قالت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التجارة الخارجية، إن دولة الإمارات قلصت تداعيات الأزمة المالية العالمية خلال فترة قصيرة نسبياً من دون انتظار تعافي الاقتصاد الأميركي أو العالمي، مؤكدة أن اقتصاد الدولة لم يشهد ركوداً كذلك الذي شهدته معظم اقتصاديات العالم، وذلك نتيجة لعناصر القوة القائمة في الاقتصاد الوطني ونجاحه في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
وأوضحت وزيرة التجارة الخارجية التي كانت ترد على أسئلة ل«البيان الاقتصادي»، حول انعكاسات إعلان المكتب القومي للأبحاث الأميركية رسمياً بأن الاقتصاد الأميركي قد خرج من حالة الركود، على دولة الإمارات ودول المنطقة، أن المنطقة ودولة الإمارات ليست بعيدة عن التأثير الإيجابي لهذا الإعلان وإنه إذا صح الإعلان بخروج الاقتصاد الأميركي من الركود فإن ذلك سينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.وسيساعد على خروجه من حالة الركود التي أصابته منذ سنوات عدة، باعتبار أن الاقتصاد الأميركي يتصدر الاقتصادات العالمية، إذ إن 50% من المبادلات العالمية تتم بالدولار الأميركي في الوقت الذي تحتكر فيه الولايات المتحدة ما يناهز خمس التجارة العالمية، وتعتبر أول مصدر ومستورد عالمي، فيما يشكل قطاع التجارة والخدمات الجزء الأكبر من الناتج الداخلي.
وأشارت وزيرة التجارة الخارجية إلى نجاح الإمارات في تعليق تداعيات الأزمة المالية العالمية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. وأكدت أن قطاعات اقتصادية كثيرة نجحت في تجاوز تداعيات هذه الأزمة بشكل كبير بفعل قوة هذه المكونات الاقتصادية وبنيتها التشريعية والقوانين التي تعززت خلال الفترة الماضية بالعديد من الإجراءات التنفيذية التي اتخذتها الحكومة والتي نتج عنها بث الثقة في مناخ الأعمال في الدولة على كل الصعد المحلية والإقليمية والدولية.
وقالت الشيخة لبنى، إن هناك مؤشرات عدة محلية ودولية، تثبت نجاح الدولة في تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية منها تحقيق الاقتصاد الوطني معدل نمو حقيقياً بلغ 3, 1% والذي وإن كان أقل من معدل نمو عام 2008 إلا أنه يعد طبيعياً مقارنة بالتباطؤ الذي حل باقتصادات العالم كله، ما يثبت متانة اقتصاد الإمارات.
وأوردت وزيرة التجارة من هذه المؤشرات ارتفاع مساهمة القطاعات الاقتصادية غير النفطية إلى 71% في إجمالي الناتج المحلي للإمارات عام 2009 مقارنة بنحو 63% عام 2008 الأمر الذي يؤكد نجاح مساعي الدولة لتنويع الاقتصاد.
ولفتت لبنى القاسمي إلى أن الحكومة اتخذت، على مستوى التجارة الخارجية للدولة، العديد من الإجراءات لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية.
وفي ما يلي تفاصيل التصريحات:
الاقتصاد الأميركي والإمارات
أعلن المكتب القومي للأبحاث الأميركي رسمياً أن الاقتصاد الأميركي خرج من حالة الركود. ما انعكاسات هذا الإعلان على دولة الإمارات ودول المنطقة؟
لا شك في أن الأخبار والأنباء الاقتصادية التي تأتي من الولايات المتحدة لها تأثيرها المباشر في اقتصادات العالم كافة، وليس منطقة بعينها.
فالاقتصاد الأميركي يتصدر الاقتصادات العالمية، فيما يتجلى قوته من خلال العديد من المؤشرات الاقتصادية والمالية، إذ إن 50% من المبادلات العالمية تتم بالعملة الأميركية «الدولار»، في الوقت الذي تحتكر فيه الولايات المتحدة ما يناهز خمس التجارة العالمية، وتعتبر أول مصدر ومستورد عالمي، فيما يشكل قطاع التجارة والخدمات الجزء الأكبر من الناتج الداخلي الخام، وهي تتعامل اقتصادياً وتجارياً واستثمارياً ومالياً مع مختلف دول العالم خاصة دول القارة الأميركية ودول آسيا وأوربا الغربية.
كما تعد الولايات المتحدة أول مستثمر خارجي في العالم، وتتمركز استثماراتها في مناطق كثيرة في العالم منها أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا وكندا. في نفس الوقت تعتبر أول بلد في العالم مستقطب لرؤوس الأموال الأجنبية.
