يقول تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون)..!
هذه آية عقائدية تدخل في تكوين عقيدة المسلم، ولا سيما أهل السنة، التي تثبت الشفاعة لله وحده، وليس لأحد غيره أن يفرض نفسه عليه، عز شأنه، شفيعاً دون إذنه، بل رب العزة سبحانه وتعالى هو الذي يرشح من يشاء ليشفع في من يشاء، ومعلوم أن الأنبياء مرشحون للشفاعة، وكذلك المرسلون مرشحون، والشهداء مرشحون، والعلماء مرشحون والأطفال الصغار مرشحون، كل ذلك بإذن الله ورضاه..!
وهذا الفهم هو الذي لم يفهمه غير أهل السنة، إذ وزنوا الشفاعة بموازين البشر اليوم، واعتبروها نوعاً من الوساطة الأرضية، التي تعطي بعض الناس ما ليس حقاً لهم، كالتلميذ المتخلف عن تحصيل ما كتب عليه من دروس، ثم يتدخل أحد الكبار لمساعدته في تجاوز لجان الامتحان، أو يشفع له عند المدير لإنجاحه دون حق، وهذه ليست شفاعة وإنما هي جريمة، لأنه يعطي من لا يستحق مكان غيره المستحق، وما شاء الله أن يكون الأمر عنده كذلك، لأنه هو صاحب الأمر كله، ومن رحمته بأحد خلقه أن يأذن لبعض أهل الرضى أن يشفع فيه..!
ومن عجب ومن رحمة الله أيضاً، أن يجعل الله عز وجل العبادة الصادرة عن العبد مخلوقاً ذا حياة خاصة، هذا إن ولدت صحيحة، مبثوثاً في روحها تعبد وتذلل خالصين، عند ذلك تصير العبادة كائناً حياً يدفع عن صاحبه بشدة، كما ورد في حديث عبدالرحمن بن سمرة الطويل، وهذا حديث كان يعظمه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يصور العبد على الصراط تأتيه الأعمال التي قصر فيها، تريد أن تجذبه لتسقطه في جهنم، فتأتيه الأعمال الصالحة فتنقذه، أو تشفع فيه..!
وحديث أيضاً صحيح يقول: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه.. قال: فيشفعان» فلو كانت هذه الشفاعة على الصراط فأنعم بها من شفاعة، وإن كانت هذه الشفاعة عند وزن الأعمال، فبها ونعمت، وإن كانت عند تطاير الصحف، فما أجملها من شفاعة..!
والحقيقة أنه ليس كل صوم يصح أن يكون شافعاً، وليست كل قراءة للقرآن تشفع لصاحبها، بل إن بعض العبادات تقع من صاحبها فتجلب عليه اللعنة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا طول السهر»، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس له حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»..
كذلك القرآن، هناك قراءة تثيب وتجزي صاحبها، وقراءة تجلب غضب الله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رب قارئ للقرآن، والقرآن يلعنه»، فما على المسلم إلا أن يحسن ويتقن عبادة ربه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
علي عبيد