اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم القرآن عناية عظيمة، خصوصاً بالنسبة للصبيان الصغار، ولا شك أن في ذلك فائدة كبرى، وهي لأجل أن يتوجه الصغار إلى اعتقاد أن الله تعالى هو ربهم وأن هذا كلامه تعالى، ولأجل أن تسري روح القرآن في قلوبهم ونوره في أفكارهم ومداركهم وحواسهم، ولأجل أن يتلقن الطفل عقائد القرآن في قلوبهم منذ الصغر.
وأن ينشأ ويشب على محبة القرآن والتعلق به والائتمار بأوامره والانتهاء عن مناهيه والتخلق بأخلاقه والسير على مناهجه. ولذلك اعتنى المربون في هذه الأمة بتعليم الصبيان القرآن وذلك أصل من أصول الإسلام، فينشئون على الفطرة ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل أن تمكن الأهواء منها.
وفي اعتناء الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح من بعدهم بتعليم الصبيان لما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم استجابة كاملة لأمره ومسارعة صادقة لاكتساب الخيرات والبركات التي ضمنها بإذن الله لمن فعل ذلك، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من علم ابنه القرآن نظرا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ومن علمه إياه ظاهرا بعثه الله يوم القيامة على صورة القمر ليلة البدر، ويقال لابنه اقرأ، فكلما قرأ آية رفع الله عز وجل الأب بها درجة، حتى ينتهي إلى آخر ما معه من القرآن». (مجمع الزوائد ـ كتاب التفسير ـ باب فيمن علم ولده القرآن ـ ج7 ـ ص248، وقال رواه الطبراني في الأوسط).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من رجل يعلم ولده القرآن في الدنيا إلا توجه أبوه يوم القيامة بتاج في الجنة، يعرفه به أهل الجنة، بتعليم ولده القرآن في الدنيا). (مجمع الزوائد ـ كتاب التفسير ـ باب فيمن علم ولده القرآن ـ ج7 ـ ص248، وقال رواه الطبراني في الأوسط).
ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على تعليم القرآن وقراءته، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». (سنن ابن ماجه ـ باب فضل من تعلم القرآن وعلمه ـ ج1 ـ ص77 ـ حديث رقم 211).
ويقول أحمد عبدالباقي صاحب إحدى الخلاوي كان صلى الله عليه وسلم مع تعليم القرآن يعلمهم الأدب وخاصة لمن حفظ القرآن ليعرف حقه فيعظمه ويحترمه، فقد جاء في الحديث الشريف عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من جد ولا يجهل مع من جهل، وفي جوفه كلام الله تعالى». (المستدرك على الصحيحين ـ من كتاب فضائل القرآن ـ أخبار في فضائل القرآن، جملة ـ ج2 ـ ص109 ـ حديث رقم 2066).
وفي (الاستيعاب) أن عبدالله بن سعيد بن العاص كان يعلم الناس الكتابة بالمدينة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عبادة بن الصامت: «علمت ناسا من أهل الصفة كتابة القرآن» ـ سنن أبي داوود. وفي (المطالع النصرية في الأصول الخطية) لأبي الوفا نصر الهوريني ـ لم تكثر الكتابة العربية إلا بعد الهجرة النبوية بأكثر من سنة.
وذلك لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة جعلوا على كل واحد من الأسرى فداء من المال، ومن عجز عن الاقتداء فعليه أن يعلم الكتابة لغيره من صبيان المدينة فلا يطلقونهم إلا بعد تعليمهم.
وجاء في السيرة أن الواحد من المشركين كان يتعلم منه عشرة من الغلمان ويخلى سبيله. وجاء في (الفواكه الدواني ـ حاشية النفراوي شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني) قال: أول من جمع الأولاد في المكتب ـ أي مكان القراءة والكتابة ـ هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأمر عامر بن عبدالله الخزاعي أن يلازمهم للتعليم، وجعل رزقه من بيت المال.
وكان منهم البليد والفهيم فأمره أن يكتب للبليد في اللوح ويلقن الفهيم من غير كتابة، وتخفيفا على التلاميذ فقد أمر سيدنا عمر رضي الله عنه بالدراسة بعد صلاة الصبح إلى نهاية الضحى لكي يأخذوا قسطا من الراحة، ثم يواصلون الدراسة من صلاة الظهر إلى صلاة العصر ويستريحون بقية النهار.
وعندما عاد سيدنا عمر رضي الله عنه من الشام بعد فتحها، وكان قد اشتاق إليه أهل المدينة فتلقوه يصحبهم الصبيان خارج المدينة فباتوا ليلة الخميس والجمعة خارج المدينة فشرع سيدنا عمر رضي الله عنه لتلاميذ الخلوة الاستراحة في اليومين المذكورين ودعا بالخير لمن أحيا هذه السنة وبضيق الرزق لمن أماتها.
