على الرغم من ان صناعة الأدوية في الامارات وليدة، الا انها تمثل «رقما صعبا» في سوق الدواء، حيث تستحوذ حاليا على 30% من سوق الدواء المحلي، وتصدّر ادويتها البالغ عددها اكثر من 700 مستحضر لأكثر من 60 دولة، بعد ان اثبتت فعاليتها وجودة انتاجها وتسويقها.
ويبلغ حجم استثمارات صناعة الدواء الوطنية حاليا ما يقارب عشرة مليارات درهم (نحو 7 .2 مليار دولار)، وتحتاج إلى ضخ المزيد من الاستثمارات، حيث الاتجاه العالمي اليوم هو التركيز على مصانع الأدوية المتخصصة وليس العامة.وما زالت استثمارات الصناعة الوطنية ضعيفة ولا تزيد في أحسن الأحوال عن 1% من حجم استثمارات الشركات العالمية الكبرى مثل شركة «فايزر» الاميركية التي يزيد حجم استثماراتها للعام الجاري على 300 مليار دولار، وتتواجد لها مصانع في المنطقة، يزيد حجم استثمارات الواحد منها على 4 مليارات دولار.ويتواجد في الامارات 8 شركات كبرى لتصنيع الأدوية تزيد استثماراتها على 64 .2 مليار دولار، وتنتج ما يزيد على 700 مستحضر دوائي، اضافة الى عشرات المحاليل والابر الطبية.
وتنتج الشركات الاربع الاكبر انتاجا ونفوذا في سوق الدواء الاماراتي، وهي شركات جلفار وجلوبال فارما ونيو فارما وميد فارما 466 مستحضرا دوائيا بطاقة اجمالية تزيد على 5 مليارات حبة وملياري عبوة شراب.:4 شركات كبري:وتعد شركة الخليج للصناعات الدوائية «جلفار» هي اكبر وأقدم هذه الشركات، وتقع مصانعها العشرة في امارة رأس الخيمة، وتنتج 186 مستحضرا طبيا بإجمالي 3 مليارات حبة دواء و900 مليون زجاجة شراب، وتوزع جلفار 10% من انتاجها داخل الامارات، و90% في 40 سوقا عالميا.وتأتي شركة جلوبال فارما (وهي الشركة الاولى في دبي التابعة لشركة دبي للاستثمار الصناعي والمملوكة بالكامل من قبل دبي للاستثمار، وتقع مصانعها في مجمع دبي للاستثمار) في المرتبة الثانية، حيث تنتج 60 صنفا دوائيا وتوزع اكثر من 30% من انتاجها داخل الدولة و70% في الخارج.
اما مصنع نيوفارما والذي يقع في منطقة مصفح الصناعية في ابوظبي فهو ثالث اكبر مصانع الأدوية في الامارات وينتج 100 صنفا دوائيا ويوزع 50% من انتاجه داخل الامارات و50% خارج الامارات، اما رابع المصانع الكبرى فهو شركة «ميدفارما» التي تنتج 120 صنفا دوائيا، وهناك مصانع أخرى صغيرة مثل فارما كير وجلف انجيكت تنتج مستحضرات ومحاليل طبية.
وتتعاقد وزارة الصحة وهيئات الصحة في الدولة وفي نحو 60 دولة على شراء أدوية هذه الشركات بصورة مستمرة، ولم يثبت لها وجود أي عيوب تصنيعية فيها، فضلا عن أن هذه الأدوية نالت شهادات للتصنيع الجيد من وزارة الصحة في الدولة والعشرات من وزارات الصحة في العالم.
كما ان هذه الشركات تنتج أدوية متنوعة وتشمل المضادات الحيوية وأدوية الجهاز الهضمي وأدوية علاج السكري والقلب والاوعية الدموية والروماتيزم ومسكنات الالام سواء للكبار او الاطفال، كما تنتشر أدوية هذه الشركات في صيدليات الدولة البالغ عددها 1700 صيدلية خاصة وحكومية، كما اثبتت نفسها حاليا في سوق الامارات.
