كشف سمير الشماع، المدير الإقليمي لإنتل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خلال حوار مع البيان أن الابتكار الأخير الذي حققته الشركة سيمهد الطريق تماما أمام عملية نقل البيانات بين مختلف الأجهزة بسرعة الضوء.
مشيرا إلى أن فوتونات السليكون تبشر بدخول عصر الاتصالات الضوئية لجميع أنواع الأجهزة، ما يكسر الحواجز أمام نقل البيانات بسرعة الضوء بين مختلف الأجهزة المتصلة. وأكد الشماع أن إنتل ستطرح قريباً رقاقة التيرا المصغرة التي تضم 25 قناة، تنقل ما يصل إلى 100 ضعف المعدلات الحالية من بيانات. أي أن الملف الذي يحتاج الآن إلى 10 دقائق للنقل عبر الانترنت سيتم تنزيله في ست ثوان. وقال الشماع إن إنتل ستطرح رقاقات السليكون الضوئية في الأسواق خلال سنتين إلى ثلاث سنوات من الآن، لتوفير اتصالات إنترنت عالية الكفاءة وفائقة السرعة بأسعار أقل من أسعارها اليوم.
أما تقنية الفوتونات التي ستستخدم في الحواسيب على هيئة واجهة ضوئية للاتصال مع وحدة الذاكرة أو الوحدات الطرفية الأخرى، والتي أطلقتها إنتل في خريف 2009 بمسمى «لايت بيك»، فمن المقرر أن تبدأ إنتل هذه السنة بتزويد شركائنا من المصنعين بهذه المكونات للاختبار ولأهداف بحثية. وخلال السنوات القليلة المقبلة، سيكون من الممكن ربط عدة نوى معالجات باستخدام الفوتونات، ما يمكِّنها من تبادل البيانات بسرعة كبيرة فيما بينها ومع غيرها من المكونات.
وأوضح المدير الإقليمي لإنتل أن تقنية فوتونات السيلكون ستسمح في المستقبل بالاستغناء عن خزانات تجهيزات إلكترونية بعرض 19 بوصة مكدسة فوق بعضها بما يعادل طول شخص، واستبدالها برقاقة واحدة صغيرة فقط.
الشبه والاختلاف
ما وجه الشبه والاختلاف بين استخدام أشعة الضوء بديلاً عن الإشارات الإلكترونية في الحاسب، وبين نقل البيانات عبر شبكة الألياف الضوئية؟
لقد وصلت حجوم البيانات المنقولة عبر الإنترنت الآن إلى مقدار هائل، ولا تزال حركة مرور البيانات في ازدياد يوماً بعد يوم.
ويكفي أن ننظر إلى موقع يوتيوب الذي يستخدمه المزيد من الناس لتقديم المزيد من تسجيلات الفيديو (أي البيانات) إلى الآخرين - وهو مجرد واحد من الكثير من التطبيقات التي تنقل البيانات بكثافة.
وفي الوقت ذاته، فإن جودة المحتوى، مثل الفيديو عالي التحديد (HD)، وبالتالي حجم ملفاته يزداد باستمرار. والنتيجة الطبيعية لذلك هي حدوث اختناق في مرور البيانات على الطرق الرقمية السريعة - أو بدقة أكثر: عند «المخارج».
عندما يتم إرسال البيانات عبر الإنترنت، فإنه يجب فرزها بواسطة أحد أنواع محطات التوزيع (الموجهات والمحولات)، ثم توجيهها إلى المتلقي. وفي الوقت الحاضر، يتم إنجاز هذه المهمة بواسطة عتاد حاسوبي معقد، وهو ما سيؤدي عاجلاً أو آجلاً للوصول إلى حاجز لا يمكن تجاوزه.
وبشكل عام، فإن البيانات تصل إلى الموزع على شكل فوتونات مرسلة عبر كبلات ألياف ضوئية، ويتم تحويلها في الموزع إلى إشارات إلكترونية (إلكترونات1)، ثم فرزها، وتحويلها من جديد إلى فوتونات2 وترسل لتكمل طريقها عبر كيبل آخر من الألياف الضوئية.
وهذه العملية شاقة ومكلفة وتستهلك الكثير من الطاقة. ولا يمكن زيادة معدلات نقل البيانات في التقنية الحالية إلا بصعوبة شديدة، لأن مجال تطويرها قد استنفد فعلياً. ويجب شراء عتاد إضافي لتوجيه مزيد من البيانات، أو، يجب اللجوء إلى تقنية مختلفة.
