أكد تقرير الاستقرار المالي العالمي (أكتوبر 2010) الصادر أمس عن صندوق النقد الدولي أن النظام المالي العالمي لا يزال يمر بفترة من عدم اليقين الشديد، ويمثل نقطة الضعف الرئيسية في مسيرة التعافي الاقتصادي. وقال: رغم ما يتوقع في السيناريو الأساسي من استمرار التعافي الجاري وصولاً بالتدريج إلى تقوية الميزانيات العمومية، فقد حدثت انتكاسة في مسيرة التقدم نحو الاستقرار المالي العالمي منذ صدور عدد أبريل 2010 من التقرير.
وأبرزت الاضطرابات التي لحقت مؤخراً بأسواق الديون السيادية في أوروبا أن أوجه الضعف في الميزانيات العمومية المصرفية والسيادية، قد ازدادت من جراء الأزمة. لكن الموقف المالي تحسن بعد ذلك بفضل التحرك القوي الذي بادر به صناع السياسات، والذي ساعد على استقرار أسواق التمويل والحد من مخاطر الأحداث المتطرفة، وإن ظلت أجواء عدم اليقين الكثيفة تحيط بالأسواق.
وتابع الصندوق في تقريره قائلاً: توسع الناتج العالمي بالتوافق مع التوقعات السابقة، مع تحقيق نمو بالغ القوة في بلدان الأسواق الصاعدة على وجه الخصوص. أما الأسواق الناضجة فهي في فترة الانتقال من حالة الدعم المؤقت إلى تحقيق الطلب الخاص القادر على الاستمرار ذاتياً.
ومع ذلك، فلا تزال الميزانيات العمومية السيادية شديدة التعرض لصدمات النمو التي يمكن أن تقلل من درجات اليقين بشأن استمرارية تحمل الديون. وفي هذا السياق، يجب أن يتصدى صناع السياسات للإصلاحات الرئيسية التالية بغية إرساء نظام مالي عالمي يمتلك مقومات الاستمرار، ومن أجل حماية التعافي الجاري، ينبغي معالجة المشكلات الموروثة في القطاع المصرفي، بما يشمل اللجوء إلى إعادة الرسملة، حيث دعت الضرورة، وتقوية الأساسيات التي تقوم عليها الميزانيات العمومية السيادية، ومواصلة توضيح وتحديد الإصلاحات التنظيمية، بناء على التحسينات الكبيرة المقترحة من لجنة بازل للرقابة المصرفية.
اضطرابات أسواق الدين
وقال التقرير: أدت الاضطرابات في أسواق الدين السيادي الأوروبية إلى تعجيل انتكاسة التقدم نحو تحقيق الاستقرار المالي، حيث أصبحت زيادة مواطن الضعف في الميزانيات العمومية السيادية والمصرفية مصدراً كبيراً للقلق في الأسواق. ووقعت بعض الكيانات السيادية في منطقة اليورو تحت وطأة ضغوط التمويل بسبب التحديات الراهنة التي تتعلق بمدى استمرارية الدين السيادي، مصحوبة بتركز عمليات تجديد الديون قصيرة الأجل وافتقار قاعدة المستثمرين إلى التنوع.
وتداعت آثار هذه الضغوط فانتقلت إلى القطاع المصرفي، ما عزز احتمال تحقيق سيناريو قاتم يتسم بانكماش الائتمان وتباطؤ النمو وتزايد ضعف الميزانيات العمومية. ولا تزال الأوضاع السائدة هشة حتى الآن، وإن كانت السلطات على المستويين القومي وفوق القومي قد ساهمت في استقرار أسواق التمويل وتخفيف حدة المخاطر القائمة بتحركها القوي لمعالجة المخاطر السيادية وتعزيز الثقة في النظام المالي، وهو ما تضمن على وجه الخصوص توفير معلومات مفصلة عن الميزانيات العمومية المصرفية.
ويعرض الفصل الأول من التقرير تحليلاً للتحديات التي تواجه البلدان المتقدمة في تعاملها مع التلازم بين تباطؤ التعافي الاقتصادي وارتفاع مستويات المديونية وعمليات تجديد الديون، واستمرار ضعف القطاع المالي. وينطلق التقرير من افتراض أن الميزانيات العمومية للكيانات الخاصة والسيادية ستواصل التحسن بالتدريج مع تحسن البيئة الاقتصادية المحيطة، وأن السياسات الرامية إلى معالجة المشكلات الموروثة في النظم المصرفية الرئيسية يتم تنفيذها بالتوازي مع سياسات مهمة أخرى لتحقيق الاستقرار.
