد أن الفساد إنما ينشأ في الحياة من مثل هذا السلوك.
إن الذين يشتغلون بعمل لا يقره الله فهم يأكلون أموالهم بالباطل، ويدخلون في بطون أولادهم الأبرياء مالاً باطلاً، وعلى الذين يأكلون من مثل هذه الأشياء أن ينتبهوا جيداً إلى أن الذي يعولهم، إنما ادخل عليهم أشياء من هذا الحرام والباطل، وعليهم أن يذكروا ربهم وأن يقولوا: لا لن نأكل من هذا المصدر؛ لأنه مصدر حرام وباطل، ونحن قد خلقنا الله وهو سبحانه متكفل برزقنا.
وعلى طريق تحديد المبادئ التي يدعو إليها الاقتصاد الإسلامي يمكن أن نشير أيضاً إلى أن أطول آية في القرآن الكريم هي آية الدين رقم 282 من سورة البقرة قد فصلت أساسيات التعامل المالي بين المسلمين وهذه الآية الكريمة تعتبر بحق المدخل الحقيقي إلى علم المحاسبة، وكونها أطول آية من بين 6636 هي مجموع آيات الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لهو اشارة وضّاءة لا يخفى معناها على أولي النهى والألباب.
ايمان
(يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء.
إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) البقرة 282
إن الله يريد أن يسير دولاب الحياة الاقتصادية عند من لا يملك، لأن من يملك يستطيع أن يسير حياته، أما من لا يملك فهو المحتاج. ولذلك فهناك مثل في الريف المصري يقول: من يأخذ ويعطي يصير المال ماله.
إنه يقترض ويسدد، لذلك يثق فيه كل الناس، ويرونه أميناً ويرونه مجداً، ويرونه مخلصاً، ويعرفون عنه أنه إذا أخذ وفى، فكل المال يصبح ماله. إذاً فالله، سبحانه، بكتابة الدين يريد حماية سعي الإنسان وحركة الحياة المتسمة بالشرف والأمانة.
أحمد عبدالمجيد