انطلاقاً من ذلك فإنه إذا صح الإعلان بخروج الاقتصاد الأميركي من الركود، فإن ذلك سينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله، وسيساعد على خروجه من حالة الركود التي أصابته منذ عدة سنوات.
وبالطبع، فإن المنطقة ودولة الإمارات ليست بعيدة عن هذا التأثير الإيجابي، وإن كانت الإمارات قد قلصت تداعيات الأزمة المالية العالمية خلال فترة قصيرة نسبياً، دون انتظار تعافي الاقتصاد الأميركي أو العالمي، ولم يشهد اقتصاد الدولة ركوداً كذلك الذي شهدته معظم اقتصادات العالم، وذلك نتيجة عناصر القوة القائمة في الاقتصاد الوطني ونجاحه في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
الشراكة بين البلدين
وتابعت لبنى القاسمي قائلة: إن التأثير الإيجابي لتعافي الاقتصاد الأميركي في اقتصاد الإمارات ينطلق من حالة الشراكة القائمة بين اقتصاد البلدين، إذ تعد الولايات المتحدة الشريك التجاري الثالث للإمارات بعد الهند والصين خلال عام 2009 وهي تحافظ على هذا المركز خلال العام الجاري.
ففي عام 2009 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 2, 12 مليار دولار شكلت 8, 6% من إجمالي التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات، إذ بلغت صادرات الإمارات غير النفطية إلى الولايات المتحدة نحو 900 مليون دولار بينما بلغت وارداتها الإجمالية من أميركا 3, 11 مليار دولار.
كما أن دولة الإمارات تعد أكبر سوق تصديرية للسلع الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. لذلك فإن تحسن النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة سيؤدي إلى زيادة صادراتها وارتفاع الطلب السلعي في أسواقها، وبالتالي زيادة الصادرات الإماراتية إلى أسواق الولايات المتحدة خاصة المنتجات غير النفطية، وارتفاع التجارة الخارجية لدولة الإمارات، بما سينعكس بطبيعة الحال على مجمل النشاط الاقتصادي بالدولة.
الأزمة العالمية
أكد مسؤولون في الدولة أكثر من مرة أن الإمارات كانت ضمن الدول التي تمكنت من الحد من التأثير الكبير للأزمة المالية العالمية بفضل الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة. كيف تقيمون النتائج التي تحقق بفعل هذه الإجراءات وما وضع الدولة الحالي بالنسبة للأزمة المالية العالمية؟
نعم، لقد نجحت الإمارات في تقليص تداعيات الأزمة المالية العالمية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، بل إن قطاعات اقتصادية كثيرة نجحت في تجاوز تداعيات هذه الأزمة بشكل كبير بفعل قوة هذه المكونات الاقتصادية وبنيتها التشريعية والقوانين، والتي تعززت خلال الفترة الماضية بالعديد من الإجراءات التنفيذية التي اتخذتها الحكومة، وهي إجراءات هدفت في المقام الأول إلى التأثير في مستوى السيولة المحلية التي تعد عصب الاقتصاد.
إذ سارعت الحكومة والأجهزة التنفيذية إلى بث الثقة من خلال ضخ السيولة إلى البنوك المحلية وضمان الودائع مما ساعد على امتصاص الموجة الأولى والأقوى من الأزمة المالية العالمية.
كما تم الأخذ بمعطيات الاقتصاد الكلي في تنشيط دور الدولة في تنفيذ المشروعات العامة، ما استتبعه تنشيط للعديد من القطاعات المحلية، وذلك لما تملكه الدولة من أدوات لتحفيز الإنفاق العام، ودعم بعض التغيرات المحفزة في البيئة التشريعية المنظمة للاستثمار، ومنها قانون إلغاء الحد الأدنى لرأس المال المطلوب لتأسيس شركات المسؤولية المحدودة.
وقد نتجت عن هذه الإجراءات بث الثقة في مناخ الأعمال بالدولة، والتي تخطتها إلى الحدود الإقليمية والعالمية، وكذلك تعزيز السيولة المالية لدى البنوك المحلية، والتي ساعدتها على تجاوز الأزمة وزيادة قدرتها على القيام بعمليات التمويل والإقراض، وبالتالي تحقيق بعض قطاعات الاقتصاد الوطني لمعدلات نمو جيدة، خاصة قطاع السياحة ونشاط تجارة التجزئة.