ومع ذلك، فمن الممكن أن يؤدي ارتفاع مخاطر التطورات السلبية على الاقتصاد الكلي وضغوط التمويل السيادي وتكثف الضغوط التمويلية إلى إيجاد بيئة صعبة تتطلب المناورة بمهارة من خلال السياسات.
برامج الدعم المنسق
وساعدت برامج الدعم المنسق في أوروبا والإصلاحات المالية الطموحة التي أعلنتها البلدان الأوروبية الأشد تعرضاً لمصاعب التمويل على احتواء الاضطرابات في منطقة اليورو بعد تصاعدها السريع في مايو الماضي. ومع ذلك فلا تزال المخاطر السيادية كبيرة، حيث تواصل الأسواق تركيزها على أعباء الدين العام المرتفع، وديناميكية النمو غير المواتية، وزيادة مخاطر تجديد الديون، والروابط مع النظام المصرفي، ولا يزال النفاذ إلى أسواق التمويل محدوداً وتكاليف التمويل في زيادة مستمرة بالنسبة لبنوك الطبقة الثانية والبنوك العاملة في البلدان التي لا تزال فروق العائد على سنداتها السيادية خاضعة لضغوط.
ورغم أن الحكومات وفرت دعماً ملائماً على المستويين القومي وفوق القومي حتى تظل الأسواق مفتوحة، فلا يزال من الضروري استمرار تدابير السياسة القوية حتى تظل ثابتة على المسار الصحيح نحو بناء صلابة النظام المالي.
وفي الولايات المتحدة، تحسن الاستقرار المالي، لكن بعض جيوب الهشاشة لا تزال موجودة في النظام المصرفي. فرغم نجاح البنوك في تعبئة قدر كبير من رؤوس الأموال، وما يبدو من أن حجم الطلب المتوقع سيكون التعامل معه ممكناً، فقد تنشأ الحاجة لتدبير رؤوس أموال إضافية تكفل إيقاف الاتجاهات التي ظهرت مؤخراً نحو تخفيض نسب الرفع المالي، وربما لتحقيق الالتزام بالإصلاحات التنظيمية الأميركية. ويشكل ضعف القطاع العقاري تحدياً إضافياً في الولايات المتحدة.
وتجدر الإشارة إلى أن الاحتياجات الرأسمالية التي تبدو متواضعة لدى البنوك الأميركية تعكس في معظمها التدخلات واسعة النطاق من المؤسسات التي ترعاها الحكومة وغيرها من التدخلات الحكومية التي لولا حدوثها لكانت هذه الاحتياجات أكبر بكثير. ومن هنا يبرز مدى تحويل المخاطر من الميزانيات العمومية الخاصة إلى العامة، وكذلك مدى الحاجة لمعالجة العبء الملقى على كاهل المؤسسات العامة.
وفي اليابان، لا يزال من غير المرجح حدوث اضطراب في سوق السندات الحكومية على المدى القريب. فلا تزال الحاجة محدودة لجذب مصادر التمويل الخارجي، نظراً لقاعدة المدخرات المستقرة وفائض الحساب الجاري المرتفع. ومن المتوقع بمرور الوقت ومع تقدم السكان في العمر وتناقص القوى العاملة أن تتلاشى العوامل الداعمة حالياً لسوق السندات اليابانية ؟ وهي ارتفاع المدخرات الخاصة للاستثمار المحلي، والافتقار إلى بدائل للأصول المقوّمة بالين الياباني.
الأسواق الصاعدة
وقال التقرير إنه بوجه عام أثبتت الأسواق الصاعدة قدرتها الكبيرة على الصمود أمام الضغوط السيادية والمصرفية في الاقتصادات المتقدمة وظل معظمها قادراً على النفاذ إلى أسواق رأس المال الدولية. وانحصرت معظم التداعيات العابرة للحدود ضمن المناطق ذات الروابط الاقتصادية والمالية الوثيقة مع منطقة اليورو. ومع تباطؤ النمو في البلدان المتقدمة حالياً، أصبحت الأسواق الصاعدة عموماً مصدر جذب متزايداً للمستثمرين نظراً لأساسياتها الاقتصادية السليمة وقوة نموها الممكن مقارنة بالاقتصادات الأخرى.