فاستمرت إلى يومنا هذا (ولذلك نجد أن أسلافنا الصالحين بالسودان قد اهتموا واعتنوا بتكوين الخلاوي وجمع الطلاب عليها والعمل على استقرارهم لتكون لهم شرفا وفخرا بحفظ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولتكون إحياء لسنته صلى الله عليه وسلم وسنة أمير المؤمنين سيدنا عمر رضي الله عنه والخلوة باب من أبواب حفظ الذكر الحكيم «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (سورة الحجر، الآية 9). فالقرآن الكريم محفوظ في صدور الرجال ومحفوظ في المخطوطات (المصاحف)، وكل ذلك بفضل الخلوة وطريقة تعليمها، وهذه الخلاوي تدعم المعاهد والجامعات بالحفظ من كل مكان.
ومما يجدر ذكره أن معظم خلاوي القرآن الكريم بالسودان ـ ومن بينها خلوة الشيخ دفع الله الصائم ديمه ـ تدرس القرآن برواية أبي عمرو الدوري وهي الرواية المتبعة لدى الأسلاف الذين أنشأوا خلاوي تحفيظ القرآن في السودان على مر العصور.
أما أدوات الكتابة فهي تشمل اللوح الخشبي والدواية (وهي محبرة المداد) وقلم البوص والجير لتبييض اللوح حتى تظهر عليه الكتابة بوضوح. ولتلقي القرآن وحفظه يجلس الطالب على الأرض أو يفترش جوال الخيش الفارغ أو أي قطعة من البساط وذلك تأدباً وتواضعاً للعلم وتسهيلاً لحركة الطالب قياماً وقعوداً. وهنالك ما يسمى بالشرافة ـ من تشريف القرآن الكريم وتعظيمه ـ كما أنها من باب تعظيم شعائر الله وإظهار نعمته.
وهي زخرفة أطراف اللوح وكتابة الآيات الأولى، مما سوف يحفظه الطالب. والسور التي تشرف هي: الفاتحة، البينة، الأعلى، النبأ، الجن، تبارك، الرحمن، محمد، يس، الفرقان، مريم، الإسراء، التوبة، الأعراف، ثم البقرة. وهي الشرافة تعد من قبيل شهادة التقدير لطالب القرآن الذي قطع شوطاً في تعمله، لأنها تصحبها هدية مالية تقديراً للطالب وتحفيزاً له للمضي قدماً في الحفظ ورفعاً لهمة الآخرين، وهي تكون للمبتدئ دون العائد وهو الذي ختم القرآن ثم أعاد الختم كرة أخرى. كما يبذل الطالب المشرف نفسه بعض المال (كرامة) ابتهاجاً بتقدمه في الحفظ.
ونجد أن الشيخ دفع الله الصائم ديمه ـ طيب الله ثراه وجعل الفردوس متقلبه ومثواه ـ كان همه الأكبر وشغله الشاغل بعد أن اختط مسجده الرئيس بأمبدة الحارة الرابعة (أم درمان) عام 1974م، أن تقوم فيه خلوة لتعليم القرآن الكريم، وقد تم ذلك في عام 1954م.
وقد بدأت بداية مبسطة تعتمد على بعض الجيران من الكبار والصغار، وفي منتصف السبعينات أرسل أبونا الشيخ دفع الله إلى أخيه في الله تعالى الشيخ عبد القادر السيد وهو من حفظة القرآن ليقوم بالتدريس بالخلوة، فاجتمع عليه الطلاب الوافدون من أقاليم السودان المختلفة، وقد كان عددهم في ذلك الوقت حوالي الأربعين طالباً (40 طالباً) يسكنون بداخليات الخلوة، وبها يتلقون الإعاشة والكساء، واستمرت الخلوة حتى منتصف الثمانينات، حيث ازدهرت وازدادت عدة وعدداً حتى بلغ ما يزيد عن الأربعائة طالب (400 طالب).
وبامتداد طريق الشيخ دفع الله الصائم ديمه المتمثل في خليفته الشيخ أحمد عبدالباقي، دخلت الخلوة طوراً جديداً من النمو والازدهار، فشهدت الخلوة تحديثاً في المباني وتوسعاً فيها يشهد له بناء داخليات الطلاب ذات الطابقين، كما ألحقت بها وحدة صحية للإسعافات الأولية.
ثم أصبح العدد في ازدياد حتى بلغ الآن نحواً من السبعمائة طالب (700 طالب)، وأصبحت تخرج الدفعة تلو الدفعة حتى تخرج منها مئات الطلاب الذين انتشروا في أنحاء السودان المختلفة. وهي تخرج سنوياً خمسة عشر طالباً يزيدون قليلاً أو ينقصون وهم يحفظون القرآن حفظاً متقناً بجانب بعض العلوم الدينية التي يحتاج إليها المسلم في عباداته اليومية.
فالخلوة الآن بحمد الله وعونه مستمرة العطاء، وبها من المعلمين ومساعديهم ما يبلغ العشرة معلمين للقرآن الكريم على رأسهم الشيخ الرفاعي عبد الرحمن الذي بدأ التدريس منذ حياة الشيخ دفع الله الصائم ديمه، وهو قد درس في نفس الخلوة وتخرج فيها.

