وصل الذهب إلى أسعار قياسية جديدة لم يصلها من قبل في تاريخه منذ عرفه الإنسان ولعل الملاحظة الأبرز أن الذهب ارتفع خلال شهر سبتمبر وحده من 5. 1246 دولارا إلى 6. 1315 دولارا أي 5. 5% زيادة عن بداية الشهر وليحقق بذلك مكاسب بحوالي 21% منذ بداية العام 2010.

ومع بداية الربع الرابع من العام واصل الذهب ارتفاعه مسجلاً زيادة جديدة ويعتقد كثيرون أن الذهب ماضٍ إلى قمم أخرى جديدة قبل نهاية هذا العام 2010 مستمراً في الارتفاع حتى بدايات 2011 ما لم تحدث تغيرات إيجابية واضحة على الاقتصاد العالمي وبالذات في أميركا تعيد إلى الدولار بعضاً من العافية لأن ضعفه يمثل أحد الأسباب المهمة التي تقف وراء ارتفاع الذهب بالإضافة إلى حالة عدم اليقين من تعافي الاقتصاد العالمي التي باتت هي السمة الغالبة على آراء معظم المحللين حول العالم.

يضاف إلى ذلك عدد من النقاط الهامة التي تتعلق بمعدلات الإنتاج إلى الاستهلاك واحتياطي العالم من الذهب سواء كاحتياطي عملات أو كمخزون موارد طبيعية.ويطرح الجميع منذ أشهر سؤالاً واحداً على المحللين الدوليين وبيوت الخبرة العالمية دون أن يجد أحد إجابة شافية له وهو الى أين يتجه سعر الذهب ، متى سيتوقف عن الصعود أو يستقر ؟ وهل سيستمر الصعود أم أنه يصنع فقاعة ضخمة قابلة للانفجار في أي لحظة؟

صعود متتابع

وقال تقرير أعدته وحدة البحوث والدراسات والتقارير في بنك بوبيان: الملاحظ انه منذ اندلاع الأزمة العالمية قبل نحو العامين والذهب مستمر في الصعود وتخطي المستويات المتعارف عليها الى مستويات قياسية. فكلما وضع البعض سقفاً للارتفاع التاريخي لأسعار الذهب ثقبته إلى قمة جديدة ولا أحد يعلم على وجه الدقة أو حتى التقريب ما هي الحدود النهائية لذلك الارتفاع غير المسبوق؟ ولا متى يمكن أن يغير منحنى الأسعار اتجاهه إلى النزول أو حتى الثبات؟

وتناول التقرير بالدراسة والتحليل وجهتي نظر مختلفتين للخبراء والمحللين حول العالم ، الأولى ترى أن أسعار الذهب مازالت أقل من السعر العادل إذا صح التعبير ويرون أن القمة يجب أن تكون عند 1600 إلى 1700 دولار أميركي للأونصة ، بل أن هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير فيتوقعون مضاعفة أسعار الذهب عما هي عليه الآن معتبرين أن السعر الحالي يعادل 35% من القيمة الفعلية للذهب ، وإن صدق حدسهم فهذا يعني ان سعر الذهب يمكن أن يصل إلى مستوى يقارب 3750 دولاراً للأونصة الواحدة .

فقاعة كبيرة

أما الفريق الثاني من المحللين العالميين فيرى أن أسعار الذهب ترتفع وتتمدد بلا مبرر لتشكل فقاعة كبيرة ما تلبث أن تنفجر عما قريب لتعود أسعار الذهب إلى سابق عهدها ما بين 750 إلى 950 دولار للأونصة. وبطبيعة الحال فكلا الفريقين يسوق مبرراته وبراهينه على صدق رؤيته والتى تزيد من ارتباك المستثمرين في مختلف أنحاء العالم وتجعلهم يقدمون خطوة ويؤخرون أخرى في سبيل اتخاذ قرار الشراء أو البيع .

معدلات 1980

ويذهب العديد من المحللين وبيوت الخبرة العالمية إلى أن الذهب سوف يستمر في الصعود إلى أن يحقق نفس معدلات وأسعار عام 1980م التي قفز فيها 1600% وهو أمر يبدو منطقي من الناحية النظرية إذا ما قمنا بمقاربة الأرقام ومعدلات الزيادة في السعر بين الفترتين اللتين سبقتا الارتفاع ، أي العقد السابق للارتفاع الكبير الأول في بداية ثمانينات القرن الماضي (1970 - 1980) من ناحية ومن ناحية أخرى العقد الأول من القرن الحالي (2000 - 2010) لنرى ما طرأ على السعر من تغيرات خلال الفترات التي سبقت الصعود المفاجئ للأسعار.

