لأن العقل البشري هو محور هذه الحياة ومرتكزها العلمي فمن عظمة القرآن الكريم أنه جاء يحض الإنسان على إعمال عقله في الإجابة عن مجموعة من التساؤلات المرتبطة بظواهر كونية وحياتية كانت ولا تزال تحتل مساحات واسعة من ميادين حياته واهتماماته المختلفة. فمنذ أن وطأت قدماه الأرض وهو يأخذ البذور فيدفنها في التربة ثم يرويها أو يتركها لنزول المطر وهو مطمئن ومتأكد حد اليقين أنها ستنمو لوحدها إلى نباتات كاملة وما عليه سوى رعايتها من حيث التسميد والري ومكافحة الآفات إن ظهرت..

لقد حصر سبحانه وتعالى بعض الظواهر بقدرته المطلقة فعلى سبيل المثال لم يتحد الله تبارك وتعالى البشر بالبذور ومعجزة خلقها لإنتاج كائنات حية وتأهيلها لإنتاج الطاقة ذاتيا وبما يحقق توفير الطاقة للكائنات الحية الأخرى، بل وضع سبحانه وتعالى البذور بين أيديهم ثم تحداهم أن ينبتوها مجرد إنبات (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها )60 النمل .

وكانت النتيجة أنهم عاجزون تماما عن إنبات بذرة واحدة رغم كل هذا التقدم العلمي الهائل الذي أحرزوه في شتى المجالات !! وإذا كان الزرع في اللغة كما يقول ابن منظور في كتابه لسان العرب يعني (الإنبات : يقال زرعه الله أي أنبته والله يزرع الزرع ينميه حتى يبلغ غايته )فالتساؤل الذي يطرحه القرآن الكريم على البشرية بعد ذلك التحدي هو: هل انتم الذين تجعلون الأجنة في البذور تباشر النمو؟ هل أنتم من يتحكم في نمو الجنين ؟

إن ظاهرة الانقسام الخلوي الذي يحصل في خلايا الجنين تعتبر وحدها معجزة كبرى وآية من آيات الله تبارك وتعالى يقف العقل أمامها مذهولا، فكيف تنقسم الخلية الواحدة إلى اثنتين والاثنتين إلى أربع وهكذا وجميع الخلايا الناتجة مماثلة للخلية الأولى تماما وبدقة متناهية ؟ هل الإنسان هو الذي جعل مجموعة من الخلايا تنمو لتصبح جذرا وتنمو المجموعة الأخرى إلى ساق؟ لقد وجد العلماء أن هناك ظاهرة تسمى تميز الخلايا Cell Differentiation ثم تتلوها ظاهرة التخصص Cel Specialization

أم يا ترى هل يتحكم الإنسان وهو ينثر في الأرض أعدادا لا حصر لها من البذور بتوجيه الجذر لينمو إلى الأسفل متشبثا بالتربة والساق ليتركها متجها إلى الأعلى مكونا فروعا وأوراقا وأزهارا وثمارا ؟ وهل هو الذي خلق الهرمونات النباتية لتلعب أدوارا رئيسية في كل ظاهرة من تلك الظواهر في الوقت الذي لم يكن يعلم شيئا عن وجود تلك الهرمونات إلا بعد قرون من التقدم العلمي والتقني حيث تبين له أنها تتخلق ذاتيا في الخلايا النباتية بتراكيز ضئيلة جدا (بأجزاء المليون)وتعمل بدقة متناهية ..

ولأنه سبحانه وتعالى هو الذي خلق وهو الذي قدر ثم هدى المخلوقات لما خلقت لأجله بما أودع فيها من جينات وراثية فقد أردف بقوله (أم نحن الزارعون )والإجابة كما ترى جاءت بصيغة العظمة (صيغة الملوك وهي تعني أن يتكلم الفرد (وهو الله جل في علاه )بصفة الجماعة (نحن الزارعون )مما يؤكد أنها تتضمن فعاليات وأنشطة حيوية لا يمكن للإنسان أن يقوم بها وتنطوي على إشارات التحدي أيضا..

تأمل معي قارئ الكريم هناك حقيقة علمية ثابتة لا جدال ولا نقاش فيها وهي : أن البذرة (أي بذرة )لو هيئت لها ظروف الإنبات والنمو فسيباشر جنينها النمو ويستمر بالنمو ولن يتوقف عنه حتى يكون نباتا جديدا ولا بد لذلك النبات أن يزهر ويثمر ويكمل دورة حياته بتكوين البذور مرة أخرى.

ولهذه الحقيقة دورها الرئيس في استمرار حياة النباتات لآلاف السنين نظرا للصفات التي تؤهلها للنمو والإزهار والإثمار وتكوين البذور وهنا نستحضر الآيتين الكريمتين (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى *قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(طه 49 و 50) ولأن الكائنات الأخرى تعتمد على النبات في الحصول على الطاقة فإن استمرار الحياة على الكرة الأرضية مرتبط ارتباطا كاملا بهذه الحقيقة..

فهل يمكن أن يأتي هذا عبثا أو صدفة ؟ وتأمل دقة القرآن الكريم فقد أتى بفعل الحرث والزرع بالمضارع (تحرثون، تزرعونه)واللذين يفيدان الاستمرارية وهذا يعني أنكم ستستمرون بحرث البذور حتى قيام الساعة ونحن الذين نزرعها أي ننبتها وننميها !!

ولأن المملكة النباتية تضم مئات الألوف من الأنواع النباتية فعندما يتكلم القرآن الكريم عن حراثة البذور فهو يذكر الإنسان بما يقوم بحراثة بذوره لأجل الحصول على الغذاء بالدرجة الرئيسية، غالبا فإن الآية الكريمة تذكر ليس بنمو النباتات فحسب بل بنتائج ذلك النمو وكأنها تخاطبهم بمعاني آية أخرى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا)27-31 عبس.

فهل أنتم لو حرثتم البذور ستجعلونها تنمو لتكون مصانع عملاقة تتقن صناعة ما لذ وطاب من الغذاء فإذا بها تشكل هي وثمارها وبذورها قوتا للإنسان لا يمكن أن يستغني عنه وفاكهة يتنعم بها وعلفا لحيواناته إضافة للكثير من مستلزمات حياته الأخرى (متاعا لكم ولأنعامكم)32عبس..

وإذا قيل بأن الإنسان طور القابلية الإنتاجية للنباتات عبر عمليات التربية والتحسين (المقصود عمليات التلقيح بين النباتات التي قام بها الإنسان)فلم يكن نبات القمح قبل آلاف السنين كما هو عليه الآن فأقول نعم ولكن أليس من حقنا أن نتساءل أولا: من خلق الجينات الوراثية وحدد بعضا منها لتنتج نبات قمح والثانية لتكون نخلا ؟

وثانيا: من الذي أهل تلك الجينات بمواصفات معينة لكي يتمكن الإنسان من خلالها رفع إنتاجية النباتات من الثمار أو تحسين صفات النبات الأخرى؟ ليس لكل التساؤلات من هذا القبيل إجابة سوى الآية الكريمة (إن ربك هو الخلاق العليم).

عبد القادر إسماعيل