كشف معرض سيتي سكيب عن عودة ثقة الشركات للسوق العقاري لكن حجم العودة لا يزال رهيناً بما ستتجه له بوصلة التمويل خلال الفترة المقبلة في ظل انتظار المستثمرين لما ستؤول إليه سياسات واستراتيجيات مؤسسات التمويل والمصارف المحلية والعالمية في أعقاب التأثيرات التي أوجدتها الازمة المالية العالمية في قطاعي المصارف والعقارات.

ومن المتوقع ان يخف الضغط عن السوق لكنه ورغم توقعات النمو وزيادة الطلب على العقار فإن المشاريع ستبقى غير مكتملة بسبب تردد المصارف في توفير السيولة لكن هذا النمو في الطلب سيخلق نوعاً من الثقة في القطاع ومع الوقت سيؤدي الى تشجيع المؤسسات المالية على تليين سيولتها امام الاستثمار.

ويؤكد خبراء واستشاريون في هذه الصناعة ان الحذر ما زال سيد الموقف بالنسبة لعمليات التمويل للقطاع العقاري، كما ان بعض هذه المؤسسات ما زالت ترفع شعار «عملاء مختارون ومشاريع مختارة» وهو تبنته منذ عامين بعد المصاعب التي واجهتها الصناعة خلال الازمة العالمية والانكشاف الكبير لبعضها على ديون خطرة.

عملاء مختارون

ويؤكد نيكولاس ماكلين المدير الاداري في شركة سي بي ريتشارد اليس ان البنوك لا تزال تعاني من نقص السيولة وهي تتردد كثيراً في اختيار العميل والمشروع الممول اي انها تجري عملية دراسة معمقة للعميل والمشروع ونوعية القرض على حد سواء وتتطلع الى ما يمكن ان تستفيد منه أو عقد شراكات استراتيجية مع المستثمر وهي اتجاهات لا تقتصر على السوق المحلي في الامارات بل تمتد الى مختلف الاسواق العالمية.

وقال ماكلين ان تحسن اداء القطاعات الاقتصادية في الدولة سيزيد من تشجيع المؤسسات المالية والبنوك على الاقراض لكن عملية الاقراض لن تكون بنفس السهولة التي كانت خلال الاعوام الماضية بل سيتسمر اتجاه الدراسة المعمقة للعميل والمشروع، موضحاً الدور الحيوي الذي تلعبه الحكومة في هذا المجال خصوصاً فيما يتعلق بتخفيض الفائدة على الاقراض التي ما زالت مرتفعة للغاية مقارنة مع الاسواق العالمية.

واوضح ان سوق الامارات سوق جاذب للاستثمار بمختلف انواعه بما فيها الاستثمار العقاري، مشيرا الى ان عودة الانتعاش الاقتصادي ستشجع المصارف اكثر على الاقبال على التمويل في هذا القطاع والمصارف عموماً لديها التزام تجاه الاقراض العقاري لكن عملية الاختيار للعملاء والاصول ستبقى قائمة خلال السنوات المقبلة وهذا اتجاه عالمي وليس محلياً فقط.

عامل الوقت

ومن جهته اكد ديفيد كوين مدير تطوير الاعمال في شركة كوشمان اند ويكفيلد للاستشارات ان الوضع التمويلي للقطاع العقاري اختلف الآن عن اوضاع ما قبل الازمة العالمية التي غيرت كثيراً من المفاهيم والاتجاهات التي كانت سائدة، مشيراً الى ان الحذر والحذر الشديد والدراسة المعمقة هو الاتجاه السائد حالياً قبل اي قرار متعلق بالتمويل. وقال كوين ان هناك اشارات جيدة لعودة التمويل لكنها تبقى غير مستدامة والمصارف تحتاج الى مزيد من الوقت حتى تعود الى حلبة التمويل.

وتؤكد هانا جيفري الشريك في كوشمان اند ويكفيلد المصارف تتطلع الى القيمة التي يحملها المشروع صاحب التمويل قبل بدء عملية التمويل وهي اتجاهات فرضتها الازمة العالمية، وهناك عودة حذرة ومدروسة الى سوق التمويل العقاري خلال العام الجاري يتوقع ان تستمر للعام المقبل، خصوصا مع استمرار التحسن الاقتصادي للامارات ومنطقة الخليج عموماً.

