أبدى خبراء مصرفيون مخاوف من أن تؤدي معايير «بازل 3» إلى رفع كلفة الإقراض المصرفي بشكل كبير خلال الفترة المقبلة.

وأكدت حسابات للبنك المركزي الالماني أن أكبر عشرة بنوك في ألمانيا ستحتاج الى 50 مليار يورو أي نحو 65.4 مليار دولار اضافية من رأس المال المساهم به لاستيفاء قواعد جديدة أشد صرامة.

وقالت صحيفة «دير شبيغل» الاسبوعية ان خبراء في البنك المركزي قدروا أن بنوكاً من بينها «دويتشه بنك» و«كومرتس بنك» والبنوك المملوكة للدولة مثل «فست ال.بي» و«ال.بي. بي.دبليو» و«بايرن ال.بي» ستكون قادرة على تغطية معظم تلك الاحتياجات لكن ليس جميعها.

وتلزم القواعد الجديدة التي اتفق عليها الاسبوع الماضي وتعرف باسم «بازل 3» البنوك بالاحتفاظ برأسمال عالي الجودة يعادل سبعة بالمئة من أصولها عالية المخاطر. وبغية تخفيف العبء عن كاهل البنوك والاسواق منح المسؤولون البنوك فترات انتقالية للالتزام بالقواعد تصل في بعض الحالات الى يناير 2019 أو بعد ذلك.

وقالت تقارير ان حسابات البنك المركزي تظهر قدرة البنوك على جمع أكثر من 40 مليار يورو بنهاية 2019 عن طريق الأرباح وجمع رؤوس أموال جديدة لكن سيكون على البنوك ايجاد مصادر جديدة لرأس المال كي تكمل المبالغ المطلوبة.

وأشارت الى أن هذا سيكون صعباً بصفة خاصة بالنسبة للبنوك المملوكة للدولة والتي أطلق وزير المالية الالماني فولفجانج شيوبله مبادرة جديدة لدمجها.

جدل كبير

وأثارت المعايير المصرفية الجديدة جدلاً كبيراً في الأوساط العالمية. وقال المستشار الاقتصادي لشركة «الفجر للاوراق المالية»، الدكتور همام الشماع، إنه ومنذ اندلاع الأزمة المالية وتفجرها بإعلان «ليمان برذر» إفلاسه الذي هز العالم، ودول العالم تطلق الخطط التحفيزية التي تسعى للتيسير النقدي تعويضاً عن السيولة التي تبخرت إثر انخفاض هائل في قيم الأصول وبالخصوص العقارية.

ويبدو أن الخوف من تكرار نفس السيناريو هو ما يقلق القائمين على صنع القرار الاقتصادي خصوصاً وأن المصارف التي استفادت بشكل كبير من خطط التحفيز قد تنزلق مرة أخرى في استخدام هذه السيولة في مغامرات جديدة مدفوعة بهاجس الربح والمكافآت التي سيحصل عليها مديرو هذه المصارف.

حاول بعض القادة السياسيين تقييد المصارف ومكافآت المديرين ولكنهم جوبهوا بموجة معرضة هوجاء لا قبل لهم بها. في قمة العشرين الأخيرة فشلت جهود فرض ضرائب لتكوين صندوق آمان لتغطية مخاطر من هذا النوع ولكنها فشلت هي الأخرى.

لم يتبق بعد ذلك سوى الطريق من خلال بنك التسويات الدولية لوضع ضوابط جديدة سميت «بازل 3». والتي لم تخل من العيوب رغم كونها ضرورة لا مفر منها إذا ما أرادت الدول المتقدمة تسريع وتيرة التعافي وإطلاق المزيد من خطط التحفيز.

كلفة ضخمة

والمؤكد أن بازل 3 لن تكون من دون تكاليف اقتصادية ومالية. وسيكون ارتفاع كلفة الإقراض أحد نتائج تطبيق هذا القرار والذي سينعكس سلباً على النمو. ولعل هذا العامل هو احد أسباب التدرج والتأخير في تطبيق المعايير الجديدة.

مالياً سيتوجب على المصارف أن تقتطع من الأرباح أو تلجأ الى عدم توزيع الأرباح وإلغاء مكافآت موظفيها لسنوات طويلة مقبلة حتى تستطيع استيفاء شروط «بازل 3» فيما ستلجأ مصارف أخرى إلى أسواق المال العالمية وبما يعمق من مشكلات السيولة. وفي الجانب السلبي، فإن هذه الكلف الإضافية قد لا تكون هي الرادع الأقوى نحو انزلاق المصارف في المغامرات غير محسوبة النتائج.