ومن المرجح أن يزداد هذا التحول في توزيع الأصول على مستوى العالم ما دام هذا الفرق النسبي مستمراً. غير أن احتمال تراكم المخاطر المالية الكلية الناشئة عن قوة التدفقات الرأسمالية الداخلة، بما في ذلك المخاطر المترتبة على فرط الطلب في الأسواق المحلية وإمكانية زيادة التقلب، لا يزال مصدر قلق للبلدان المتلقية في هذه العملية الجارية لإعادة توزيع الأصول.
سياسات معالجة المخاطر
وقال صندوق النقد الدولي في تقريره: انه سيتعين على صناع السياسات في كثير من البلدان المتقدمة ان يواجهوا التفاعلات الناشئة عن بطء النمو وتصاعد المديونية السيادية واستمرار هشاشة المؤسسات المالية. وإضافة إلى ذلك، ينبغي وضع الركائز التي تقوم عليها قواعد التنظيم المالي.
وتابع لم تتحقق بعد استعادة الثقة الكاملة في القطاع المالي. وعلى الجانب المشرق، تحسنت نسب رأس المال التنظيمي المصرفي، كما تراجعت تخفيضات قيم القروض المصرفية، وانخفضت مخصصات خسائر القروض.
وقد حدث تراجع طفيف في تقديراتنا لتخفيضات قيم القروض المصرفية المرتبطة بالأزمة بين عامي 2007 و2010 من 3. 2 تريليون دولار في عدد ابريل 2010 من تقرير الاستقرار المالي العالمي إلى 2. 2 تريليون دولار في الوقت الراهن، الأمر الذي يرجع في الأساس إلى هبوط خسائر الأوراق المالية، وإضافة إلى ذلك أحرزت البنوك مزيداً من التقدم في تسجيل بيانات التخفيضات في قيم القروض المصرفية، حيث أثبت في التقارير المالية أكثر من ثلاثة أرباع حجمها الكلي، ويبقى مبلغ لم يسجل قدره حوالي 550 مليار دولار.
غير أن التقدم كان أقل في معالجة ضغوط التمويل المصرفي الوشيكة. فهناك ديون مصرفية بقيمة 4 تريليونات دولار تقريباً سيتعين تمديد استحقاقها في الأربعة والعشرين شهراً القادمة، مما يحتم التسلسل والتخطيط الدقيق في الخروج من مرحلة الدعم الاستثنائي للنظام المالي، بما في ذلك إلغاء الضمانات الحكومية على القروض المصرفية.
ولاتزال تسوية أوضاع المؤسسات المالية الضعيفة نسبياً و/أو إعادة هيكلها ـ سواء بالإغلاق أو إعادة الرسملة أو الدمج ـ في عداد الأولويات اللازمة حتى تستطيع أسواق التمويل العودة إلى أوضاعها الطبيعية وتتمكن هذه الصناعة ككل من استرداد صحتها، كذلك ينبغي أن تتوافر أدوات الدعم على المستويين القومي وفوق القومي لتقديم المساندة اللازمة حسب مقتضى الحال.
دعم الميزانيات
وأكد التقرير أنه ينبغي في المدى القصير إتاحة دعم كاف على المستوى فوق القومي للميزانيات العمومية السيادية في البلدان التي تواجه ضغوطاً آنية في هذا الصدد. أما على المدى المتوسط، فينبغي ان تسير الميزانيات العمومية السيادية على مسار موثوق لضمان استمرارية أوضاع المالية العامة (راجع عدد أكتوبر 2010 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي ونوفمبر 2010 من نشرة الراصد المالي).
وينبغي معالجة مخاطر إعادة تمويل الديون السيادية بالاستناد إلى سياسات إدارة الديون التي تطيل هياكل الاستحقاق المتوسطة كلما سمحت الظروف. وينبغي أن تشمل الخطة أيضاً إدارة الالتزامات الاحتمالية وتخفيضها باستخدام آليات تقوم على الأسعار.
