احتدمت أمس حدة الجدل بين المشاركين في جلسات اليوم الثاني والأخير من المنتدى الإعلامي الاقتصادي بشأن تحديد مدى مسؤولية الإعلام الاقتصادي في تضخيم مشكلة ديون دبي، ونشر الافتراءات الكاذبة عن الوضع الاقتصادي في الإمارة، وتحولت المناقشات إلى ما يشبه المبارزات الفكرية التي حاول كل طرف فيها أن يبرهن على صواب إحكامه وأقواله من خلال سوق مختلف الحجج والأدلة، ومع تزايد سخونة المنظرات الإعلامية ، اندفعت التساؤلات الواحدة تلو الأخرى على نحو جعلها تطول مختلف جوانب وأبعاد الإعلام الاقتصادي.

وتبعثرت الآراء ووجهات النظر في تحديد أوجه القصور في التعاطي الإعلامي مع مشكلة مديونية دبي، ورغم تطرق المداخلات إلى قضايا تتجاوز مشكلة مديونية دبي، وتناولها مسائل وثيقة الصلة بكفاءة واحترافية الإعلام الاقتصادي العربي، إلا أن النقطة المحورية التي كانت موضع اتفاق بين المشاركين هي أنه قد تم ارتكاب خطأ إعلاميا بحق إمارة دبي ، بيد أن المشاركين في الجلسات لم يفلحوا في التوصل إلى اتفاق بشأن تحديد من هو المسؤول على وجه اليقين عن هذا الخطأ الجسيم .

أحقية الإعلام الاقتصادي

أطلق فتحي محمود سكيك المدير العام لجمعية مصارف الإمارات وابلا من التساؤلات على جمهور المشاركين، تدور في مجملها حول مدى أحقية الإعلام الاقتصادي في اختلاق المعلومات حتى لو لم تكن المعلومات متوافرة.

وتساءل فتحي سكيك عن ماهية المعلومات التي كان من المتعين على إمارة دبي بشكل خاص ودولة الإمارات بشكل عام أن تقدمها للإعلام خلال بدايات تفجر الأزمة المالية العالمية، وأجاب على هذا السؤال بقوله لقد أقر كافة المسؤولين في الدولة بأن الأزمة المالية طالت دولة الإمارات وأثرت عليها أسوة بالدول الأخرى، وان هذه التأكيدات صدرت من كافة المستويات ، كما سارعت أجهزة الدولة في اتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة تحديات الأزمة المالية العالمية ، كذلك يقوم المصرف المركزي بنشر مؤشرات أداء القطاع المصرفي شهريا، وتساءل متعجبا ما هو المطلوب أكثر من ذلك؟ !

ومضى فتحي سكيك في طرح التساؤلات المذيلة بعلامات التعجب والدهشة بتساؤله ماذا سوف يكون عليه رد الإعلام الاقتصادي إذا ما أعلن بنك في دولة الإمارات إفلاسه؟! وأجاب على هذا السؤال قائلا أغلب الظن أن الدنيا سوق تقوم ولن تقعد في حين أن الإعلام ينشر أخبار عمليات إفلاس البنوك الكبرى في شريط إخباري بذيل الشاشات التليفزيونية.

الخروج من الأزمة أولاً

وعلى نفس المنوال، ألقى السفير الدكتور جمال الدين بيومي الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب باللائمة على أطراف عديدة ، بيد أنه حبذ أن تتضافر الجهود لأجل الخروج من الأزمة أولا قبل البحث عن ما هو المذنب، كما حمل الإعلام قدرا من المسؤولية بشأن تفجر الأزمة المالية العالمية بشكل عام.

مشيرا إلى أن الإعلام كبر من حجم هؤلاء المسؤولين في المصارف المتسببة في الأزمة المالية العالمية، كما أن الإعلام يفتقد أحيانا إلى المعرفة بشأن القضايا التي يقوم بتناولها، كذلك ينزع الإعلام في بعض الأوقات إلي التضخيم من حجم المشاكل سواء بقصد أو دون قصد .

ورغم أقرار السفير جمال بيومي بأن الشطر الغالب من الإعلام الاقتصادي العربي سعي إلي الوقوف إلي جانب إمارة دبي خلال تعرضها لتداعيات الأزمة المالية العالمية، وهو ما عكسه تضمن بعض وسائل الإعلام انتقادات بناءة وايجابية، إلا أنه في الجانب المقابل، أقر بأن الإمارة تعرضت لنقد هدام وصل إلى حد التشفي في تجربتها.

