ودع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها موسماً عظيماً وشهراً كريماً استقبلوه قبل فترة، وها هم يودعونه وكأنه لم يكن، وتلك سنّة الله في خلقه، في هذه الحياة يتعاقب الليل والنهار والشهور والأعوام كلمح البصر (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) و(كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).

لقد كان شهر رمضان المبارك ميداناً يتنافس فيه الصالحون بأعمالهم واجتهادهم ومضماراً يتسابق به المحسنون بإحسانهم فكم بكت فيه من عيون دامعة وكم رفعت فيه من أكف ضارعة وأنفقت فيه من أموال طائلة وبذلت فيه من أعمال صالحة، فكانت بذلك عاملاً مهماً في تهذيب النفوس المؤمنة وترويض القلوب الصالحة على الفضيلة والخير للانطلاق بيسر إلى طاعة الرحيم الرحمن.

لقد مضى شهر رمضان المبارك وقلوب المسلمين حزينة ونفوس الصالحين مشفقة وعيون المجتهدين دامعة يبكون على فراقه ويسألون الله تعالى قبوله منهم، فالخوف من عدم قبول الأعمال بعد الاجتهاد التام فيها ينبغي أن يلزمنا فالواحد منّا لا يدري هل قبل عمله أم رد عليه.

قال تعالى: «والذين يأتون ما آتوا وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون». أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون ألا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قصروا في القيام بشروط العطاء وهذا من باب الإشفاق والاحتياط.

الايمان صنو الخوف من الله

ولقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حول هذه الآية فقالت: يا رسول الله «يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة»، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل».

ولقد كان هذا هو حال الصحابة والصالحين فهذا أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: «لأن استيقن أن الله قد تقبل لي صلاح واحدة خير من الدنيا وما فيها إن الله يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين) بل لقد دفعهم هذا الخوف إلى اتهام أنفسهم بالنفاق.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه: أنشدك الله هل سماني لك رسول الله ـ يعني من المنافقين ـ ؟ فيقول لا ولا أزكي بعدك أحداً مضى شهر رمضان ليكون شاهدا للمؤمن بطاعته وعبادته وإحسانه وشاهدا على المقصر بتقصيره وتفريطه وغفلته وعصيانه.

أحسن فيه أقوام ففازوا وسبقوا وأساء فيه آخرون فرجعوا على كسلهم وتفريطهم بالخيبة والخسران ومسكين كل المسكنة من أدرك موسما عظيما كرمضان ثم لم يظفر من مغانمه ونعماته وجوده بشيء. فليفتح كل واحد منا صفحة المحاسبة لنفسه، ماذا عمل فيها؟

وما مدى تأثيره على العمل والسلوك؟ أخذنا بأسباب القبول بعدها واستمررنا على العمل الصالح أو أن واقع كثير من الناس اختلف؟ فحري بكل عاقل أن ينظر في حاله ويفكر في أمره. لأن المسلم يجب أن يكون مستمراً على طاعة الله ثابتا في شرعه مستقيما على دينه لا يروغ روغان الثعالب يعبد الله في شهر دون شهر أو في مكان دون آخر.

إن رب رمضان هو رب بقية الشهور والأيام وأنه رب الأزمنة والأماكن كلها فيستمر على العمل الصالح لأن الاستمرار على الأعمال الصالحة يقوي الإيمان ويربطك بالله لذا ترث حب الله فيعطيك إذا سألته ويعيذك إذا استعذت به.

مواسم الشعائر الاسلامية

ولقد وصف الله حال السلف رضوان الله عليهم بقوله: «كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون».

من الغريب أن يسيء أبناء هذا الدين الفهم لشعائر الإسلام فلا يعملون الطاعات إلا في مواسم معينة وأوقات محددة حتى إذا ما انتهى الشهر الكريم وانقضى الموسم العظيم نقضوا ما بدأوا من عهود مع الله ونكصوا على أعقابهم خاسرين واستبدلوا الطاعات بالمعاصي وسلموا زمام أعنتهم للشياطين يمدونهم بالغر ثم لا يقصرون وكأنهم بذلك يريدون أن يمحوا أثر الصيام والقيام والإحسان وتلاوة القرآن من نفوسهم إن كان له فيها أثر. قال تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا).

فإياك وأياك ونقض الغزل بعد غزله.. أرأيت لو أن امرأة غزلت غزلاً فصنعت بذلك الغزل قميصاً أو ثوباً فلما نظرت إليه وأعجبها جعلت تقطع الخيوط خيطاً خيطاً بدون سبب فماذا يقول الناس عنها؟ فهذا حو حال من يرجع إلى المعاصي ويترك الطاعات والأعمال الصالحة بعد رمضان.

