قال الشيخ: الحديث عن طول الأمل كواحد من أهم أسباب اعتلال القلب يجب أن يسبق أية محاولة لفهم ما نحن فيه وما سنصير إليه، وقد رأينا أن أكثرنا ينفق أكثر وقته في عمل شاق لكسب معاشه في هذه الدنيا، حتى إذا عاد إلى بيته طلب الراحة والاسترخاء وهكذا تمضي الأيام لا تعمرها إلا الفروض الهزيلة دون حسن صلة بالله عز وجل.

أقول فما بالنا والنداء يتردد خمس مرات في اليوم (الله أكبر الله أكبر)! هل صمت الأذان أم أن هذا النداء العجيب قد فقد معناه؟فهو لا يحولنا عما نحن فيه مهما كان بخسا وتافها، بل لا يبعث في نفوسنا أي معنى مما يتصل بشهود الله ومراقبته، ونحن نردد في اليوم عشرات المرات (الله أكبر) في صلواتنا وأخشى أن يكون هذا كذبا على الله والخلق وعلى أنفسنا، لأن أحوالنا لا تتسق مع معاني (الله أكبر) في ليل أو نهار.

ونقول لمن يأخذ كدحه من أجل معاشه أكثر وقته:دع جوارحك تشتغل للدنيا ودع قلبك للحضور مع الله وذكره، فالعبادة القلبية أرفع من عبادة الجوارح وأكمل وان كانت لا تغني عنها، فالإخلاص والتوكل والرجاء والخوف والتواضع والصبر واتقاء الشبهات من أسمى ما يتقرب به العبد من ربه، والأذكار التي صحت عن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال ومع كل الأعمال وفي كل الهيئات كفيلة بأن تملأ حياة المؤمن بما يقربه من ربه ويزيد في أجره ويجعله دائم الحضور مع الحق سبحانه وتعالى.

إن من حضر قلبه مع الله لم يضره انشغال جوارحه في كسب عيشه، بل ان هذا الأخير يتحول الى عبادة يؤجر عليها وهذا من كرم الله سبحانه وتعالى، ولكن المصاب ليس في العمل لكسب الرزق وانما في التعويل على هذه الدنيا أكثر من الآخرة، وكثرة الأمل فيها حتى كأنها كل شيء، فكم من رجل قتلته الحسرة لأنه لم يستطع امتلاك مسكن يعجبه مع أن مسكنه الحقيقي في قبره.

وكم من امرأة قتلها الكمد لأنها لم تنجب ولدا مع أنها في الجنة لن ينقصها ما يؤنسها، وهل من أنس كالأنس برب العزة جل وعلا، قيل إن بعضا من أصحاب المليارات نقصت ملياراته قليلا أو كثيرا في الأزمة المالية السابقة فركبته الأمراض والعلل وربما توقف قلبه من الحزن والكمد مع أنه في حياته لم ينقصه شيء، فمثل هذا الأمل والتعلق بدنيا فانية سرعان ما تطوي أمرا خطيرا لأنه مبني على خلل في النظر والاعتبار وعدم فهم عن البارئ القهار.

قيل إن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة بعد أن فرغ من دفن سلفه أراد أن يرتاح قليلا فجاءه ابنه وقال:يا أبت ورد المظالم قال: أقيل قليلا ثم أصلي الظهر وأجلس للناس فأرد لهم ظلامتهم، فقال ابنه: ومن يملك لك يا أبت أن تحيا لما بعد الظهر؟ فهب عمر واقفا وقبل ابنه بين عينيه ثم خرج للناس.

قال بعضهم: لقد ظفرت بالنجاة من الموت في أوقاتك الماضية فبنيت الوقت الذي أنت فيه على السلامة من الموت على حسب ما سبق وهو الباب الذي دخل منه أكثر هلاك الخلق.

ولكن الا نشهد الموت كل يوم وهو يلتقط من حولنا من نظن ومن لا نظن؟فالموت مجهول في حياة العبد من يوم مولده لا يدري متى يقع دون نذير، والمرء منا اما مشغول بتحقيق أمل في لذة أو غرض من أغراض الدنيا، أو مكروب لاتقاء شر قد يقع عليه في الأيام التالية، فيكون شغله وكربه نقدا وتحقيق أمله ودرء شره دينا، وقد يسبقه الأجل فيكون قد دفع الثمن ولم يحصل على ما يريد.

فان كنت ممن تسعى لتحصيل رزقك أكثر النهار لا تبتئس شريطة أن يرضيك الكفاف وان أنعم الله بالمزيد فحمد وشكر، وأن لا تجعل همك في الدنيا لأنها زائلة بفرحها وحزنها، بكثرتها وقلتها، وما عند الله خير وأبقى، وأن يكون أنسك بالله عز وجل عندما يكون قلبك حاضرا معه خاشعا في عباداته التي هي الأصل وعبادة الجوارح هي فروعها المثمرة.

ماهر سقا أميني