أكدت الصين في مناسبات عديدة أن قضية سعر صرف عملتها «اليوان» تعد قضية سيادية تخصها وحدها فمن وجهة النظر الصينية من حق أي دولة في العالم أن تحدد سعر صرف عملتها الرسمية وفقا لأوضاعها الخاصة.

وتأكيدا على حسن النوايا وتحت وطأة الضغوط الأميركية - والتي طالما نفت الصين خضوعها لها - أعلنت الأخيرة اعتزامها رفع قيمة اليوان في خطوة منها للمساهمة في استقرار الإقتصاد العالمي وخاصة أن الصين باتت لاعبا مهما وأساسيا لا يمكن التغاضي عنه عند رسم خريطة مستقبل الاقتصاد العالمي لما بعد حقبة الأزمة بالرغم من تأكيدات سابقة للصين بأنها لن تكرر الخطأ الذي ارتكبته اليابان في الثمانينيات بالسماح لعملتها بالصعود استجابة لضغوط أجنبية.

وهناك من يرى أن اتهام الولايات المتحدة للصين بالتسبب في العجز الكبير الذي تواجهه ميزانيتها والذي وصل حتى الآن إلى ما يقارب 3 .1 ترليون دولار في وقت تجاوزت فيه ديون الولايات المتحدة 13 ترليون دولار ليس هو الدافع الحقيقي وراء هذا الاتهام وإنما هو سعي واشنطن لتبرير عجزها عن اصلاح الهيكل الاقتصادي الاميركي فمن السهل توجيه أصابع الاتهام ومن الصعب التحلي بالجرأة الكافية لتطبيق إصلاحات إقتصادية هيكلية حقيقية ترضى بها جميع الأطراف...

كما أن اعادة تقييم العملة الصينية وبإعتراف الكثير من المحللين والخبراء لن يكون الحل الرئيسي للمشكلات التجارية التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية.

وربما جاء اعتراف عضو الكونغرس الأميركي برايان بيرد في حديث خاص أخيراً لـ «البيان» ليؤكد براءة الصين من الاتهامات الأميركية حيث قال بيرد : لا أعتقد أنه من العدل أو من الصحيح أن نحاول القول بأن العجز الكبير في الميزانية الذي تواجهه الولايات المتحدة هو بفعل اليوان الصيني مضيفا بالقول: نعم إنخفاض قيمة اليوان يساهم في إحداث خلل تجاري بدرجة ما.

وقد أثر بشكل أو بآخر على صورة البطالة وتنامي مستوياتها في الولايات المتحدة وعلى تنافسيتنا الإقتصادية ولكنه بالتأكيد ليس المتسبب الأول في العجز الكبير الذي أرهق الميزانية الأميركية تلك الاعترافات ربما تؤيد تبرير الموقف الصيني الرافض لرفع قيمة اليوان.

فالصين ترى أن أي توجه منها لرفع قيمة عملتها لن يؤدي الى عودة الوظائف الى الولايات المتحدة لان الشركات الاميركية لم تعد تصنع المنتجات الكثيفة الاستخدام للايدي العاملة فيما يرى البعض الآخر بأن الهدف من الضغوط الأميركية مع الصين هو تقليل حصة بكين من الاستثمارات والصادرات إلى الخارج.

سوء فهم

وقال دو بينغ الخبير المخضرم في الشؤون الدولية والمعلق السابق في صحيفة ((ليانخه زاوباو)) السنغافورية لوكالة انباء شينخوا الصينية أن جزءاً كبيراً من النزاع الأميركي الصيني بشأن سعر صرف اليوان لا يغدو سوى كونه سوء فهم من قبل الغرب.

وأوضح أنه بسبب انخفاض تكاليف المواد الخام والموارد البشرية في الصين فإن المنتجات الصينية تعتبر ارخص وتتسم بقدرة تنافسية اقوى في السوق العالمية مضيفا بأن ذلك ليس نتاجا لسعر صرف العملة الصينية، اذ ان الفائض التجاري الصيني لا يتعلق كثيرا بسعر صرف العملة. واصفا السياسة التي تنتهجها الصين فيما يتعلق بسعر صرف عملتها بالصحيحة والعملية.

رسوم جمركية

ونوه دو بينغ بجهود الصين الكبيرة للحفاظ على استقرار سعر صرف عملتها، مما افادها وافاد آسيا والعالم بأسره منذ اندلاع الازمة المالية الآسيوية عام 1997.

ولعل تلك التبريرات لا تزال غير مقنعة للولايات المتحدة فقد وافقت لجنة في الكونغرس الأميركي منذ أيام قلائل على مشروع قرار يخول الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية على واردات الدول التي تعتبرها واشنطن تتعمد الإبقاء على أسعار صرف عملتها منخفضة بدرجة كبيرة مما يضر بالتجارة الأميركية.

وتلك الخطوة من شأنها أن تؤجج الصراع الصيني الأميركي بشأن سعر صرف العملة الصينية حيث يتهم المشرعون الأميركيون سواء داخل الكونغرس أو خارجه الصين بتخفيض قيمة عملتها بشكل متعمد بنحو 25 الى 40 بالمائة لمنح الشركات الصينية ميزة تجارية غير عادلة الامر الذي يضر بالصادرات الاميركية وفرص العمل في السوق الأميركية .

مؤكدين أنه اذا ما سمحت الصين لعملتها بالاستجابة لقوى السوق فسيؤدي ذلك الى خلق ملايين الوظائف في قطاع الصناعات التحويلية الاميركية وخفض العجز التجاري مع الصين بواقع 100 مليار دولار سنويا دون أن تتحمل الخزانة الاميركية أي تكلفة.