الاعتماد على الخيال

وفي السياق ذاته، أقر طارق فرح الرئيس التنفيذي لشركة إف إف دبي بأنه منذ حوالي أقل من عام، كانت المحطات الفضائية تبث بطريقة دائمة ومكثفة أخبار أساءت إلى دبي المدينة الحلم بعدما طلبت شركة دبي العالمية تجميد ديونها، واستعرض حالة الإعلام الاقتصادي أبان هذه الفترة بقوله كانت المعلومات حينذاك ضئيلة جدا ومبنية على التنبؤات، وسنحت هذه الحالة لكبار المصرفيين العالميين والإعلاميين الاستناد على خيالاتهم في إعطاء صورة بشعة عن دبي، بل ذهب البعض إلى حد المراهنة على زوالها كوجهة كبرى للأعمال والمصارف.

وتابع طارق فرح تصويره للحالة التي كان عليها الإعلام الاقتصادي بقوله اليوم وفي أقل من عام فقط، يمكننا القول ان نفس المصارف التي كانت تصدر التقارير القاتمة عن مستقبل دبي، هي نفسها التي تتهافت اليوم على شراء السندات المدرجة ، وعلى الأخص ديون شركة دبي العالمية ، وتساءل بنبرة مفعمة بالتعجب قائلا: لماذا لم نعد نسمع أخبارا عن عودة تعافي وازدهار الوضع الاقتصادي في إمارة دبي تبثها هذه المحطات والفضائيات ؟!.

وخلص طارق فرح في مداخلته إلى التأكيد على أن هناك حاجة ماسة للنهوض بمستوى مشاركة المصرفيين للإعلام الاقتصادي العربي لعدة أسباب، من بينها، تحسين صورة دبي كمركز رئيسي للأعمال، وتعزيز ثقة المستثمرين والجمهور من خلال الإفصاح والشفافية ونشر الأرقام الدقيقة .

معوقات الإعلام الاقتصادي

وفي رأي بهيج أبو غانم رئيس جمعية الإعلاميين الاقتصاديين بلبنان أن المشكلة تكمن في المعوقات التي تحد من دور الإعلام الاقتصادي، وتتمثل في التالي:

أولاً: إن الإعلام الاقتصادي حديث العهد نسبياً، وعليه، فإن الإعلام الاقتصادي، ما زال محدود التجارب مقارنة بالإعلام السياسي.

ثانياً: إن الإعلام الاقتصادي يعاني بشكل عام من ضعف في الثقافة الاقتصادية، والتي تبدو في بعض الحالات هزيلة. وهو وضع ناتج عن كون أكثرية العاملين في الإعلام هم من خريجي كليات الإعلام في البلدان العربية، التي لم تواكب مناهجها التطور الذي حققه الإعلام على المستوى العالمي وتحول إلى صناعة بكل ما في هذه الكلمة من معنى.

ثالثاً: إن الإعلام الاقتصادي يتسم بصورة عامة بطابع التلقي والإملاء، أي يرتكز إلى ما تقوله المؤسسة الاقتصادية، وقلما يرتكز إلى التحليل أو الاجتهاد، الذي يعطي الإعلام الموضوعية ويرفده بنكهة القيمة المضافة .

رابعاً: إن الإعلام الاقتصادي ما زال يفتقر إلى التخصّص الذي بات سمة العصر. فلم يعد هناك صحافي يعرف بكل المجالات الاقتصادية، ويستطيع أن يلم بتفاصيلها ويواكب تطوراتها. فلكل قطاع اختصاصه ولغته. ولا بدّ من قيام صحافة مصرفية، وصحافة في المعلوماتية، وأخرى في الصناعة... الخ. ومن المؤسف أن هذا التخصص ما زال محدوداً ومتواضعاً.

وحمل بعض المشاركين المسؤولية على البيئة غير المشجعة ، وحددوا أوجه معالم هذه البيئة في الآتي:

* ميل المؤسسات نحو الابتعاد عن الإعلام في ظل عدم وجود قدر كافٍ ومرض من الشفافية والإفصاح.

* تهيب معظم رؤساء المؤسسات والشركات من المواجهة المباشرة مع الإعلام، والسعي ما أمكن للاستعاضة عن ذلك بمقابلات الأسئلة والأجوبة التي يتم إعدادها بتأنٍ وغالباً ما يعدها المستشارون.

* استمرار طغيان الطابع العائلي أو الفردي على الشركات والمؤسسات العربية، ما يزيد في الميل نحو التحفظ والابتعاد عن الأضواء.

لقد أنهى منتدى الإعلام الاقتصادي جلساته أمس، ولكن السؤال المتعلق بتحديد المسؤول عن المغالطات الإعلامية التي تعرضت لها إمارة دبي مازال معلقا فوق الرؤوس ومازال يبحث عن إجابة، وربما تكون الإجابة على هذا السؤال بداية للتعرف على الثغرات والتحديات ، وذلك كخطوة أولى نجو بناء إعلام اقتصادي عربي يتميز بالنضج والكفاءة ، حتى لا يكرر أخطاؤه، إذا ما جدت مشكلة أخرى ليس بالضرورة في دبي ، ولكن في أي بقعة أخرى في المنطقة العربي.

دبي - مجدي عبيد