أكد أحد خبراء السوق العقاري في دبي أن المستثمرين والمؤجرين في المرحلة الراهنة باتوا حريصين على وجود نحو 7 معايير في المشاريع السكنية قبل إن يقدموا على اتخاذ قرار الشراء أو الإيجار، وهو ما يعد تطوراً في سلوكهم وتوجهاتهم.

وأوضح غاري ريتشاردز هو مدير الأبحاث والتقييم بشركة «هامبتنز» في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في تصريحات لـ «البيان الإقتصادي» بأن تلك المعايير تتركز في: موقع العقار وجودة تشطيباته والمرافق والخدمات التي يتمتع بها وجاهزيته للسكن وتوفر التمويل بتكلفة مناسبة وهوية المطور العقاري وسمعته في السوق ولفت ريتشاردز إلى ان تلك المعايير باتت تشكل حزمة محفزات لاتخاذ المستثمرين قرارات الشراء والإيجار وهو ما يقود الآن برسم مشهد عقاري أكثر نضجاً في سوق الإمارة الذي عاش لسنوات ماضية بعيداً عن المعايير التقليدية في الشراء والإيجار.

ويعتقد ريتشاردز بأن عودة السوق العقاري في دبي إلى تقصي وإتباع المعايير التقليدية لإبرام الصفقات في سوق البيع والإيجار يعد ميزة تسجل لصالحه حيث تشكل تلك المعايير السبعة المحرك الرئيسي في الطلب على العقارات بعد سنوات من تأثير المضاربات على نوع وكم الصفقات في السوق.

ويقول ريتشاردز هناك العديد من المعايير التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند تقييم مستوى الطلب على العقارات في أي من الأسواق العالمية، يأتي في مقدمتها حجم الطلب من قبل المشترين والمستثمرين والوسطاء العقاريين. وعندما اجتاحت الأزمة المالية أسواق العالم، ولم تستثن أي دولة، كانت أعمال الوسطاء هي الأكثر تأثراً على مستوى القطاع.

توجهات العقار

وبحسب ريتشاردز فإن الوقائع الجديدة في السوق العقاري تظهر عدداً من التوجهات المهمة في القطاع العقاري حالياً، ومنها أن متوسط سعر البيع في منطقة وسط مدينة دبي - على سبيل المثال- هو أعلى بصورة ملحوظة مقارنة بسواه، وهو ما ينطبق أيضاً على عدد الصفقات التي تمت ضمن المشروع.

ويؤكد هذا أن العقارات الجاهزة ذات المواقع الحيوية ستبقى محافظة على مستويات أسعار أعلى من منافسيها، ويبرهن أيضاً أن مشاريع الشركات العقارية الكبرى ذات السمعة الواسعة تحظى بنسب إقبال أكبر من سواها، كما هو الحال في وسط مدينة دبي ومرسى دبي وجزيرة النخلة.

لكن ريتشاردز يري أن جاهزية المشروع ليست كفيلة بضمان النجاح، فسوق اليوم مدفوعة باتجاهات العملاء، وجاهزية المشروع ليست بشيء إذا لم تتوفر مجموعة مرافق الحياة العصرية المتكاملة التي يتطلع إليها المشترون والسكان، إضافة إلى خيارات التمويل المرنة التي تسهل إتمام الصفقات بسلاسة تامة. إلا أن المصارف ما زالت تتعاطى مع هذا الموضوع بحذر شديد، لتبقى قروض التمويل العقاري مكلفة إلى حد كبير.

ويضيف يتطلع العملاء، إذاً، إلى توفر المرافق العصرية التي تضمن لهم أسلوب حياة معين يرغبون به، إضافة إلى الخدمات التي يأتي في مقدمتها قرب الوحدات السكنية من المؤسسات التعليمية. ويأتي هذا انطلاقاً من رغبة المشترين الحقيقيين في دراسة أحوال السوق الحالية والتوجه نحو الاستثمار في عقارات ذات قيمة كبيرة على المدى الطويل.