حيث تستحوذ على 30% من السوق الذي يبلغ حجمه 2 .1 مليار دولار، كما ان وزارة الصحة سجلت حاليا نحو 8 آلاف مستحضر دوائي، منها 25% أدوية بديلة غالبيتها لشركات اماراتية.
مفترق طرق
وتعيش صناعة الأدوية الوطنية كما يرى الدكتور ايمن ساحلي المدير العام لشركة الخليج للصناعات الدوائية حاليا في مفترق طرق؛ حيث الاتجاه العالمي يركز اليوم على انشاء المصانع الدوائية المتخصصة وليست العامة، وبصفة خاصة مصانع البايوتكنولوجيا واللقاحات وأدوية الامراض المزمنة.
مؤكدا ان دولة الامارات بحاجة ماسة الى انشاء هذه المصانع التي تحتاج الى استثمارات ضخمة، علماً بأن تميز صناعة الأدوية في العالم اجمع يرجع بصورة اساسية الى ضخامة الاستثمارات الموجهة اليها.
سواء في عمليات انشاء وتجهيز المصانع، او اختيار المواد الخام الفعالة او الكوادر البشرية المتميزة او عمليات التسويق الجيدة او الابحاث المستمرة لاكتشاف الأدوية، وكل هذه المجالات تحتاج الى اموال ضخمة جدا، لكن العائد في النهاية سيكون مجزيا جدا سواء ماليا او معنويا.
ويلفت الى ان شركات الأدوية العالمية ظلت لسنوات طويلة مسيطرة على سوق الدواء في الامارات واسواق الشرق الاوسط، وحققت ارباحا كبيرة، خاصة بعد ان أنشات خطوط انتاج من ادويتها لعلاج امراض شائعة في منطقة الخليج والشرق الاوسط، وعلى سبيل المثال فعلى الرغم من انتشار مرضى السكري والفشل الكلوي في الامارات والخليج العربي والشرق الاوسط.
فلم نر مصانع وطنية لإنتاج الانسولين او أدوية الكلى، رغم اهميتها للمرضى، وما يقال عن الانسولين يقال عن عشرات الأدوية الاخرى، وقد ضخت شركة الخليج مؤخرا اكثر من 500 مليون درهم لإنشاء اول مصنع في المنطقة للانسولين، ومن المقرر ان يبدأ الانتاج نهاية 2011.
علما بأن انتاجه سيسد حاجة السوق الخليجي والعربي له، حيث سيتم انتاج 50 مليون حقنة سنويا، وبلاشك فإن دراستنا للجدوى اكدت ان هذا المصنع سيكون مربحا للغاية، ومن المهم ان ينظر رجال الاعمال الاماراتيون الى صناعة الدواء لأنها صناعة مربحة جدا.
الاسواق الخارجية
ويتحفظ الدكتور ايمن ساحلي على فكرة عدم التوسع في صناعة الأدوية طالما ان احتياجات السوق المحلي محدودة او بسبب سيطرة الشركات العالمية على جزء كبير منه، مشيرا الى ان صناعة الدواء في الامارات لا ينبغي ان يكون هدفها الاول والأخير هو المشتري المحلي مطلقا، مشيرا الى ان شركة جلفار على سبيل المثال توزع 90% من ادويتها في نحو 40 دولة و10% في السوق المحلي.
كما ان قدرتها الانتاجية تغطي كافة احتياجات السوق الخليجي، وبلاشك فإن السوق الاماراتي محدود، بينما الاسواق الاخرى ما زالت بحاجة ملحة وماسة الى الدواء الآمن والفعال، وخاصة اسواق العالم النامي الذي يسكنه المليارات من البشر المرضى، وبلاشك فإن اسواق العالم النامي فرصة ذهبية لشركات الأدوية الاماراتية.
وتؤكد تجربتنا ان الدواء الاماراتي حظي بثقة ومبيعات كبيرة في اسواق الخليج والشرق الاوسط وجنوب شرق آسيا وإفريقيا واميركا اللاتينية، وهذه الاسواق ما زالت بحاجة الى اضعاف اضعاف ما تنتجه مصانع الأدوية الاماراتية، علما بأن شركات الأدوية الكبرى سواء الاصلية او المثيلة في العالم تضاعف حاليا استثماراتها.