وقال لم يتحقق بعد إنجاز كثير من بنود الإصلاح المالي المقترحة. فقد تمكنت الهيئات الدولية المعنية بوضع القواعد من إحراز تقدم في تحديد أفدح النقائص في النظام المالي العالمي في فترة ما قبل الأزمة، لكن البلدان الأعضاء التي تنتمي إليها لم تتفق بعد على كثير من تفاصيل الإصلاحات. ولاتزال المناقشات دائرة حول كيفية التعامل مع الكيانات التي توصف بأنها «أهم من أن تفشل»، وتقوية الحوافز والموارد الرقابية، ووضع إطار احترازي كلي.
ولكي يتحقق مزيد من التقدم في هذا الخصوص، يتعين أن يتوافر الاستعداد الكافي لإغفال المصالح المحلية سعياً لإيجاد نظام مالي عالمي أكثر استقراراً وكفاءة، وكلما أمكن توضيح الإصلاحات في وقت مبكر، كان من الممكن للمؤسسات المالية ان تحدد أولوياتها الاستراتيجية ونماذج عملها في وقت مبكر أيضاً، وما لم يتحقق هذا التقدم، ستظل العيوب التنظيمية قائمة لمدة أطول، مما يزيد من احتمالات عودة عدم الاستقرار المالي.
وقال الصندوق انه في إطار الجهود الجارية، نرحب بالاقتراحات التي طرحتها مؤخراً لجنة بازال للرقابة المصرفية، والتي تمثل تحسناً كبيراً في رأس المال من حيث الجودة والكم، مقارنة بالوضع قبل الأزمة. وتقضي هذه الاقتراحات بأن تمثل الأسهم العادية على وجه الخصوص نسبة أعلى في رأس المال، مما يعزز القدرة على استيعاب الخسائر.
كذلك يقتصر حجم الأصول غير الملموسة والأصول المؤهلة التي يمكن إدراجها ضمن رأس المال وفق هذه الاقتراحات على 15%، وهي تشمل الأصول الضريبية المؤجلة، وحقوق إدارة الرهون العقارية، وقدر كبير من استثمارات المؤسسات المالية في الأسهم العادية، وغير ذلك من الأصول غير الملموسة، وقد وضعت ترتيبات لتطبيق هذه الاقتراحات بالتدريج حتى تتاح للبنوك فرصة التحول إلى هذه المعايير الأعلى بالاعتماد في الأساس على الأرباح المحتجزة.
ومع زيادة استقرار النظام المالي العالمي، واكتساب التعافي الاقتصادي جذوراً أعمق، ينبغي النظر في استبعاد الأصول الملموسة بالكامل وتقصير الفترة الانتقالية، حتى تزداد صلابة القطاع المصرفي في مواجهة ما قد يطرأ من صدمات مستقبلية.
وإضافة إلى ذلك يتعين إحراز تقدم في تنفيذ جدول أعمال الإصلاح ككل. فلا يكفي في هذا الصدد إرساء قواعد سليمة للتنظيم الاحترازي الجزئي. إنما ينبغي وضع تنظيمات ملائمة باستخدام منهج احترازي كلي بغية الحد من مسايرة الاتجاهات الدورية وتقليص الآثار النظامية الناشئة عن أوضاع المؤسسات المالية، ومنها مؤسسات غير البنوك.
مخاطر إعادة التمويل
وأكد الصندوق انه لا يجوز أن يقلل صناع السياسات من جهودهم الرامية إلى تخفيف مخاطر إعادة التمويل، وتقوية الميزانيات العمومية، وإصلاح الأطر التنظيمية، فكما اتضح في عدة مناسبات على مدار الثلاث سنوات الماضية، قد يطرأ على ظروف النظام المالي العالمي تحول مفاجئ وسريع يتحول بها من وضع محمود العاقبة إلى حالة الأزمة.
وعلى هذه الخلفية، ينبغي ألا يهدر صناع السياسات فرص تعزيز الأجهزة المصرفية وإعادة رسملتها، ومعالجة مشكلة الكيانات التي تعد «أهم من أن تفشل»، والحد من الالتزامات الاحتمالية، ووضع الكيانات السيادية على مسار مالي موثوق. ومع استمرار هشاشة الموقف الراهن، سوف يلزم استمرار بعض الدعم الحكومي الذي حصلت عليه البنوك في السنوات الأخيرة.
