قال الشيخ: يقول صاحب شمس القلوب: ومن شروط موت القلب وصف أحوال الصالحين وآدابهم وحكمتهم وكراماتهم والواصف لذلك بخلاف ما كانوا عليه.

أقول، والله المستعان: إن المعرفة إما أن تكون حجة لك أو عليك، والإنسان كائن غريب قد يعلم أعظم الحقائق ثم يضيعها، وقد يعثر على أغلى الجواهر ثم يرمي بها، فمعرفة أحوال النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والرسل من أولي العزم ومعرفة أحوال الصحابة الكرام والتابعين المحسنين والأولياء العارفين من المتقدمين والمتأخرين في يقينهم وتوكلهم وورعهم وإخلاصهم وإقبالهم على الله بكل ما يقدرون عليه ومعرفة أقوالهم وحكمهم وقصصهم وما قابل الله سبحانه وتعالى به إقبالهم عليه.

كل هذا مما أطلق عليه اسم (جنة المعارف)، ومع ذلك نجد معتلي القلوب يغادرون هذه الجنة ويزهدون بها ابتغاء عرض زائل في الحياة الدنيا، وتلك والله أعجوبة من الأعاجيب لا يفسرها إلا كونه سبحانه وتعالى مقلب القلوب بين أصبعيه، نسأل الله العصمة وحسن الخاتمة.

ويقول الشيخ صاحب شمس القلوب: ومن شروط موت القلب صحبة الأولياء ومعرفة قصدهم وزهدهم في دنياهم ورضائهم بقضاء مولاهم وفراقهم بلا نصيب مما فضلوا به.

أقول: إن من لازم أهل الله فاطلع على علو غاياتهم ومراميهم، وجدهم في تحصيل ما يقصدون إليه، وزهدهم فيما في هذه الدنيا من متاع رخيص زائل نسبة إلى ما يطمحون إليه من رضى محبوبهم ولقائه قي جنات عرضها السموات والأرض، ثم الخلوص من كل ذلك بلا نصيب، فإن هذا من علامات اعتلال القلب وموته والعياذ بالله.

ذلك أن المعرفة إن كانت مبذولة في الكتب ودروس العلم فإنها مع صحبة أهلها تتحول إلى جواهر لا يزهد بها إلا شقي، فحقائق الإسلام والإيمان والإحسان عندما تتحول إلى أمثلة تمشي على الأرض يصبح لها ذوق خاص في فم السالك إلى الله، إذ إنها لا تعود مجرد حقائق فكرية.

تجارب

بقدر ما هي خبرات وأحوال ومشاهدات وتجارب، ومن قارب كل هذا ثم عاد خالي الوفاض أو غادر أهل الحقائق مع قدرته على البقاء معهم والتزود من معينهم طمعاً بمتاع من الدنيا قليل أو تراخياً وتكاسلاً عن بلوغ القمم انحطاطاً في الهمم فإنه كمن يغادر جنتين؛ جنة اليقين والتوكل والمحبة والأنس بالله على الأرض.

وجنة في الآخرة هي خير منتهى لعمر لا يخلو من هم أو تعب أو نصب، فمن ذا الذي يفعل ذلك إلا عليل القلب ميته، خائر العقل ومسقطه، فصحبة العارفين كنز من الكنوز لا يتركها بعد أن يجربها إلا من ختم الله على قلبه وجعله من المحرومين.

ثم إن من علامات اعتلال القلب إن زيادة المعرفة لا تورث زيادة في الحال والإقبال والأعمال، فكأن المرء قد اكتفى بما يقوم به وهو قليل وقد لا يزيد عن فرائض ناقصة في هيئتها والإخلاص فيها، مع أنه كل يوم تنفتح أمامه طرق للتقرب والسمو في مدارج العارفين والسالكين.

والقناعة بالقليل والناقص عاهة هذا الزمان الذي يبخل فيه الإنسان على نفسه في أسباب سعادته في الدنيا والآخرة طمعاً في فسحة متوهمة أكبر من رزق أو تكاسلا وتراخيا وهبوطا في العزيمة والهمة، حتى تحكم فينا القلق والأرق وصرنا في ذيل الأمم من التراخي والضعف والاعتماد على الأماني.

فليس شيئا أن تحضر درس علم أو مجلس ذكر إن لم يصحب ذلك إخلاص وحرص على الإفادة والرقي ولو درجة واحدة من درجات مراضي الله عز وجل، وإلا كنت كمن يموت من العطش وسط مياه المحيطات، فالماء العذب الذي يرضي ويروي هو في اليقين والإخلاص والهمة والحرص على ألا تفوت فائتة، أما العلم مع التقصير أو سوء التقدير أو التباس النوايا فهو الماء الأجاج الذي لا يزيد صاحبه إلا ظمأ.

ماهر سقا أميني