رقم صعب
ويرى بي ار شيتي الرئيس التنفيذي والمدير العام لمصنع نيوفارما في ابوظبي ان شركات الأدوية الاماراتية اصبحت تمثل رقما صعبا في سوق الدواء الاماراتي الذي احتكرته لسنوات عديدة شركات الأدوية العالمية، وخاصة الاميركية والاوربية، مشيرا الى ان مصانع الأدوية الاماراتية الكبرى تنتج اليوم أدوية ومستحضرات طبية فعالة وتلاقي رواجا كبيرا في السوق.
وأوضح ان مصنع نيوفارما والذي يعد حاليا من اكبر مصانع الأدوية في امارة ابوظبي وتم افتتاحه منذ نحو ثلاث سنوات باستثمارات وصلت الى 250 مليون درهم ينتج حاليا 100 صنفا دوائيا، كما انه تقدم بنحو 10 أصناف أخرى لوزارة الصحة لتسجيلها، ومن المتوقع أن يبلغ عدد أدوية المصنع 144 صنفا خلال العام الجاري.
مشاريع تصنيع مشتركة
ونوه الى ان المصنع لا يركز جهوده فقط على استنساخ الأدوية التي انتهت سنوات حماية براءتها الفكرية، كما ان المصنع يعد وكيلا للعديد من أدوية شركة فايرز العالمية، ويطمح للدخول في مشاريع تصنيع مشتركة معها.
كما ان المصنع ينسق حاليا لتنفيذ أدوية بالتعاون مع شركات عالمية كبرى توجد لها مقرات ضخمة في قارة آسيا، وخاصة بالهند، كما يعمل المصنع على مضاعفة حجم استثماراته؛ حيث يخطط لاستثمارات جديدة بقيمة 250 مليون درهم بعد الاقبال الكبير على ادويته.
ويرى شيتي ان أدوية المصانع الوطنية لا تتركز فقط في أدوية الكحة والسعال والصداع، مشيرا الى ان السوق مليء بشائعات من هذا الكلام حول الأدوية الاماراتية للتقليل من حجم انتشارها، مضيفا ان المصانع الاماراتية الكبرى تنتج أدوية عديدة؛ منها المضادات الحيوية وأدوية الامراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والقلب، وغيرها الكثير.
والآن ففي السوق اكثر من 800 صنف دوائي اماراتي بتركيزات مختلفة، وهذا العدد يتزايد بصورة ملحوظة بفضل فعالية هذه الأدوية التي يؤكد الاطباء والمرضى قوتها وجودتها، كما ان وزارة الصحة والهيئات الصحية المحلية تراقب هذه الأدوية بصرامة، وهي مطمئنة لجودتها وفاعليتها، ولذلك تشتري اصنافا منها بكميات كبيرة لمستشفياتها وعياداتها.
ويلفت شيتي الى ان غالبية المصانع الاماراتية تصدر جزءا كبيرا من انتاجها الى الخارج حتى يكون لها تواجد في اسواق آسيوية وعربية واوروبية عديدة، ونقوم في مصنع نيوفارما بتصدير اكثر من 30% من انتاجنا الى الخارج ونجحنا في منافسة أدوية شركات كبيرة.
نمو متواصل
ويؤكد ينوف علي سالم البيض نائب الرئيس والمدير العام لشركة ميد فارما على النجاحات الكبيرة التي تواجهها صناعة الأدوية الوطنية، لافتا الى ان حجم استثماراتها ما زال قليلا ويحتاج الى المزيد.
ويرى ان الشركات الاماراتية طورت اداءها ومنتجاتها بشكل كبير للغاية، وقد نمت صناعة الأدوية في الامارات خلال السنوات الثلاث الماضية بنسبة نمو لا تقل عن 15% سنويا، كما ان الشركات الاماراتية طورت عمليات تسويق منتجاتها بشكل كبير، الامر الذي أدى الى زيادة الطلب عليها من كبار الاطباء والمرضى.