وقالت هانا انه من الصعب التنبؤ بالاعوام المقبلة فيما يتعلق بالتمويل العقاري، ذلك ان الازمة غيرت كثيراً من المفاهيم واعطت المصارف اسبابا كثيرة للتردد والحذر. وقالت هانا ان الامارات ودبي ستبقى بيئة جاذبة للاستثمار في مختلف القطاعات، والحذر المدروس لا يتقصر فقط على المصارف بل يشمل ايضاً المستثمر الذي يبحث عن القيمة قبل اتخاذ القرار الاقتصادي.

مسؤولية المصارف

أما سالم الموسى الرئيس التنفيذي لمشروع فالكون سيتي فيرى ان المصارف تتحمل أيضاً مسؤولية في التأثيرات التي أصابت القطاعين المصرفي والعقاري، موضحاً ان تخلي المصرف المركزي وتشديد الرقابة على عمليات التمويل سيكون له الأثر في تشجيع المصارف على العودة الى الاقراض. وقال الموسى ان عمليات المضاربة التي كانت سائدة في القطاع العقاري خلال السنوات الماضية ألحقت آثاراً سلبية كثيرة في القطاع وساهمت في تراجع المصارف عن التمويل، مؤكداً ان الازمة الحالية ابرزت المستثمر الفعلي وعملت على تنقية القطاع من حركات المضاربة غير المسؤولة.

واضاف ان هناك أثراً نفسياً أيضاً لابتعاد البنوك عن التمويل وهو أثر مرتبط بواقع القطاع الحالي لكن العام الجاري يتوقع ان يكون أفضل، خصوصاً ان الامارات ما زالت وجهة جاذبة للاستثمار مقارنة مع غيرها من أسواق المنطقة، والتمويل سيكون متاحاً مع الوقت، خصوصاً مع تحسن الاجواء الاقتصادية محلياً وعالمياً.

واكد الموسى ان نوعية المستثمر ونوعية التمويل والمشروع جميعها عوامل تلعب دوراً بارزاً في تشجيع المصرف على قرار التمويل، كما ان البنوك نفسها باتت اليوم مطالبة بالاختيار المدروس والدقيق للعملاء ووضع ضوابط ومعايير مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في فترة ما قبل الازمة، والتشدد والحذر يكونان أحياناً مفيدين للقطاع العقاري والمصرفي على حد سواء.

معايير جديدة

ومن جانبه أشار اندرو تشارلز رئيس قسم أسواق المال في شركة جونز لانج لا سال فيرى ان انكشاف المصارف على مديونية عالية وخطرة لعبت دوراً كبيراً في التحفظ والتردد الذي يسود القطاع حالياً، كما ان تدخل المصارف المركزية ووضع ضوابط ومعايير للتمويل ساهم في هذا الاتجاه. واشار تشارلز إلى ان العامل الآخر الذي يساهم في تردد المصارف هو الصورة السلبية للقطاع العقاري وتراجع القيم والاصول العقارية، موضحاً ان تحسن القطاع سيدفع المصارف للعودة والتخلي عن التشدد غير المبرر في بعض الاحيان، خصوصاً مع عودة الطلب على العقارات.

وتوقع استمرار الاتجاه الحالي الذي تسلكه كثيراً من المصارف وهو الحذر المدروس للعملاء واختيار المشروع قبل قرار التمويل. وقال ان هناك اتجاهاً حذراً أيضاً من المستثمر نفسه الذي يتردد أيضاً قبل توجهه للتمويل من المصارف بسبب كلفة الاقراض العالية وفي حال توفر التمويل منخفض الكلفة فإنه سيشجع المستثمر على الاقبال مما يسمح بزيادة الطلب.

