القيم الإسلامية لها دور بارز في زيادة الإنتاج نوعاً وكماً عن طريق اتباع المنهج الوقائي والقضاء على مسببات الانحراف الاقتصادي حال وقوعه، ومن صورة الغش والخداع والربا والاحتكار، ويتم ذلك بالتزام ضوابط الإنتاج التي أكد عليها القرآن الكريم، ومنع الإسراف في استخدام الموارد، والعمل على إزالة الضرر، والأخذ بأولويات الإنتاج: الضرورات ثم الحاجات فالتحسينات أو الكماليات.
وتجويد وإتقان المنتج، كما أن الحس الأخلاقي هو الذي يجعل الناس يشعرون بالعمل القبيح وينفرون منه، ويشعرون بالعمل الحسن، ويقبلون عليه، وهو المانع لارتكاب الجرائم التي تؤثر على الفرد والمجتمع، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) متفق عليه.
ولشرح منهج القرآن في علاج الفساد الاقتصادي لا بد أولاً من رصد القواعد الأخلاقية التي أرساها الإسلام في التعاملات الاقتصادية، لأنها ركزت على جانبي الترغيب والترهيب المذكورين في القرآن، وهما أمران يحققان نوعاً من العدالة الاقتصادية القائمة على اتباع أوامر الدين.
ولا شك أن المادية هي سبب رئيسي من أسباب الفساد الذي يتخذ عدة صور ومظاهر، منها: ضعف الخلق الوظيفي، وفشل التنمية في رفع مستوى المعيشة، وغياب التأديب أو العقاب الحازم للفاسدين، والوساطة والرشوة، وتقديم المصالح الخاصة على العامة، والاحتكار والغش.
ويتبين من هذا أن الإسلام جاء بمنهج كامل للحياة يهتم بالجانب المادي في حياة البشر بقدر ما يعنى بالجانب الروحي ذلك أنه لا قوام لجانب دون آخر وكلاهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه.
وقد وضع الإسلام المشكلة الاقتصادية وهي مشكلة الفقر والفقر والتخلف من البداية، وقبل أن تتطور الأحداث وتفرض نفسها حيث يجب أن توضع في الأساس وفي المقدمة ومن قبيل ذلك أنه اعتبر المال زينة الحياة الدنيا وقوام المجتمع وأنه العون على تقوى الله تعالى.
وأن طلب المال الحلال فريضة وجهاد في سبيل الله بل إنه ساوى بين الفقر والكفر ولم يستعذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء بقدر استعاذته من الفقر، حيث قال (اللهم إن أعوذ بك من الكفر والفقر) واعتبر الإسلام مجرد ترك أحد أفراد المجتمع ضائعاً أو جائعاً هو تكذيب للدين نفسه فقال تعالى (رأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين) الماعون 1 ـ 3 والحديث عن الاقتصاد الإسلامي والقيم باعتبارها مكونه الأساسي مثير للجدل، سواء على الصعيد الأكاديمي أو العملي.
فعلى الصعيد الأكاديمي لا يزال البعض يرفض أو يصف علم الاقتصاد بأنه إسلامي بحجة أن علم الاقتصاد علم مجرد، وإلا جاز لنا أن نسمي اقتصادا مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا وهكذا..،
لا بد أن نعي أولاً أن الإسلام دين شامل ينظم كافة مناحي الحياة، والاجتهاد إنما يكون في تطبيقه، وأن حاضراً عاشته الأمة قرابة أربعة عشر قرناً من الزمن على هدي من الشريعة السمحاء لا بد أن يكون لها اقتصادها المميز، وعلينا أن ننقِّب في حضارتنا لنستخرج منها منهج أمتنا الاقتصادي، وأن ما وقع من أخطاء أو انحرافات كان بسبب غياب المنهج الإسلامي، وبالتحديد غياب الأخلاق.
وعود على بدء لا من إيقاظ الإيمان في نفوس أفراد الأمة، حيث يكون الحافز لإقامة تنمية حقيقية تتسم بالذاتية، ومن جانب آخر يكون السياج المانع من الاجتراء على مواردها وإهدارها فيما لا ينفع، أو في تحقيق مصالح شخصية تضرُّ بالصالح العام، فالإيمان لا تحركه إلا العقيدة، والعقيدة في تفسيرها البسيط هي: «تصور الإنسان عن الإله والكون والحياة وطبيعة العلاقة بينهم»، وقد تميز الإسلام بالربط بين مكونات العقيدة الثلاثة الواردة في هذا التعريف.
ولا يخرج النشاط الاقتصادي عن هذا الإطار العقدي، فالرغبة أو الحاجة تترجم إلى سلوك، ولهذا السلوك نتيجة إما إيجابية أو سلبية.
فإذا ما كان الإيمان متوفراً فإن النتيجة لا شك معروفة ويكون مردودها إيجابياً، وأما إذا غاب هذا الإيمان فإن النتيجة محكومة بالهوى الذي لا يفرِّق بين الحلال والحرام، ولا يعير حقوق الآخرين كثيراً من الاهتمام. وهو ما يستدعي أن تتبنى الدول وجماعات الإصلاح دعوة إيقاظ في نفوس الأمة، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
أحمد عبدالمجيد