يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم». انهم هؤلاء الذين حمى الله بهم حوزة الدين، وقامت دولة الإسلام وحضارته على عاتقهم.

و«الصحابة» مصطلح تاريخي أُطلق على رجال ونساء عظام عاصروا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حملوا معه الأمانة وتحملوا مشاق الدعوة... وبذلوا كل غال ونفيس من أجل إعلاء كلمة الحق «هؤلاء الذين هدى الله فبهُداهُم اقتده».

وفي هذه الزواية نطل عليكم في رحلة قصيرة مع أحد هؤلاء النجوم الذي ذاع صيته وبلغت شهرته العنان في العهد النبوي وحقق لقباً لم يسبقه إليه غيره..

يقول الله تعالى: «ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا».

إنه «أبو بكر الصديق»؛ ثاني اثنين، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجر معه، وهو أول الخلفاء الراشدين، وأبو السيدة عائشة أم المؤمنين.

هو عبدالله بن أبي قحافة عثمان بن كعب التيمي القرشي، والمعروف باسمه الذي اشتهر في الإسلام به وهو «أبو بكر الصديق»، وهو أول من أسلم من الرجال الأحرار ثم أخذ يدعو لدين الله تعالى، فاستجاب له عدد من خيرة رجال قريش من بينهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن بن عوف، والأرقم ابن أبي الأرقم.

أمه أم الخير سلمى بنت صخر التيمية، بنت عم أبيه، كان أبوه يعمل بالتجارة، ومن أغنياء مكة المعروفين، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان ذا خلق ومعروف يأتيه الرجال ويألفونه؛ فقد كان على دراية بعلم الفراسة وعلم الأنساب.

كان أبو بكر الصديق أبيض اللون، نحيف الجسم، خفيف العارضين، ناتئ الجبهة، جميل الوجه، طيب المعشر، أجود الصحابة وأحسنهم خُلقاً..

ابو قحافة من بني تميم

وُلِد للسنة الثانية أو الثالثة من عام الفيل، فهو أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو سنتين وكان في الجاهلية قد عُرِف باسم أبي قحافة.. يلتقي نسبه ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرة بن كعب بعد ستة آباء، وكلا أبويه من بني تيم، وهم قوم اشتهر رجالهم بالدماثة والأدب.

كان أبو بكر حين أسلم يبلغ من العمر سبعاً وثلاثين سنة، ثم عاش في الإسلام ستاً وعشرين سنة... ومات في نفس عمر رسول الله؛ أي في عمر الثالثة والستين...

وقد عُرف الخليفة الأول بأسماء كثيرة وألقاب عديدة، وقيل إنه عرف بها في الجاهلية والإسلام على حد سواء...

فقد عُرف في الجاهلية بلقب الصديق لأنه كان يتولى أمر الديات وينوب فيها عن قريش، فما تولاه من هذه الديات صدقته قريش فيه وقبلته، وما تولاه غيره خذلته وترددت في قبوله والتصديق عليه...

ولُقّب بـ «الصدّيق» لأنه صدّق النبي صلى الله عليه وسلم، وبالغ في تصديقه، كما في صبيحة الإسراء، وقد قيل له: إن صاحبك يزعم أنه أُسري به، فقال: إن كان قال فقد صدق.

وقد سماه الله صديقاً، فقال سبحانه: (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون).

جاء في تفسيرها: الذي جاء بالصدق هو النبي صلى الله عليه وسلم، والذي صدّق به هو أبو بكر رضي الله عنه... ولُقّب بـ «الصدِّيق» لأنه أول من صدّق وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم «الصدّيق».

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: اثبت أُحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان.

الرأفة ورقة القلب

وكان أبو بكر رضي الله عنه يُسمى «الأوّاه» لرأفته ورقة قلبه...وقيل كذلك لأنه شديد التوبة إلى الله تعالى.

وأبوبكر الصديق رضي الله عنه أسس دعائم الدولة الإسلامية وثبّت أركانها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حارب المرتدين وكسر شوكتهم، واستكمل الفتوحات التي بدأها رسولنا الكريم، وحكم بالعدل، وعطف على الرعية، وكانت سنوات حكمه الأربع عدلاً ورحمة وخيراً على المسلمين.

سيدنا أبو بكر الصديق كما كان يناديه عمر بن الخطاب كان قليل الكلام، واسع الحكمة، وعلى الرغم من ندرة كلامه إلا أنه ترك لنا كلمات مضيئة عندما تولى الخلافة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس.

وُليت أمركم ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن وسن النبي صلى الله عليه وسلم السُنن، فعلمنا أن أكيس الكيس التقي وأن أحمق الحمق الفجور، وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق؛ أيها الناس انما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني....»، فرضي الله عن الصديق وأرضاه.

جيهان محمود