شهدت تجارة الأعضاء البشرية نشاطًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل تقدم وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة، والتي ساعدت على رواج هذه التجارة، واتخذت بدورها ستارًا من خلال بعض الأنشطة الأخرى.. والتساؤل ما موقف الإسلام من هذه التجارة؟، وكيف يمكن لأحد مواجهتها، خاصة في ظل تزايد معدلات الفقر في عدد من الدول؟

الشريعة الإسلامية، حسب ما يؤكده المفكر الإسلامي د. عبدالفتاح عساكر، ترفض بيع الأعضاء البشرية رفضًا باتًا؛ باعتبار أن الإنسان مكرَّم من الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فمن غير المعقول أن يُخضع نفسه لمساومة حول أعضائه، يقول تعالى:{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} ... يضيف عساكر إنه على الرغم من أن الإسلام حرَّم بيع الأعضاء البشرية، إلا أنه في الوقت نفسه أباح التبرع بها باعتبار أن هناك فرقًا بين البيع والتبرع؛ حيث يكون الأول بالمال وعن طريق العرض والطلب، أما الثاني فلا يخضع لأي عمليات مالية.. موضحًا أن جواز التبرع ينطبق على جميع الأعضاء البشرية ما عدا الأعضاء التناسلية التي لا يجوز نقلها حتى لا يحدث اختلاط بين الأنساب.

ويشير إلى أن موقف الإسلام من تحريم الاتجار في الأعضاء البشرية ينبع من موقفه لكل صور الاستعباد والاستغلال للإنسان مثل «الدعارة»، والتي اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم، من الموبقات حيث يقول في حديثه الشريف «فإن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا وفي شهركم هذا»، ويقول تعالى:{ولا تقربوا الزنا}، كما اتخذ الإسلام موقفًا أيضًا من الرِّق، ودعا إلى تحرير العبيد، وحسن معاملتهم، وبالتالي فإن موقفه من تجارة الأعضاء البشرية يُعد امتدادًا لموقفه المُساند للإنسانية.. يضيف د. مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقًا، إن الإنسان خليفة الله في الأرض؛ حيث سخر له الله ما في السموات والأرض، ويكفي أنه أسجد له ملائكته لقوله تعالى: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين}.. مشيرًا إلى أنه ليس من المعقول أن يكون الإنسان مكرَّمًا من الله بهذه الدرجة، ثم يتجه الإنسان إلى امتهان نفسه من خلال عرض أعضائه للبيع..

ويؤكد أن الإسلام حرَّم بيع الأعضاء؛ لأنها هبة من الله تعالى له، وبالتالي عليه أن يحافظ عليها.. مؤكدًا أن الآونة الأخيرة قد شهدت تزايدًا في عمليات سرقة الأعضاء البشرية من قِبل بعض الأطباء معدومي الضمير، والذين يستغلون فقدان المريض لوعيه ليقوموا بسرقة بعض أعضائه، وهذا يُعد من كبرى الجرائم، الأمر الذي يحتِّم وقفة جادة تجاه هؤلاء الأطباء من خلال تفعيل القوانين المنظمة للعلاقة بين الطبيب والمريض تلافيًا لأي تجاوزات من هذا القبيل..

ويوضح الشكعة أنه على النقيض من موقف الإسلام من بيع الأعضاء والإتجار بها، فقد أباح التبرع بها على أن يكون ذلك بشروط منها ألا يكون مقابل ثمن، وأن يفيد النقل المتبرع له ولا يضره، وأن يكون ذلك تحت إشراف طبي دقيق..

وعن نقل الأعضاء من الميت، يشير الشكعة إلى أن هناك شروطًا تحكم هذه العملية منها أن يكون الميت قد فارق الحياة تمامًا، وأن يكون موصيًا بالتبرع بأعضائه قبل موته، وأن يتم النقل تحت إشراف طبي دقيق، كما يشترط ألا يكون النقل خاضعًا للمعاملات المالية بالبيع أو الشراء، كما يجب أن يكون العضو المنقول لا يؤدي إلى اختلاط الأنساب..

ويؤكد أن الإسلام أباح التبرع بالأعضاء انطلاقًا من مبادئه القائمة على صيانة النفس وإحيائها لقوله تعالى: {ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا}، وبالتالي فإن الإنسان الذي يتبرع بأحد أعضائه يساهم في إحياء نفس بشرية، وهذا يُعد من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى..

وفي رأي د. عبدالمعطي بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، فإن بيع جزء من أجزاء الإنسان يدخل في باب المحرَّمات؛ لأنه امتهان لكرامة الإنسان، وتعريضه لأن يكون سلعة تُباع وتُشترى، وهذا مخالف لتكريم الله تعالى للإنسان الذي كرمه عن المخلوقات الأخرى، كما أن جسد الإنسان بناء بناه الله تعالى وسَمَا به عن البيع والشراء، وبالتالي لا يجوز أن يكون محلاً لمعاملات تجارية.

ويرى أن الإسلام إذا كان قد حرَّم الإتجار بالأعضاء البشرية، فقد أباح التبرع بها على ألا يُرى ذلك على ما يُعرف ب«مفردات الجسم»، وهي الأعضاء التي لا يوجد لها مثيل داخل الجسم مثل القلب أو الكبد، وإنما يكون التبرع بالأعضاء المزدوجة مثل إحدى الكليتين، كما يشترط أن يكون بدن المتبرع سليمًا، وألا يترتب على نقل الأعضاء أي ضرر للمتبرع..

«انتشرت ظاهرة بيع وتجارة الأعضاء البشرية بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة في كثير من دول العالم، ولا سيما الفقيرة منها، والتي يقع الأغلبية العظمى منها تحت خط الفقر، وبالتالي يكونون فريسة سهلة للاستغلال والخداع».. بهذه العبارة تستهل د. سهير عبدالمنعم، أستاذ القانون الجنائي بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية..

مشيرة إلى انتشار هذه الظاهرة رغم التطور الحضاري والتكنولوجي الذي يعيشه العالم الآن، فهي خير دليل على انهيار القيم الأخلاقية والإنسانية باعتبار أن انتعاش بيع وتجارة الأعضاء البشرية يُعد من أخطر الممارسات السلوكية، خاصة إذا ارتبطت بأشكال تنظيمية من خلال عصابات «المافيا» التي استحدثت وسائل حديثة لتنشيط هذه التجارة مثل شبكة الإنترنت، والذي يُعرض من خلالها مزادات لبيع هذه الأعضاء هربًا من الملاحقة القانونية..

تضيف سهير: «للأسف الشديد فإن جرائم بيع الأعضاء البشرية من خلال الإنترنت لا يمكن السيطرة عليها بأي حال، أو مراقبتها من قِبل الجهات القانونية سواء تلك الموجودة داخل الدولة أم تلك المؤسسات الدولية مثل الإنتربول».. مشيرة إلى أنه من خلال الإنترنت أصبح بمقدور أي شخص أن يبيع أي عضو من أعضائه من خلال الإعلان عنه على بعض المواقع المخصصة لهذا الغرض، والتي أصبحت بدورها بمثابة بورصة يتنافس فيها الراغبون لبيع أو شراء الأعضاء في طرح أسعار تنافسية..

وتطالب أستاذ القانون الجنائي بتشريع محلي على مستوى كل دولة عربية وإسلامية لمحاربة هذه الظاهرة التي تفشَّت في الآونة الأخيرة، إضافة إلى ضرورة وجود تشريع دولي يضع حدًا لممارسة هذه التجارة التي تتخفَّى وراء ستار عدد من الأنشطة الأخرى.