قال الشيخ: إذا علمنا ما علمناه من وقوع الموت في أي لحظة وقصر العمر أمام ما يلزم لإعمار الآخرة فما الذي يجعل أكثرنا من العصاة أو الغافلين؟
قد يكون للروح التي فينا أثر في إحساس بالخلود أو البقاء، ولكن هذا يجب إلا يجعلنا نغفل عن حقيقة أن الموت عامل في أجسادنا في كل لحظة، وأن الخلود الحقيقي ليس في هذه الدار، فأعمارنا كما قال اللجائي: «شبه سفينة غرق مؤخرها في البحر ومقدمها متزايد في الغرق».. فهل نغتر بما بقي أم نوقن بالفناء القريب؟
وقد يكون السبب غلبة طبع البدن على الروح، فطبع البدن أن يميل إلى الكسل والفتور وطلب الراحة واللذة العاجلة، في حين أن الروح تميل إلى الالتذاذ بالمعارف والمعاني والقيم والفضائل، فان غلب طبع البدن على توق الروح عمي المرء عن الحقائق وهي بارزة أمام عينيه.
والبدن أعمى لا يرى النور ولا يقدر الطيبات ولا ينظر إلى الآجلة، وقد خلقه الله عز وجل ليكون مطية للروح في هجرتها إلى الله، فإذا بنا نسمن المطية ونجوع راكبها حتى خرجت عن كل سيطرة أو قيد، فهي تجنح بالروح إلى حيث العذاب المقيم.
والأصل فيمن علم ما علمناه ورأى مصداق ذلك أمام عينيه أنه لا يتكلم إلا لضرورة ولا يأكل إلا على جوع، ولا ينام إلا بغلبة، فما أقل الزاد وما أطول المسير، ولكننا على عكس ذلك نكثر من الكلام وشره أكثر من خيره، ونملأ البطون بما يثقل ويعطل، وننام الساعات الطوال دون أن نشعر بأنها إنما تختزل من أعمارنا فهي كالعير المحمل بالصناديق الفارغة تقطع المسافات في الصحراء دون فائدة.
كما أن الأصل فيمن علم ما علمناه أنه لا يحمل هما لغد مادام أنه لا يملك أن يصل لهذا الغد، بل انه لا يهتم لمحن اليوم والساعة لأن اليوم مهما طال فإنه سيطوى، وكل زائل لا قيمة له لنهتم به أو له، ولكننا نعيش كمن لن يموت أبدا، فإذا داهمنا هم أو ألم ظننا أنه لا ينتهي، ونحن نخطط لأيامنا القادمة في هذه الدنيا وربما لأيام أولادنا وأحفادنا وكلها (ممكنات) إذ لا نعرف من منا سيبقى وكم سيبقى، ولا نعمل ليوم هو آت بالضرورة فهو(الواجب) الذي لا يتخلف، فهل يعقل أن نبيع الواجب بالممكن؟! وأن نسعى لما قد لا نصل إليه ونهمل ما نحن قادمون إليه بالضرورة، بل انه ملاقينا من أمامنا مهما هربنا منه وتوقيناه من خلفنا.
إن العشرة عصافير ؟ في المثل المعروف- هي في اليد إذا أحسنا الفهم والعمل ولكننا نتركها تطير ونحاول أن نمسك بطير واقف في أعلى شجرة مع ألف احتمال أن يطير قبل أن نمسك به، أو أن تدق رقابنا أثناء تسلق الشجرة.
إن الحكيم من ينظر في عمره فيرى قسما منه قد فات وغلب عليه الغفلة والتقصير، وقسما آت وقد لا يأتي كله أو أكثره أو بعض منه، وقسم حاضر يحاول أن يعوض فيه ما فاته مما قد لا يقدر عليه بعد يومه، أما التراخي والتعويل على الغد ونسيان الأمس بما فيه من عصيان وتقصير فتلك سنة المجانين وأكثرنا منهم نسأل الله العافية.
قد يقول قائل: وتحصيل الرزق؟ ومشاغل الحياة؟ ومستقبل الأولاد؟ نقول اعمل ما شئت وستؤجر على عملك إن قصدت الطيب والحلال ولم ينسك عملك ذكر مولاك، ولكن لنقف قليلا وليسأل كل منا نفسه: كم يحملها من جهود ومشاق من أجل إسراف أو إنفاق غير ذكي، وكم من الزوائد قد جعلناها من الضرورات والحاجات الرئيسية ثم رحنا نركب الصعب من أجل تلبيتها، فهل يعذر من أضاع عمره وأتعب بدنه وأرهق فكره من أجل نعيم زائل غير ضروري.
كأنه لم يكفه وعد الحق سبحانه وتعالى له بجنة عرضها السموات والأرض فراح يحاول أن يصطنع لنفسه جنة في دنياه، حتى إذا صفت له لم يبق من عمره ما يجعله يعيش فيها، فيتركها لغيره وكثيرا ما تفسد التركات من يرثها، لاعتمادهم عليها ولأمراض الترف والتبذير المعروفة، فيخسر نفسه وعياله إلا من رحم ربي.
ماهر سقا أميني