سأل بعض السلف عن أناس يتعبدون في رمضان، فإذا انسلخ رمضان تركوا! فبئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، فيا من عرفتم الخير في رمضان كيف تزهدون فيه بعده؟ أنسيتم أن رب الشهور كلها واحد؟ وأن عمل المؤمن لا ينقضي قبل الموت؟

قرأ الحسن البصري ـ رحمه الله ـ قوله تعالى: (وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، فقال أبى القوم المداومة والله ما المؤمن بالذي يعمل الشهر والشهرين أو عاماً أو عامين لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجل دون الموت، فاستمروا في الطاعة واسألوا الله الثبات على الإسلام حتى تلقوه.

فتعالوا لننادي على من أصابه الفتور فنسي قيام الليل وهجر المصحف وجفّ لسانه عن ذكر الله نقول له إن الإيمان كل لا يتجزأ وله ثوابت لا يستغني عنها المؤمن حتى يلقى الكبير المتعال ومن هذه الثوابت الإيمانية:

الفرق بين رمضان وبقية الشهور

فمن من المؤمنين الصادقين يستغني عن الصلاة بعد رمضان؟

فانظروا إلى المساجد في رمضان وانظروا إلى ذات المساجد بعد رمضان!.. تجدونها خاوية إلا من القليل ممن رحم الله تشكو إلى ربها ظلم العباد. فهل يستغني مؤمن عن هذا الأصل الأصيل والركن الثاني من أركان الدين؟

قال تعالى: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين).

قال تعالى: (ما سلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين). فيا من هيأ الله له صيام شهر رمضان لا تضيع الصلاة، فالصلاة صلة لك بالله ومعين يطهرك من المعاصي والذنوب. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح». والقرآن الكريم حياة القلوب والأرواح، فهل يستغني مؤمن عن روحه؟

هل يستغني مؤمن عن أصل حياته؟

إن القرآن يهدي للتي هي أقوم فلا تضيعوا هذا الطريق ولا تحيدوا عنه، إن طرف القرآن بيد الله وإن طرفه بأيديكم فإذا تمسكتم بهذا الحبل المتين لن تضلوا، فعل يستغني أحد عن أن يكلمه الله؟

فلا تضيع القرآن بعد رمضان حتى لا يأتي القرآن يوم القيامة ويقول يا رب إن فلان اتخذني مهجوراً، اقرأ القرآن وأعمل بما فيه فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، فعن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه».

فاقبل على القرآن وافهم ما يراد منه وما نزل لأجله وخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته وانزلها على داء قلبك فإنه له شفاء فإنه لو نزل على الجبال لقطعها وعلى الأرض لصدعها، قال تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله)، فكيف لو نزل على القلوب المتلهفة إلى القرآن، فماذا يصنع فيها، إنه يملؤها حلاوة ولذة ونعيماً لا ينفد، إنه نعيم القرآن.

وإن الذكر زاد المؤمن وإن كنت تحافظ عليه في رمضان فهل تستغني عن الزاد بقية العام، الذكر شفاء من الأسقام ومرضاة للرحمن ومطردة للشيطان. الذكر جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها. فإذا كان في الجنة قيعان والذكر غراسها، فإن القلوب بور خراب وهو عمارتها وأساسها.

اسمع إلى هذا الحديث الجميل الذي يبين فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم فضل الذكر.

رب كل الشهور

قال تعالى في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب مما أفترضه عليه ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه وإن استعانني لأعيننه).

فالمداومة على الخير دأب الصالحين وسمات المتقين وصفة الملائكة المقربين. قال تعالى: (وله من في السموات والأرض ومن عنده م لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون).

أي أنهم في عبادة دائمة ينزهون الله عما لا يليق به ويصلون ويذكرون ولا يسأمون، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يداوم على فعل الخيرات، فلقد كان يقوم من الليل، فإذا نام عنه عوضه في النهار، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعات» مسلم.

بل كان يوصي أصحابه بالاستمرار على الطاعة، فيقول لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «يا عبدالله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل».

وهذا تحذير من كون الإنسان يعمل العمل الصالح ثم يدعه لأن هذا قد ينبئ عن رغبة عن الخير وكراهة له وهذا خطر عظيم. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أحب إلى الله قال: أدومها وإن قل فقليل وإن قل فقليل دائم خير من كثير منقطع.

راية خميس المحرزي