ويذكر ان شركة ميدفارما تنتج حاليا نحو 120 مستحضرا دوائيا، ولديها 24 مستحضرا جديدا تحت التسجيل في وزارة الصحة، مشيرا الى ان لدي الشركة خطة لمضاعفة اعداد مستحضراتها خلال السنوات الثلاث المقبلة، خاصة بعد ان لاقت منتجاتها داخليا وخارجيا الاستحسان الكبير من المرضى والاطباء.
وينبه الى ان شركات الأدوية الاماراتية لا تواجه مشكلة او ازمة عدم ثقة في مستحضراتها من قبل الاطباء او المرضى، مشيرا الى ان الاطباء يوصون بأدوية هذه الشركات طالما كانت فعاليتها قوية، كما ان اسعارها اقل من سعر الدواء الاصلي بما لا يقل عن 30%، وفي النهاية المريض هو المستفيد.
ويؤكد ان غالبية المرضى لم يعودوا يطلبون من الاطباء وصف أدوية اصلية لهم باعتبارها مكلفة الثمن، فضلا عن ان فعاليتها لا تزيد بشكل كبير عن الأدوية المثيلة، ولذلك فإن المستقبل في منطقة الشرق الاوسط والعالم النامي بصورة كبيرة هو للدواء المثيل، والفرصة سانحة للشركات الاماراتية لمضاعفة انتاجها.
ومن المهم مضاعفة حجم الاستثمارات الموجهة لصناعة الأدوية في الامارات، حيث ان ضعف هذه الاستثمارات يعد مشكلة كبرى تواجهها الشركات الاماراتية، وذلك على الرغم من أن ربحية هذه الصناعة بشكل كبير للغاية يفوق ربحية القطاع العقاري او غيره من القطاعات.
مطالبة برفع الأسعار
طالب ينوف علي سالم البيض نائب الرئيس والمدير العام لشركة ميد فارما وزارة الصحة بالسماح للشركات الوطنية ببيع أدويتها بأسعار اعلى مقارنة بأسعار شركات الأدوية المثيلة (البديلة) الاجنبية، او في مستوى اسعار الأدوية الاصلية، طالما ان الشركات الوطنية تستخدم مواد خام عالية الفعالية والكفاءة حتى لا تتعرض الشركات الاماراتية لأية عقبات مالية.
كما يطالب الوزارة بسرعة انجاز عملية تسجيل المستحضرات الطبية الوطنية في وزارة الصحة، لافتاً الى ان عملية التسجيل في الوقت الحالي تحتاج الى وقت طويل وجهد ومال إضافي حتى تتأكد الوزارة من ان الدواء المراد تسجيله قد انتهت سنوات حماية براءة اختراعه، اضافة الى ان مصانع الشركات مهيأة لإنتاجه بكفاءة عالية.
مشكلة تقلب العملات
يرى بي ار شيتي الرئيس التنفيذي والمدير العام لمصنع نيوفارما في ابوظبي ان اكبر مشكلة تواجهها مصانع الأدوية الاماراتية هي تقلب اسعار صرف العملات الاجنبية، وخاصة عملة اليورو، ومن هنا فإن هامش ارباح المصانع الوطنية قد تراجع قليلا.
علما بأن المصانع الوطنية ترصد جزءا كبيرا في ميزانياتها للدعاية لمنتجاتها الدوائية باعتبارها منتجات حديثة في السوق الاماراتي الذي تواجدت فيه شركات الأدوية العالمية العملاقة مثل فايزر وميرك شارب اند دوهم ونوفارتس وروش منذ سنوات.
واكتسبت سمعة وثقة كبيرة؛ سواء من الاطباء أو المرضي، لكن المصانع الوطنية لا تيأس، بل هي مستمرة في تطوير انتاجها وزيادة اعداد مستحضراتها، وذلك بالتركيز على اكثر الأدوية استخداما في دولة الامارات ومنطقة الخليج العربي.
أبوظبي - عبدالحي محمد