وقد يتطلب الأمر تأجيل الاستراتيجيات المزمعة للخروج من مرحلة السياسات النقدية والمالية الاستثنائية إلى أن يصبح الموقف أكثر ثباتاً. وفي نفس الوقت، من المهم ضمان أن تكون الحاجة للدعم الاستثنائي ذات طابع مؤقت، حيث إنها ليست بديلاً لمعالجة الخلل في القطاعات المالية وإصلاحها، وإعادة مواءمة حوافزها لبناء ميزانيات عمومية أقوى والحد من إفراطها في تحمل المخاطر.
وبالنسبة للأسواق الصاعدة، تختلف التحديات التي تواجهها السياسات، حيث تتركز معظم مخاطر النظام المالي في احتمال أن تكون النتائج فوق مستوى التوقعات. وعلى ذلك، فسوف يحتاج الكثير من هذه الأسواق إلى مواكبة آثار نجاحها النسبي، حيث يرتهن الحفاظ على الاستقرار بقدرتها على التعامل مع طفرات تدفقات الحافظة الداخلية إليها. وقد تدعو الحاجة في بعض الحالات إلى اتخاذ تدابير احترازية كلية تكمّل السياسات الاقتصادية الكلية المتعارف عليها والتي قد لا تكون كافية تماماً لمواجهة التحديات المالية الكلية الناشئة عن ظروف محلية خاصة، كضغوط التضخم أو فقاعات الأصول.
التمويل
مخاطر السيولة النظامية
قال صندوق النقد إن من السمات التي ميزت الأزمة المالية الأخيرة مدى عمق انقطاعات السيولة النظامية ومدة استمرارها في أسواق التمويل الرئيسية ـ أي العجز المتزامن والمطول الذي أصاب المؤسسات المالية عبر الأسواق والحدود عن تمديد القروض قصيرة الأجل أو الحصول على تمويل جديد. وينظر الفصل الثاني في فترة الأزمة الراهنة ويوضح كيف أصبحت البنوك معرضة لمشكلات التمويل بسبب عدة عوامل.
فهناك جهات الإقراض الجديدة التي تقدم التمويل بالجملة والتي كانت أقل استقراراً في تقديمها لهذه الخدمة؛ وهناك زيادة استخدام أسواق الإقراض بضمان أصول (اتفاقات إعادة الشراء) اعتماداً على تقييمات الضمان المرتفعة لأسباب دورية (وخاصة في حالة منتجات الائتمان المهيكلة) وعدم كفاية عمليات التمويل بالهامش؛ وهناك تنامي استخدام القروض قصيرة الأجل عبر الحدود لتمويل أصول أطول أجلاً بالعملة الأجنبية؛ وكذلك جوانب الضعف في البنية التحتية للأسواق المرتبطة؛ ونقص المعلومات عن مخاطر الطرف المقابل.
والمهم أيضاً أن كثيرين لم يكونوا على دراية بمدى التفاعلات بين البنوك والمؤسسات غير المصرفية في استخدامها لأسواق التمويل قصير الأجل. ومن ثم، فحين وجدت البنوك المركزية أن عليها التدخل لإرساء الاستقرار في الأسواق، اضطرت لتقديم السيولة لمؤسسات غير مصرفية وقبول تنوع أكبر في الضمانات المقدمة لها من أجل حماية قروضها، وإنشاء خطوط لتبادل النقد الأجنبي، واتخاذ غير ذلك من الإجراءات، وكلها أمور أثارت مشكلات الخطر المعنوي التي لا تزال دون علاج.
وتابع من الصعب إحراز تقدم في تخفيف مخاطر السيولة النظامية، كما ان قياسها ليس مهمة سهلة، حيث تتألف أسواق التمويل من مجموعة متنوعة من المؤسسات التي تتفاعل في أسواق متعددة لكل منها خصائص متفردة من حيث البنية التحتية. ويتناول الفصل الثاني هذه القضية، سواء بالنسبة للمؤسسات أو الأسواق. وتركز المقترحات الحالية على التدابير الاحترازية الجزئية التي تهدف إلى تحسين احتياطيات السيولة والحد من أوجه عدم الاتساق بين الأصول والخصوم في البنوك المنفردة.