ومن هذا المنطلق يطالب المشرعون الأميركيون الصين برفع قيمة العملة الصينية بنسبة 20 في المائة وهو ما ترفضه الصين جملة وتفصيلا.

معللة بأن توجها من هذا النوع من شأنه أن يؤدي إلى افلاسات على نطاق واسع في قطاع التصدير الصيني الذي تعمل فيه الشركات بهوامش ارباح ضئيلة وفي ظل الجدال الأميركي الصيني تبقى احتمالات تبنى مشروع القانون الأميركي لمعاقبة الصين من خلال فرض رسوم جمركية على وارداتها أمر وارد وخاصة أنه بانتظار مناقشته في مجلس النواب الأميركي هذا الأسبوع كما أنه بحاجة إلى موافقة مجلس الشيوخ الأميركي ليصبح قانونا مطلقا.

ويبدو أن الولايات المتحدة تحاول من خلال تبنى هذا التشريع بحق الصين أن ترسل رسالة أخرى إلى شريك آخر وهو اليابان ففي الأسابيع القليلة الماضية وصلت أسعار الين الياباني لمستويات سعرية لم تصل لها منذ 15 سنة أجبرت الحكومة اليابانية على التدخل لوقف تلك الارتفاعات المضرة بالاقتصاد الياباني القائم على التصدير وإن كان البعض يرى بأن تدخل السلطات اليابانية كان بطيئا في عمليات بيع الين الأمر الذي ساهم بشكل كبير في تراجع الدولار الأميركي.

ضعف الدولار

ولا يختلف اثنان على أن الارتفاعات الحادة للين تعكس حالة الضعف التي يعيشها الدولار الأميركي بفعل تداعيات الأزمة كما أن انخفاض الدولار في أسواق الصرف الأجنبي يعني زيادة في أسعار النفط المقترنة بالدولار كما ساهمت المخاوف بشأن المعروض من النفط وتراجع الطلب على النفط بترجيح التوقعات بضعف أكبر للدولار والبقاء على أسعار نفط منخفضة.

وعلينا أن ننظر لما حدث في الأسواق يوم الجمعة الماضي حيث تم تداول الدولار مقابل 34 .84 ينا بعد أن تم تداوله مقابل 85 ينا في وقت سابق بعد أن سرت شائعات بأن بنك اليابان المركزي قد يتجه لبيع مزيد من الين .

مما تسبب في هبوط الدولار مجددا بعد أن بات واضحا بأن السلطات اليابانية لم تتدخل هذه المرة لكبح جمع صعود الين بعد أن كانت قد تدخلت الأسبوع الماضي وللمرة الأولى منذ ست سنوات لكبح إرتفاع الين مقابل الدولار وخاصة أن معدل الصرف يجعل من الصعب جدا على المصدرين اليابانيين المنافسة في الأسواق العالمية.

دوامة الين

ولو نظرنا على مدى العقد الماضي فإن أحد أفضل التنبؤات بشأن سعر الدولار/ الين هو الفجوة ما بين معدلات الفائدة ما بين اليابان والولايات المتحدة على المدى الطويل ويجادل البعض بأن بنك اليابان بإمكانه وبسهولة تخفيض سعر الين من خلال إطلاق المعروض النقدي.

وبالرغم من إعتقاد الكثيرون بأن اليابان وحدها لا يمكنها أن تحل مشكلة توالي ارتفاع الين وبأن تأثير تدخلها في سوق العملات يبقى محدوداً.

وفي ظل تصاعد حدة الخلاف الصيني الأميركي وبوادر نزاع أميركي ياباني وخاصة أن التحرك الياباني لكبح الين لا يزال ينظر إليه على أنه بطيء يجمع الخبراء على أن كل من الصين واليابان بحاجة إلى التنسيق مع آخرين بما فيهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تحديد أسعار عملتيهما.

اليابان ستخفف السياسة النقدية اذا تطلب الامر

قال محافظ بنك اليابان المركزي ماساكي شيراكاوا أمس ان بلاده ستخفف سياستها النقدية على النحو الملائم اذا استدعى الامر في الوقت الذي تتابع فيه عن كثب تأثير ارتفاع الين على الاقتصاد. وقال شيراكاوا في مؤتمر استضافته الجمعية اليابانية لاقتصاديات النقد في كوبي بغرب البلاد ان البنك المركزي يتابع أيضا الخطر النزولي على الاقتصاد بمزيد من الاهتمام.

وأضاف أن البنك المركزي الياباني أقدم على أكبر تخفيف للسياسة النقدية في العالم بالنظر الى حجم ميزانيته مقارنة بالناتج المحلي الاجمالي لكنه أوضح أن ذلك لا يعني أنه لا يرى حاجة لاتخاذ خطوات أخرى. وقال شيراكاوا في المؤتمر سنستجيب (لضرورة تخفيف السياسة النقدية) في الوقت المناسب وعلى النحو الملائم.

وتدخلت اليابان في سوق الصرف في 15 سبتمبر من خلال بيع الين وذلك في أول خطوة من نوعها منذ أكثر من ست سنوات حين هدد صعود الين لاعلى مستوياته في 15 عاما أمام الدولار باضعاف انتعاش الاقتصاد الياباني الذي يعتمد على التصدير وبزيادة الانكماش في الاسعار.

ومن المقرر أن يعقد البنك المركزي الياباني اجتماعه القادم في الرابع والخامس من أكتوبر. وتقول مصادر انه لا يمكن استبعاد تخفيف السياسة النقدية في ذلك الاجتماع وان من بين الخيارات زيادة المشتريات من السندات الحكومية وتوسيع نطاق أداة تهدف لتوفير معروض نقدي رخيص. (رويترز)

دبي- كفاية أولير