ويميل المستثمرون عادة إلى المشاريع التي يسهل الوصول منها إلى مجموعة متنوعة من المرافق، مثل نوادي الصحة واللياقة البدنية، إلى جانب المنافذ التجارية ومراكز الرعاية الصحية وغيرها.

كما يعتبر الموقع الحيوي من أهم العوامل التي يأخذها المستثمرون في عين الاعتبار، كمدى قرب المشروع من محطات مترو دبي على سبيل المثال. ولا بد أن تكون الوحدات السكنية ذات إطلالة مميزة، كما أن جودة التشطيبات هي من العوامل الرئيسية التي تحدد مستوى الطلب، وبالتالي تلعب دوراً في زيادة الأسعار.

تشريعات

ويعتقد ريتشاردز بأن التشريعات التي أصدرتها دائرة أراضي وأملاك دبي ومؤسسة التنظيم العقاري في دبي مؤخراً حول الملكية المشتركة للعقارات ساهمت في تعزيز اهتمام المستثمرين بالجودة على كافة المستويات.

وكانت الدائرة أعلنت مؤخراً بأنه يتوجب على جميع المطورين تأسيس جمعيات مؤقتة للملاك خلال الستة إلى تسعة أشهر المقبلة، مما زاد من ثقة المستثمرين في سوق عقارات التملك الحر التي كانت وعداً وأضحت اليوم حقيقة واقعة يمكنهم الاستفادة منها مستقبلاً.

وأصبح المالكون أيضاً مدركين للمسؤوليات المترتبة على استثماراتهم، وبأن الاستثمار في العقارات ذات النوعية العالية من حيث جودة البناء ومعايير الصيانة هو أكثر جدوى سواء على المستوى المالي أو عائدات الاستثمار على المدى الطويل.

وبالنسبة للوكلاء العقاريين فإن إصرار العملاء على حقوقهم ومتطلباتهم مثَّل درساً جديداً لهم، وهو ما يلقي الضوء أيضاً على أهمية دور شركات الخدمات العقارية ذات الباع الطويل في القطاع والمرتبطة بعلامات تجارية متميزة.

وكما يقال، فإن التغير المستمر هو الثابت الوحيد في أي من قطاعات الأعمال، لكن السؤال الرئيسي يبقى: هل جاء هذا التغيير بأسرع مما يجب في القطاع العقاري بالمنطقة؟ الآراء تتباين، لكن المؤكد أن المستفيد الأكبر من كل ما يحدث هو، بكل ببساطة، المستثمر، بحسب ريتشاردز.

معدلات تعافٍ متقدمة

وأنجزت هامبتنز دراسة لتقييم للقطاع العقاري في دبي وكشفت بأن عقارات دبي حققت معدلات تعافي متقدمة منذ أواخر نهاية العام الماضي مروراً بالنصف الأول من العام الجاري وتبرز العقارات المكتملة بوصفها الأكثر مقاومة لحركة التصحيح السعري.

وأوضحت الدراسة التي أنجزتها هامبتنز إنترناشونال المتخصصة بتزويد الخدمات العقارية بالتفاهم مع «البيان الإقتصادي» بأن تأثيرات حركة التصحيح السعري التي طالت أسعار العديد من المشاريع العقارية كانت متفاوتة الأثر بين عقارات وأخرى.

فقد تعرضت أسعار العقارات تحت التنفيذ إلى تراجع قاس، فيما حافظت المكتملة في العديد من المشاريع على صلابة أسعارها خاصة تلك التي بيعت من دون مبالغة في أسعارها حتى في ذورة السوق الطلب على العقار عامي 2006 و2007.

