الأم شمعة تضيئ ليل الحياة بتواضع وحنان وحب لزوجها وأولادها والمحيطين بها، فهي التي لا تقول هل تريد؟ بل تعطي وتغدق في العطاء دون انتظار لمكافأة فهي تسعد عندما ترى زوجها وأولادها يبتسمون للحياة ويعيشون في سعادة وهناء وتزداد سعادة عندما ترى نتيجة غرسها أثمر في ذرية صالحة حققوا نجاحات في حياتهم فأصبحوا في مراكز علمية ووظيفية مرموقة.

والناظر في دنيا الناس يجد أمهات لم ينلن قسطاً من التعليم ولكنهن حققن ما لم تحققه المتعلمات والمثقفات وذلك من خلال الكلمة الجادة والتوجيه السديد لأولادها ولمن تتعامل معهم كما أنها لا تبخل بما في أيديها على أحد بل تشعر بالسعادة الحقة عندما ترسم البسمة على شفاه المحرومين وكثيرة هي الأمهات الطاهرات العفيفات التي استقت بالفطرة الإخلاص وحب الناس دون عقد أو حسد أو حقد على أحد فهي لم تلوثها المدنية والحياة العصرية.

كما يسمونها، فالأم الملتزمة تجدها تستيقظ مبكرا لصلاة الصبح ثم تقوم بإيقاظ بقية أفراد الأسرة لصلاة الصبح والاستعداد للذهاب إلى العمل وذلك بأسلوب يفيض حنانا ورقة وعذوبة في الكلمة التي تتفوه بها كما تجدها تحرص على الدعاء النافع لزوجها وأولادها، الأمر الذي يجعل كل واحد يذهب إلى عمله وهو مستقر النفس هادئ البال، ثم تقوم بعملها في البيت من إعداد الطعام استعدادا لاستقبال أفراد أسرتها عند عودتهم من عملهم، وبعد الانتهاء من عملها تجدها تغتسل وترتدي أفضل الثياب كي تقابل زوجها وهي في أبهى صورة، فتستقبله بالبسمة الحانية والكلمة الهادئة وكذا جميع أفراد أسرتها.

وتظل الأم الملتزمة بتعاليم الإسلام تلبي طلبات زوجها دون تكشير أو علو الصوت بل تجدها تخلع على زوجها عبارات الإكبار أمام أبنائها وأمام الناس، كما تجدها تعمل بالفطرة على تغيير جو البيت والروتين اليومي حتى لا يشعر الجميع بالملل، ولذا فهي أولى بالإكرام والإحسان من قبل زوجها وأولادها.

يقول الحق تبارك وتعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (النحل: 87).

قال معروف الرصافي: أوجب الواجبات إكرام أمي، فإنها أحق بالإكرام، حملتني ثقلا ومن بعد حملي أرضعتني إلى أوان فطامي، ورعتني في ظلمة الليل حتى تركت نومها لأجل منامي.

والناظر في الحياة يجد المرأة قد نالت قسطا كبيرا من التعليم وصارت تحتل مكانة هامة في المجتمع حتى وصلت إلى درجة وزيرة وهذا شيء عظيم إلا أننا نجد بعض الأمهات قد غيرتها الوظيفة أو طبيعة الحياة العصرية لأنها تربت في جو من الحرية، فصارت تقضي معظم وقتها خارج البيت معتمدة على الشغالة في البيت الأمر الذي ترك أثرا سيئا على تربية النشأ، فتجدها تبحث عن أحدث الموديلات من الملابس وتضع أفخر أنواع المكياج كي تبدو أمام الناس أنها امرأة عصرية تناسب المجتمع المحيط بها.

كما تجدها تزاحم الرجل في الحفلات العامة ولا تمل من الثرثرة مع من تقابله من الرجال أو النساء وقد يحدث هذا أمام زوجها الذي يشارك في تلك الحفلات وإذا تحدثت معها عن تضييع حق الله في العبادة والطاعة تقول: خذني على جناحك ولا تكترث بما تقوله وإذا اقترب منها فقير يسألها شيئا نهرته وتركته دون عطاء وإذا جاء أحد من أقارب زوجها ليزوره قابلته بتكشيرة وعدم اهتمام به وإذا حاول أن يقدم النصيحة لها طلبت من زوجها أن يخرجه من البيت.

وهذا الصنف من النساء إذا فتشت في بيتها وجدت أولادها لا يعرفون للحياة معنى، فهم يعيشون كما يحلو لهم دون محاسبة، فقد يصادق الولد وقد تصادق البنت بحجة أن هذه هي طبيعة الحياة العصرية لدرجة أنهم يتهمون الملتزمين بآداب الشرع أنهم رجعيون متخلفون، فإذا سألت أحدهم عن عدد ركعات الظهر مثلا تجده لا يعرف وإذا سألته عن أشهر الأغاني وأصحابها وجدت ردودا سريعة.

وفي مقابل هذا الصنف من النساء تجد أمهات لم يتغيرن بسبب الوظيفة أو المكانة الاجتماعية المرموقة لأنهن تربين منذ الصغر على ما جاء به الإسلام فاستحقوا التقدير والاحترام.

قال بعضهم: ليس يرقى الأبناء في أمة ما لم تكن قد ترقت الأمهات، فالأمومة أعظم هبة خص الله بها النساء ولذلك قال بعضهم: إن أعذب ما تتفوه به البشرية هي لفظة الأم، وأجمل مناداة في الوجود هي أمي، كلمة صغيرة كبيرة مملوءة بالحب والأمل والعطف وكل ما في القلب البشري من الرقة والعذوبة.

ولعلي أستعير ما قاله أحد العظماء فأقول: إني مدين بكل ما وصلت إليه وما أرجو أن أصل إليه من الرفعة إلى أمي الملاك، رحمها الله رحمة واسعة.

حامد واكد