التجارة الخارجية
وعلى مستوى التجارة الخارجية للإمارات اتخذت الحكومة العديد من الإجراءات لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية، إذ تم تحديد أهم النقاط التي تحتاج إلى دعم بهدف أساسي هو المحافظة على الأسواق الحالية، ثم فتح أسواق جديدة.
وتكثيف اللقاءات والزيارات الخارجية والتواصل مع الجهات الحكومية ومجتمع الأعمال الخارجي والمشاركة في المعارض الخارجية، والتوسع في فتح مكاتب تجارية للدولة في الخارج خاصة الشركاء التجاريين مثل الصين والهند، وتعريف قطاع الأعمال المحلي بأهم المستجدات على الساحة العالمية وما يتوجب عليهم القيام به في تلك الفترة.
وقد نمت الصادرات الإماراتية غير النفطية خلال عام 2009 بنسبة 1, 8% رغم ظروف الأزمة العالمية وانخفاض معدلات التجارة الدولية، فيما بلغ حجم التجارة الخارجية غير النفطية للدولة نحو 180 مليار دولار.
كما حقق العجز التجاري غير النفطي انخفاضاً لصالح الإمارات بنسبة 31%، في الوقت الذي شهد فيه هذا العجز تزايداً لصالح الشركاء التجاريين للدولة من 13% عام 2005 إلى 53% عام 2008، ما ساهم في تحقيق وفر للاقتصاد الوطني بقيمة 2, 29 مليار دولار، وهو وفر لم يتحقق منذ فترة طويلة، ويعد انعكاساً إيجابياً للأزمة قد لا تستطيع كثير من سياسات ترشيد الواردات أن تحققه في سنوات.
ونتيجة لذلك تصدرت دولة الإمارات عام 2010 قائمة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تقرير تمكين التجارة العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وحلت في المرتبة ال16 عالمياً، متقدمة مرتبتين عن التقرير السابق، ومتفوقة على دول متقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وتشيلي.
كما جاءت الإمارات بين الاقتصادات الخمسة الأولى عالمياً في قطاع «التجارة عبر الحدود» وذلك ضمن تقرير «ممارسة الأعمال 2010» الصادر عن البنك الدولي، وتبوأت المرتبة (19) في قائمة أكبر الدول المصدرة في العالم خلال عام 2009 وفق إحصاءات منظمة التجارة العالمية، فيما جاءت في المركز (24) عالمياً من حيث إجمالي الواردات.
النشاط التجاري الدولي
أعادت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لنمو التجارة العالمية لعام 2010 إلى 5, 13% ارتفاعاً من 10% في توقعاتها الأخيرة العائدة لشهر مارس الماضي. كيف تنظرون إلى هذه التوقعات، وهل تعتقدون أن التجارة الخارجية لدولة الإمارات ستشهد انتعاشاً ملحوظاً لمجمل عام 2010 مقارنة بعام 2009؟
من المؤكد أن هذه التوقعات الجديدة تحمل معطيات تفاؤلية بشأن التجارة العالمية خصوصاً أن المشهد الاقتصادي في العالم بشكل عام. فالنمو التدريجي بالنسبة لأي نشاط اقتصادي أفضل من نمو القفزات الكبيرة، لأن النمو المتدرج يرافقه في كثير من الأحيان نمو متوازن بين كافة القطاعات الاقتصادية، في الوقت الذي يضمن مثل هذا النوع من النمو الاستمرارية ومواصلة النمو طوال المرحلة المقبلة ومستقبلًا.
ولا شك في أن أي زيادة في النشاط التجاري الدولي سيؤثر إيجاباً في التجارة الخارجية للإمارات، والتي تتسم بالانفتاح وتحقيق التوازن في السوق الدولية. لذلك فإننا نتوقع زيادة كبيرة للتجارة الخارجية للإمارات خلال عام 2010 تستعيض الانخفاض الذي حصل في عام 2009 نتيجة انخفاض مستوى التجارة العالمية، بل تزيد عليها بنسب معينة.
و إذا أخذنا مستوى التجارة الخارجية لدولة الإمارات خلال النصف الأول من العام الجاري، والتي زادت بنسبة 9% لتصل إلى 352 مليار درهم، في الوقت الذي ارتفعت الصادرات غير النفطية بنسبة 32% ونشاط إعادة التصدير بنسبة 17%، فإنه يمكن التأكيد على أن هذه التوقعات الإيجابية والمتفائلة بشأن نمو التجارة الخارجية لدولة الإمارات تستند إلى معطيات منهجية وعلمية وواقعية.
أبوظبي ـ أحمد محسن