وأشارت هامبتنز التي اختارت مشروعي مرسى دبي والمدينة العالمية كعينة لدراستها قصة مدينتين بأن أقصى تراجع سجلته أسعار تلك العقارات بلغ 11% مقارنة بأسعار الذروة التي سجلتها قبيل الأزمة المالية العالمية.

تحسن ملحوظ

وعكست الدراسة التي استمرت على مدى ثمانية أشهر، مدى تعافي السوق عبر تصحيحات واضحة للأسعار في أهم المشاريع في المنطقة. وتتكامل الدراسة مع التقرير الاقتصادي الذي صدر مؤخراً حول الإمارات، والذي سلط الضوء على مساهمة القطاع العقاري بنسبة 2, 8% في إجمالي الناتج المحلي، ليكون بذلك من أبرز القطاعات الاقتصادية غير النفطية في الدولة.

وتقارن دراسة قصة مدينتين الذي أعدته هامبتنز بين الأسعار واتجاهات الطلب بين مرسى دبي وانترناشيونال سيتي، وكلاهما من المجمعات السكنية الأكثر استقطاباً للعملاء العقاريين في المدينة.

ويشير التقرير إلى أن أسعار المنازل في مرسى دبي تتراوح بين 800 و1000 درهم للقدم المربع، بتراجع بلغ 11% فقط عن أعلى مستويات سجلته في مرحلة الذروة في النصف الثاني من 2008 وأوائل 2009.

واستقرت الأسعار على ما يبدو حالياً على 1000 درهم للقدم المربع في مرسى دبي، و800 درهم للقدم المربع في إنترناشيونال سيتي. وأشار التقرير إلى تحسن ملحوظ في الأسعار، وأنه بالمقارنة بدول أخرى، فإن تصيح الأسعار يؤكد مناعة السوق العقارية بدبي في مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية.

استقرار الأسعار

ويقول التقرير أن الأسعار في انترناشيونال سيتي شهدت استقراراً أيضاً في الفترة من منتصف 2009 وحتى بدايات 2010، لتبدأ بدورها بالتصاعد. يقول التقرير: لقد كان تقلب الأسعار في -إنترناشيونال سيتي- أشد مما هو الحال عليه في -مرسى دبي-، إلا أن العنصر المشترك هو تحسن الوضع في المشروعين بشكل عام.

والجدير بالذكر أن حجم التعاملات قد استقر أيضاً خلال هذه الفترة بعد تراجع حاد في الأشهر الستة الأخيرة من 2008 في مرسى دبي، في حين وصلت إلى ذروتها في إنترناشيونال سيتي أوائل العام 2009، قبل أن تعاود التراجع في العام الماضي.

خفض الفوائد

ولفت التقرير إلى عامل في غاية الأهمية ساهم في حفز الحركة في السوق، وهو خفض أسعار الفوائد من قبل أبوظبي للتمويل إلى 99, 4% كحد أدنى. وإذا ما اتبعت المصارف في دبي المنهج ذاته، فإن تكاليف الاقتراض ستنخفض وستنتعش حركة السوق.

ودعا التقرير المصارف إلى التركيز بشكل أكبر على الوضع المالي للعميل بدلاً من الاهتمام بقيمة العقار. لقد كان التركيز على قيمة العقار واحداً من العوامل الرئيسية التي أدت إلى أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية، وقد ثبت بالتجربة العملية أن هذا الأسلوب حافل بالأخطاء.

وفي معرض تأكيده على أهمية دور المصارف في القطاع، كشف تقرير قصة مدينتين إلى أن المصارف والمؤسسات المالية كانت الأكثر تأثراً بتداعيات الأزمة. وهو ما أدى إلى تكاسل في العمل على مواجهة المشكلات القائمة، في حين يبدو الوضع الراهن وكأنه مرحلة انتظار وأمل بعودة القيمة التي فقدت. ومن هذا المنطلق فإننا نقترح أن يكون دور المصارف أكثر فعالية في عملية الإصلاح المطلوبة.

دبي- مشرق علي حيدر