حلول
تخفيف مخاطر السيولة
قال تقرير صندوق النقد إنه بالرغم من أن تخفيف مخاطر السيولة النظامية على مستوى المؤسسات هو جزء من الحل بلا شك، فإن أسواق التمويل من الأمور التي ينبغي الانتباه إليها أيضاً. فالسياسات التي تعزز كفاءة أسواق التمويل المضمون بأصول، مثل إعادة الشراء (أو «الريبو»)، يمكن أن تساعد على تخفيض المخاطر النظامية ومنع تحوّل قيود السيولة إلى شواغل تتعلق باحتمال التأثير على الملاءة.
وعلى وجه التحديد، يمكن المساهمة في تخفيض مكامن الخطر من خلال تحسين قواعد تقييم الضمان، واتباع سياسات الهامش، واستخدام نظام الطرف المقابل المركزي. ومن الأهداف الضرورية على مستوى السياسات أيضاً الحيلولة دون تسرب المستثمرين بعيداً عن أنشطة صناديق الاستثمار المشترك في سوق المال. ويوصي الفصل بعدم استخدام قيم ثابتة لصافي الأصول المستثمرة في مثل هذه الصناديق للتأكد من اكتمال فهم المستثمرين فيها لاحتمالات تذبذب استثماراتهم تبعاً لظروف السوق.
وينبغي الشروع في ذلك بحرص وفي فترة يسودها الاستقرار في أوضاع التمويل لضمان ألا يتسبب التغيير في حدوث التسرب الذي يهدف هذا التغيير إلى منعه. كذلك يمكن استخدام إجراءات علاجية أخرى، على غرار المقترحة للبنوك (زيادة الأرصدة الوقائية والحد من تحويل آجال الاستحقاق)، للتعامل مع مخاطر السيولة المرتبطة بهذه الصناديق. وعندما لا تكون قيم الأصول الصافية المستثمرة المستخدمة قيماً مرنة، يتعيّن إلزام هذه الصناديق بنفس الاشتراطات التي تُطبق على مؤسسات تلقي الودائع.
مقترحات لتخفيف الآثار السلبية
اقترح تقرير صندوق النقد السياسات التالية لتخفيف جانب من الآثار السلبية التي يمكن أن تُحدثها التصنيفات الائتمانية وهيئات التنصيف الائتماني على حالة الاستقرار المالي.
أولاً: ينبغي أن تُلغي الأجهزة التنظيمية كل الإشارات إلى المراتب الائتمانية في قواعدها التنظيمية، حيث ما كان من المرجح أن تتسبب فيما يحاكي «آثار المنحدر» الحادة، الأمر الذي يشجع المستثمرين على زيادة الاعتماد في عملية التحقق على إجراءات العناية الواجبة بهم. وبالمثل، ينبغي أن تنشئ البنوك المركزية وحدات خاصة بها لتحليل الائتمان عندما تسلم أصولاً ضامنة تنطوي على مخاطر ائتمانية مضمرة.
ثانياً: ما دام استخدام المراتب الائتمانية سيستمر حسب المنهج النمطي الوارد في اتفاقية بازل2، ينبغي الإشراف على هيئات التصنيف الائتماني بالصرامة نفسها الإشراف على البنوك التي تستخدم المنهج القائم على التصنيفات الداخلية ـ قياسات الائتمان المبلَّغة، ونماذج التصنيفات التي خضعت للاختبار الرجعي، واختبارات الدقة اللاحقة.
ثالثاً: ينبغي أن تشترط الأجهزة التنظيمية إتاحة مزيد من المعلومات للمستثمرين لكي تحد من ممارسات «المفاضلة بين المراتب الائتمانية» لاختيار أعلاها، وتضارب المصالح الناشئ، عن نموذج العمل بنظام «الدفع مسؤولية جهة الإصدار».
ويصعب اتباع نموذج للعمل بنظام «الدفع مسؤولية المستخدم» نظراً لعدم إمكانية وضع قيود على معرفة المراتب الائتمانية والحد من طبيعتها كسلعة عامة تضم معلومات خاصة مجمعة يصعب الحصول عليها. ومن ثم، يفضل التخفيف من تضارب المصالح في تصميم نموذج «الدفع مسؤولية جهة الإصدار» من خلال الإفصاح عن أي تصنيفات مبدئية يتم الحصول عليها والكيفية المفضلة لسداد المقابل المطلوب لإصدار التصنيف الائتماني.
دبي ـ «البيان»