جاذبية الإمارات

وتكشف قراءات في تقارير الاستثمار الاجنبي المباشر والخاصة بامارة دبي ان 70 بالمائة من المستثمرين الدوليين لديهم استثمارات فعلية في دبي أو يخططون لذلك خلال السنوات الثلاث المقبلة. ويستند التقرير على مسح شمل اكثر من 1000 مستثمر تم سؤالهم عن استثماراتهم في دبي، حيث يكشف التقرير ان 54 بالمائة منهم لديهم استثمارات فعلية في دبي ويخطط 16 بالمائة منهم للاستثمار في دبي خلال السنوات الثلاث المقبلة. وينظر الكثير منهم الى دبي كمحطة مهمة في سلسلة الاستثمار الخاصة بهم ويرون فيها بوابة لدخول أسواق أخرى جاذبة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

وقد اكد غالبية المستثمرين ان موقع الامارات الاستراتيجي والذي يتوسط بين الشرق والغرب ما زال يمثل وجهة ومركزاً حيوياً للاستثمارات الاجنبية بما تتمتع به الدولة من بنية تحتية متطورة ومقومات نمو اقتصادي واعدة فضلاً عن امكاناتها كمركز إعادة تصدير وتجارة.

استثمارات مباشرة

طبقاً لبيانات رسمية صادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الاونكتاد فإن منطقة الخليج استقطبت استثمارات اجنبية مباشرة بنحو 62 مليار دولار في عام 2008 كان نصيب الامارات منها 21 مليار دولار. واشار المستثمرون الذين شملهم الاستطلاع ان دبي وصلت الى المرحلة التالية من النضج الاقتصادي والجاذبية وترتكز ثقة المستثمرين على ان دبي تمتلك بنية تحتية عالية التطور اضافة الى بيئة العمل الملائمة التي توفرها الامارة لحركة الاستثمار.

ومن حيث الاستثمار العقاري فان اجمالي الاستثمار في القطاع العالمي تجاوز حاجز 132 مليار دولار خلال النصف الاول من عام 2010 مقارنة مع 76 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي مما يشير الى نمو ثقة المستثمرين على مستوى العالم. وهذا النشاط عبر الحدود يشهد نمواً متصاعداً مع عودة الثقة الى مجتمع الاعمال والانتعاش الذي تشهده اقتصادات عدد كبير من دول العالم. ويتوقع تقرير لشركة جونز لانج لا سال ان تتجاوز حركة الاستثمار العقاري عبر الحدود نحو 275 الى 300 مليار دولار مقارنة مع 209 مليارات في العام الماضي.

ونشطت الصناديق العالمية في هذا الاتجاه خلال النصف الاول من العام، وعززت وجودها في مختلف الاسواق العالمية، فيما بقي المستثمرون في منطقة الشرق الاوسط ثانياً على مستوى العالم من حيث حركة شراء العقارات داخل المنطقة وضاعفوا استثماراتهم خلال الربع الاول مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي. ويسهم كل من قطاع الانشاءات والقطاع العقاري بنحو 27 بالمائة من ناتج دبي الاجمالي. ووفقاً لتقرير صادر عن غرفة تجارة وصناعة دبي فإن إجمالي مشاريع البناء التي ما زالت قيد التصميم أو التي يجري تنفيذها تصل الى 8. 714 مليار دولار.

رؤية

التمويل قضية معقدة

يؤكد الخبراء ان مسألة التمويل عملية معقدة وتحتاج لمؤسسات التمويل لمزيد من الوقت للجرأة والتحرك نحو المشاريع العقارية التي تقدر بمليارات في الإمارات وخارجها. ويشيرون ان هناك عدداً لا بأس به من المستثمرين ما زال يراقب وقد علمته الأزمة ضرورة التريث قبل القرار الاقتصادي وهذا أمر ينطبق على جميع الأطراف وهي المستثمر والممول على حد سواء.

ويضيفون ان المستثمرين نوعان الأول يتطلع إلى الدخل وزيادة الموجودات والثاني للموجودات ذات القيمة المنخفضة وكلا النوعين ما زال محبطاً من التجربة المريرة التي واجهها خلال العامين الماضيين. هناك حركة تعاملات محدودة لكنها ليست مستمرة. ويرون ان الجميع يتطلع الى مستويات السيولة المتوفرة ومدى تحسنها مما يشير الى طابع الحذر الذي ما زال يغلف القطاع بكامله.

وأشار أحد الخبراء ان صفقة دبي العالمية مع الدائنين تذهب في اتجاهين وستكون في صالح المؤسات المالية القوية التي يمكنها الانتظار للاستفادة من الـ 60 بالمائة التي عرضتها الشركة كسندات. وفي كلا الحالتين فإن بإمكان اصحاب الديون الآخرين بيع هذه السندات في الاسواق المفتوحة والحصول على النقد.

دبي - علي الصمادي