قوله تعالى: «واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون».
في هاتين الآيتين يقص الله تبارك وتعالى على نبيه «صلى الله عليه وسلم» قصة من قصص الأمم السابقة، حدثت من عالم من علمائها الكبار، الذي رزقه ربه تبارك وتعالى علماً واسعاً، وأسراراً كثيرة، والمفترض أن يقوم العالم بما يقضي به علمه، وأن يكون صورة عملية لما يدعو إليه، فلا يكون سلوكه مناقضاً لما يدعو إليه من مبادئ وعقائد.
ولذلك نعى رب العزة على اليهود لمخالفتهم لمنطق دينهم وشريعتهم فقال: «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون»..!
والآيتان تتحدثان عن نموذج من النماذج السيئة، التي قد نرى مثلها كثيراً بين أظهرنا، ممن يتناقض فعله مع دراسته وعلمه، ويبدو أن دوافعه للتعلم لم تكن نقية أو لم تكن لوجه الحق، ولذلك لم يصلح نفسه هو أولاً، بل ترك نفسه على فسادها وضلالها، كأنه لم يتعلم، بل ولم يدع غيره إلى ما تعلمه على فرض أنه يعرف أنه الحق ويؤمن بذلك..!
إن ذلك النموذج المعروض ضمن ما عرضه القرآن لنماذج البشر، إنما جاء ليوحي إلينا وحياً صادقاً أنه يوجد في كل عصر وفي كل مكان، وجد به مؤمن ومكذب من بين علماء العصر، لأن وجود المكذب الجاهل أمر طبيعي، أما أن التكذيب من عالم فهنا وجه الغرابة.
والأدهى والأمر، أن يكون تكذيب العالم لمقتضيات علمه غير ناشئ عن قضايا علمية ثبتت أمام ناظريه وجعلته يعيد الكرة في مسلمات علمه إذا اقتنع بها، وإنما أتى تركه وإهماله لعلمه ودينه استنكافاً لتكاليف العلم وأمانته، واستيضاحاً لواجب الدين، وإيثارا لداعي الضرورات الأرضية بما يحمله لفظ الإخلاد إلى الأرض من معان..!
فهو انسلخ من الآيات ونياطها ليخلد إلى الأرض، ممتطياً ظهر جواد جامح هو الهوى، ولأنه أخلد إلى أرضيته تاركاً زمام قياده إلى هواه، فقد حكم على نفسه باتباع أمل كاذب.
والبحث عن مصلحة وهمية، وسكينة وهمية، بل هو ككلب مريض لاهث على كل حال، سواء حمل عليه الناس وشدوا أو لم يحملوا.. أو حتى أطعموه أم لم يطعموه، فهو قلق النفس مضطرب الأعصاب مشغول البال، تائه في بيدائه، زائغ الفكر والخاطر، بلا قاعدة يركن إليها.
أو ركن يستند عليه، والمفترض أنه على يقين من بر الأمان بعد علمه الذي رزقه الله، والطريق الذي وصف له ليضع عليه أقدامه، ويا لها من تعاسة تلك التي يفرق فيها من كان مثله، ولا ينتفع بعلمه، والله في خلقه شؤون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل؟
علي عيد