فقد كان لدى «ليمان براذرز» نسبة مرتفعة من رأسمال الشق الأول، وأعلى بكثير من الحد الأدنى المطلوب تنظيمياً، ومع ذلك فقد انهار بسبب قرارات الإقراض السيئة وسوء الإدارة والتي كانت العامل الأساسي لإفلاس هذا العملاق.

وإذا كان القصد من هذه الاتفاقية التي ألاتأتي بعد مرور ما يقارب ألاالعامين منذ انهيار «ليمان براذرز» الذي تسبب في أكبر أزمة ركود في العالم منذ الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن الماضي، هو ضمان عدم تسبب البنوك في أزمة مماثلة مرة أخرى. فإن التوقيت قد لا يبدو مناسباً في الوقت الحالي.

فالبنوك متحفظة أصلاً في سياستها الإقراضية وربما لفترة طويلة قادمة. كما أن القرار هو الآخر جاء متدرجاً في مداه الزمني التطبيقي حيث إن هناك ترتيبات انتقالية ستسمح للبنوك باستيفاء تلك المعايير، وذلك لإدراكه صعوبة التطبيق الفوري وعدم التناسب بين متطلبات المرحلة الراهنة ومتطلبات التنفيذ الفوري.

شح السيولة

تعاني المصارف في العالم من شح السيولة بسبب عدم قدرة المدينين على السداد. فالبنك المركزي كان قد أكد في يونيو الماضي من خلال المسح الذي أجراه على مستويات الإقراض في بنوك منطقة اليورو أن المقاييس الائتمانية لا تزال متشددة خلال الربع الثاني من العام الحالي على الصعيدين الشخصي والشركات كنتيجة لتفاقم أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو التي أضعفت عمليات التمويل.

أي أن أموال المودعين التي لا تمتلكها المصارف هي في حوزة المدينين المعسرين سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو حتى حكومات.

غير ان القواعد الجديدة المنظمة للبنوك الكبرى في العالم التي اتفق عليها بسويسرا، ربما كانت البديل عن قيود تنظيمية وضرائب اختلف بشأنها قادة الدول عندما فشلت مجموعة العشرين في الاتفاق حول موضوع فرض ضرائب على البنوك في اختتام أعمال القمة المنعقدة في مدينة بوسان في كوريا الجنوبية.

وذلك في ظل معارضة بعض الأعضاء للمشروع، حيث كان المشروع يهدف إلى فرض ضرائب عالمية على البنوك لتوضع تلك الأموال في صندوق خاص، يكون جاهزاً لإنقاذ أية مصارف أو بنوك تشهد تعثراً كما شهدنا في خضم الأزمة المالية الأسوأ التي ضربت اقتصاديات العالم.

تعارض كبير

كبديل عن الضرائب اتفق قادة مجموعة العشرين هذه على أن يجعلوا من النظام المالي أكثر أماناً، في حين أشاروا إلى أهمية تكاتف الجهود لمنع انتقال عدوى أزمة الديون اليونانية إلى دول أوروبية أخرى، مبدين قلقهم الشديد من تأثيرات أزمة الديون الأوروبية على مستقبل عجلة التعافي والانتعاش في الاقتصاد العالمي.

وهكذا ولدت فكرة «بازل 3» لتعبر عن ضرورات يحتاجها الاقتصاد الأميركي والأوروبي قد لا تعبر بالضرورة عن متطلبات الاقتصادات النامية والأسواق الناشئة التي لا تزال أكثر دقة في مراقبة أداء المصارف.

وبالعودة إلى قمة مجموعة العشرين التي عقدت في يوليو الماضي، والتي لم تخرج بأية تدابير فعالة تعمل على مكافحة الأزمات المالية في العالم وفي أوروبا المثقلة بالديون بشكل خاص، لم تتمكن في اجتماع بازل، في سويسرا، من أن تعالج تزايد التشدد الائتماني للمصارف، حيث كان قد وصل صافي التشديد في المقاييس الائتمانية على القروض ألاإلى 11% من 3% كما وصل مؤشر بالائتمان الشخصي إلى مستويات 12% مقارنة مع المستوى الذي كان عليه في المسح الماضي بنسبة 2%.

وبدا أن رؤساء الدول ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين مهتمون بسلامة النظام المصرفي من خلال الملاءة المالية للمصارف.

ومن الواضح انه لن يكون هناك أي نهاية للأزمة قبل أن تنخفض البطالة بشكل كبير وأن مثل هذا الانخفاض لا يمكن أن يتم دون استمرار خطط التحفيز وعدم الخروج منها قبل الوقت المناسب.

ويبدوا ان صانعي القرار الاقتصادي لمجموعة العشرين أرادوا وضع ضوابط صارمة تستبق إطلاق خطط التحفيز الجديدة التي من المؤمل أن يوصي بها صندوق النقد الدولي.

(وكالات)