قال تعالى: «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون»، «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون».
فالله حينما يذكره الإنسان يشعر براحة نفسية تسيطر على حواسه وبقوة تامة تملأ جوانبه ويتلمس نوراً يضيء له كل ما حوله ويسبح بفكره إلى عالم علوي يسلب لبه ويجذب إليه روحه ويشعر أنه انتقل من عالم المحسوسات إلى عالم المغيبات ويتخيل تلك اللحظة الرهيبة التي عاشها رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم.
في ضيافة رب العزة ليلة المعراج وقد تجلى بأنواره القدسية فخر ساجداً خاشعاً يسبح ربه قد اضطرب فؤاده واهتزت جوارحه رغبة ورهبة وما رفع رأسه من سجوده إلا بعد أن سمع نداء غطى سمعه واهتزت له جوارحه (أرفع رأسك تعط). وما كان له أن يبلغ هذه المنزلة لولا فيض الله برحمته وإعزازه لنبيه وترحيبه بحبيبه وتأييده لصفيه ورسوله.
ولقد أراد موسى عليه السلام من قبل أن يحظى بنعمه الفيض الإلهي وطلب من ربه أن يراه فقال: (رب أرني أنظر إليك) فأجاب المولى عز وجل: (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً) فلم يستطع الجبل أن يثبت لأنوار ربه فتزلزل وارتجف واضطرب فزعاً ورهبة ودك خشية وخضوعاً (خر موسى صعقا) سقط مغشياً عليه ولم يستطع الصمود لأنوار ذاته القدسية.
(فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك) أناب إلى الله وطلب منه الصفح والغفران لجرأته على طلب رؤية الحق تبارك وتعالى وما كان له أن يطلب رؤية ذات تجلت عن الوصف وتعالت عن الكيف إلا لشدة تشوقه لرؤيا الله.
وطلب قومه ذلك من قبل (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) فماذا كان جزاؤهم على هذه الجرأة؟ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم انتشرت النار في كل مكان تصعق هؤلاء وتردهم إلى الصواب فكيف لعبد ذليل يتطاول فيطلب رؤية الخالق الأعظم الذي خلقه فسواه فعدله في أي صورة ما شاء ركبه. والإنسان في كل زمان ومكان جبار عنيد فإذا ما جاءه نور من ربه يأخذ بيده إلى طريق الخير أطفأه باليد الأخرى.
يميل إلى الجدال والمعارضة (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً).
هكذا شأن المجادلين المكابرين لا يميلون إلى الاعتراف بسهولة ولا يحبون الانصياع لما تجيء به الرسل ويجدون في ذلك ذلة لهم ومهانة إذ كيف يستسلمون لرجل مثلهم من جنس البشر الذي يأكل ويشرب كما يأكلون ويشربون (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً) يريدون رؤية ملك يسير في صحبة الرسول يصدق كل كلمة يقولها ويستمعون لحديثه وتأييده وحينئذ يستجيبون لدعوته وأنى يستجيبون وهم المتعنتون !؟ لقد جادلوا كثيراً في وجود الله ودفعهم الجدال إلى إنكار وجوده وأشبهوا الدهريين في آرائهم.
(وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم يظنون). وهذان مشهدان صورهما كتاب الله لنا لندرك أن الذين حاولوا إنكار وجود الله سبحانه وتعالى لم يكن لهم بذلك أدنى برهان (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين).
رجاء علي