ويكاد معدل النمو في أسعار الذهب يكون متطابقاً في العشر سنين السابقة للارتفاع الكبير أو القفزة في أسعار الذهب وهو ما يؤكد عليه أصحاب الرأي القائل باستمرار الارتفاع في أسعار الذهب إلى أبعد من ذلك لأن عام 2010 ليس هو القمة التي يجب أن يصل إليها سعر الذهب بل مازال أمام الذهب فرصاً أكبر لتحقيق أسعار خيالية جديدة.

كما أننا لو قمنا بمقارنة القيمة الحالية للذهب والتى تجاوزت ال1300 دولار للأونصة بأعلى سعر وصل إليه في عام 1980م وقد كان 800 دولار أميركي للأونصة لوجدنا أنه بالفعل مازالت قيمته أقل من القيمة الحقيقية بحوالي 29% إذا ما أخذنا في الحسبان عوامل التضخم التي أثرت على القوة الشرائية للدولار ، وأن الذهب يجب أن يصل إلى قرابة 1700 دولار أميركي للأونصة حتى تتساوى قيمته بهذا السعر مع قيمته وقت أن كان سعره 800 دولار في عام 1980م .

هبوط 1981

على الجانب الآخر يعارض البعض هذا الرأي مشيرين الى ان المقارنة السابقة بين السنوات التي سبقت القفزة في السعر صحيحة وأن الحديث عن ارتفاع عام 1980 يجب ان يستكمل كحلقة كاملة لنرى الهبوط في السعر الذي حدث في العام التالي مباشرة عام 1981م وقد كان بمعدل (25%) من 615 دولارا للأونصة إلى 459 دولارا واستمر الهبوط على مدى العشرين سنة التالية بلا توقف حتى وصل السعر إلى القاع في سنة 2000 حين سجل متوسط السعر السنوي 280 دولارا للأونصة وهو الأمر الذي ينتظرون حدوثه الآن بين يوم وآخر .

الطلب أعلى من الانتاج

وقال التقرير: علينا أن نضع في الاعتبار أن الأمر مختلف عما حدث في عام 1980 لأن الاقتصاد العالمي جملة قد تضاعف ستة مرات عما كان عليه الوضع في 1980م وعدد السكان كذلك قد تزايد وشهدت الثلاثون سنة الأخيرة تغييرات كبيرة جداً طالت كل نواحي الحياة من طب ، صناعة وتكنولوجيا وبما في ذلك أيضا التطور الثقافي الذي طال معظم شعوب المعمورة بفعل العولمة .

وبطبيعة الحال كل تلك التطورات أدت إلى زيادة الطلب على العناصر الطبيعية كلها ومنها الذهب بسبب استخداماته العديدة في الصناعة (صناعات أخرى ليست للزينة) بوجه عام ، الطب التجميل ، علوم الفضاء ، الهندسة ، وحتى الأطعمة باهظة الثمن وغيرها الكثير.

وكل ما سبق من تغيرات شهدها العالم خلال الثلاثين سنة الماضية بالإضافة إلى زيادة عدد سكان الأرض أدى إلى زيادة كبيرة في حجم الطلب على الذهب لم يقابلها في الجانب الآخر زيادة في الإنتاج العالمي الذي كان سنة 1980 ما يقرب من 1220 طن ووصل في 2008 إلى 2260 طن أي بمعدل زيادة مقداره 85% فقط طوال الثلاثين سنة الماضية (حوالي 8. 2% سنوياً تقريباً في المتوسط).

وبطبيعة الحال فإنه مع هذا النمو المنخفض من الإنتاج الذي لا يتمكن من سد حاجة العالم إلى هذا العنصر النادر ووفقاً لمعطيات السوق سترتفع أسعاره حتماً وبخاصة مع تنامي الطلب على الذهب من قطاعات وشرائح جديدة دخلت إلى الأسواق كنتيجة للتطور الذي شهدته الثلاثين سنة الماضية.

(داوجونز)