تشير البيانات الاقتصادية إلى أن النمو سيكون متواضعاً على المدى المتوسط ليحد بالتالي من عائدات السوق. وفي حين حققت الأسواق تحسناً ملموساً على المدى القصير إثر البيانات الاقتصادية الأميركية التي جاءت أفضل من التوقعات فضلاً عن المؤشرات الإيجابية للبلدان الناشئة ذات الطلب المحلي القوي إلا أن المحاذير لا تزال هي سيدة الموقف.
وشهدت بداية عام 2010 آخر حسنات التخزين الضخم الذي لجأت إليه الشركات الصناعية في جميع أنحاء العالم لإعادة تكوين مخزوناتها بالتوازي مع قوة الطلب النهائي.
وقد أعادت الشركات بناء مخزوناتها وتوسيع نطاق استثمار رأس المال دون أن يؤدي ذلك عموماً إلى توظيف المزيد من الناس؛ وبالتالي لم يكن نمو الطلب الاستهلاكي في مرحلة لاحقة كافياً للمضي قدماً بالسرعة التي أملها الكثيرون. وأدى ذلك إلى قيام الشركات في الآونة الأخيرة بتقليص استثماراتها ومخزوناتها خوفاً من تباطؤ هذا النمو.
التباطؤ الحالي
وثمة عدد كبير من البيانات الاقتصادية الصادرة في الولايات المتحدة مؤخراً من شأنها أن تسلط الضوء على طبيعة وقوة التباطؤ الحالي؛ فمن المتوقع أن تحقق مبيعات التجزئة الأساسية زيادة متواضعة بعد الضعف الذي شهدته مؤخراً؛ كما تم إقرار عدد من الإعفاءات الضريبية في بعض الولايات، وتسجيل ارتفاع في أسعار البنزين.
وكمثال على الضغط الذي يطال المستهلك الأميركي، انخفضت إيرادات الألعاب في «أتلانتيك سيتي» بنسبة 11.3% بالمقارنة مع شهر أغسطس من العام الماضي.
وقد ارتفعت هذه النسبة قياساً بالانخفاض الذي سجلته الإيرادات بنسبة 5% في شهر يوليو، وانسجمت مع النسبة 11.1% التي سجلتها في شهر يونيو. وتجمع الآراء على حتمية تسارع الإنتاج الصناعي من جديد بعد الضعف الأخير.
ولكن تقلب استطلاعات الثقة الصناعية الأخيرة فبعضها يشير إلى ضعف شديد، ويدل بعضها الآخر على تحسن متواضع يوحي بأن نمو الإنتاج الصناعي في شهر أغسطس ما زال موضع شك عميق.
وسيكون عنصر استثمار رأس المال في الإنتاج الصناعي معياراً مهماً لمدى استمرار الشركات في الاستثمار بمجالات أعمالها. وجاء نمو الإنفاق الرأسمالي في الولايات المتحدة متقلباً تماماً في الآونة الأخيرة ليفرض المزيد من الحذر بين الشركات.
الطبيعة الجديدة
وقال غاري دوغان الرئيس الأول للاستثمارات في الخدمات المصرفية الخاصة بنك الإمارات دبي الوطني إن القطاع الصناعي والمستهلك والمستثمر يحاولون كل من موقعه إدراك الطبيعة الجديدة للاقتصادات والأسواق العالمية؛ فقد يشهد الصناعي في مجموعة البلدان الصناعية السبع الكبرى فترات من الازدهار والكساد نظراً لصعوبة تحديد المستوى الطبيعي لنمو الطلب.
أما بالنسبة للمستهلك المثقل بالديون والذي يواجه ارتفاعاً ضريبياً، فهو يسعى جهده لفهم كيفية إدارة الإنفاق في المستقبل، لاسيما في ما يتعلق بالأشياء ذات القيمة العالية مثل السكن. وبدوره، فإن المستثمر تساوره الشكوك بشأن النمو على المدى الطويل، فمع تقلب الأسواق والحذر العام حيال الأسهم، يبدو تحديد القيمة العادلة لأي أصول بعينها أمراً صعباً للغاية.
وتظهر البيانات الأخيرة حول الدين المحلي وخدمة الديون الأميركية استمرار معوقات النمو في المرحلة القادمة؛ إذ لا تزال نسبة الدين المحلي الأمريكي مرتفعة على نحو استثنائي. كما تبدو نسبة خدمة الدين المحلي الفائدة والدفعات الدورية الرئيسية إلى الدخل المتاح أقل تماشياً مع المعايير المعتمدة على المدى الطويل.
استمرار الحذر
يستمر الحذر حيال اليورو وأسواق السندات المحيطة بمنطقة اليورو فقد أظهرت بيانات الأسبوع الماضي في أوروبا أن ألمانيا تعاني من تباطؤ في النمو بعد مستوياته القوية السابقة، فضلاً عن مخاوف جديدة من وصول أطراف أوروبا إلى أبواب تصعيد آخر.
وارتفعت عائدات السندات في البرتغال وايرلندا مجدداً إلى مستويات الذروة فيما أظهرت مسوح المستثمرين لجوء الكثيرين إلى التخلص من ديون أطراف أوروبا خلال أشهر الصيف. ويبدو أن البنك المركزي الأوروبي سيعاود تقديم الدعم قريباً.
كما يبدو الاقتصاد البرتغالي بصورة خاصة وكأنه يعاني من مشكلات راهنة مع بعض العثرات في إقرار التحسينات المالية المطلوبة وإعادة تقوية معايير الإقراض المصرفي، الأمر الذي يسهم في تراجع الأداء الاقتصادي إلى حد ما.
وفيما يستمر قلق خبراء الاقتصاد حيال النمو في الأسواق المتقدمة الرئيسية يستمر نمو الأسواق الناشئة وأداء الأصول فيها بصورة جيدة نوعاً ما.
وهنا تسهم اقتصادات الأسواق الناشئة في الإضاءة على تراجع النمو في البلدان الصناعية السبع الكبرى؛ وبطبيعة الحال، فإن قوة الطلب المحلي في الاقتصادات الناشئة تعكس قدرة أكبر على مواجهة هبوط الطلب الخارجي. وعلى صعيد تدفقات رؤوس الأموال، تسود الأسواق العالمية حالة من عدم الرضا بخصوص الاستثمار.
وأشار بنك «جولدمان ساكس» في تقرير صدر مؤخراً إلى أن كتلة الأموال المعدة للاستثمار في الأسواق الناشئة تبلغ حالياً 575 مليار دولار سنوياً بزيادة 20% عما كانت عليه قبل الأزمة، الأمر الذي يلقي بظلاله على تقدير قيمة العملات في الأسواق الناشئة، ويؤدي بالتالي إلى انخفاض عائدات السندات بالعملات المحلية، وارتفاع أسعار الأصول المحلية.
(وكالات)