أما اعتمادا على التقنية الجديدة فيمكن أن تعمل رقاقة ضوئية قادرة على معالجة الفوتونات مباشرة بشكل أسرع بكثير وستستهلك قدراً أقل من الطاقة. وبهذه الطريقة، يمكن في المستقبل الاستغناء عن خزانات تجهيزات إلكترونية بعرض 19 بوصة مكدسة فوق بعضها بما يعادل طول شخص، واستخدام رقاقة واحدة صغيرة بدلاً منها.
ويتفوق النقل الضوئي على وصلات الأسلاك النحاسية بمزايا تتيح ترقيته بشكل أفضل في المستقبل. أولاً، يمكن للألياف الضوئية حمل بيانات أكثر بكثير مقارنة بالأسلاك النحاسية، لأن الألياف الضوئية تسمح بنقل أطوال موجية أو ألوان ضوئية متعددة في الوقت ذاته عبر كبل واحد من الألياف الضوئية، ما يسمح بنقل بيانات أكثر بكثير عبر اتصال واحد. ويسمح لنا ذلك بزيادة عرض الحزمة مع مرور الوقت بسهولة أكبر.
ثانياً، يمكن لكبلات الألياف الضوئية حمل الإشارات عالية السرعة عبر مسافات أكبر بكثير مقارنة بالكبلات النحاسية. فمثلاً، إن نقل البيانات عبر الكبلات النحاسية بسرعة 10 غيغابت بالثانية لمسافة تزيد عن متر واحد يتطلب استخدام كبلات ضخمة وكميات كبيرة من الطاقة.
إضافة إلى ذلك، فإن الألياف الضوئية منيعة ضد التشويش الكهرومغناطيسي الناجم عن حركة الإلكترونات في البيئة المحيطة، وهو سبب آخر يحد من استخدامات الأسلاك النحاسية.
ثورة في التصميم
تقول إنتل أن نموذج فوتونات السليكون بالليزر يمهد لثورة في تصميم الحاسوب ويزيد الأداء بشكل هائل ويوفر الطاقة، فهل من أمثلة قريبة لذهن القارئ توضح بشكل مبسط هذه الفوارق بين التقنية الحالية والمستقبلية؟
تتزايد كمية البيانات التي ننشئها ونتبادلها بمعدلات مذهلة - فحتى الهواتف الذكية بدأت تلتقط الصور والفيديو عالي التحديد. وفي الوقت ذاته، فإن المعالجات متعددة النوى تقدم إمكانات حوسبية أكبر في حيز أصغر.
وسيتطلب نقل كل هذه البيانات ضمن جهازك وفي مراكز البيانات وحول الإنترنت وصلات أو قنوات نقل بيانات قابلة للترقية لمواكبة النمو في حجوم البيانات ومتطلبات الحوسبة. ويمكن لوصلات فوتونات السليكون التي اختبرناها في أبحاثنا أن توفر قابلية التوسع حسب متطلبات حركة البيانات والحوسبة في المستقبل. إضافة إلى ذلك فإن أطوال قنوات الألياف الضوئية (ضمن الحاسوب الواحد أو بين الحواسيب) التي يمكن تنفيذها قد تُحدِث ثورة في تصميم الحواسيب ومعمارية مراكز البيانات.
ولا تقف الفوائد عند الحواسيب فقط، فمثلاً يوجد في سيارات اليوم مستوى من تجهيزات الحوسبة يفوق ما نجده في المكاتب العادية، ممثلة بالبرامج الترفيهية وتطبيقات الملاحة بالاستفادة من إشارات الأقمار الصناعية وأجهزة التحكم المضمنة في السيارة.
وفي هذه الأماكن التي تكون فيها المساحات المتاحة محدودة، ويمكن للتشويش الناجم عن الأسلاك النحاسية أن يسبب تداخلاً مع الكهرباء عالية الجهد، فإن فوتونات السليكون توفر في المكان والطاقة، ولا تتداخل مع الإلكترونيات الأخرى في السيارة.
وسيتمكن المستهلكون من تحسين إمكانات أنظمتهم من خلال وصلها إلى محطات فائقة السرعة. وتبشر فوتونات السليكون بدخول عصر الاتصالات الضوئية لجميع أنواع الأجهزة، ما يكسر الحواجز أمام نقل البيانات بسرعة الضوء بين مختلف الأجهزة المتصلة.
سرعات أعلى
قالت إنتل إن الباحثين يعملون الآن على تقديم سرعات أعلى خلال (وقت قصير)، فكم من الوقت يحتاجون تقريبا لإنهاء هذه المرحلة من الاختبارات، ومتى يتوقع أن تطرح التقنية بشكل تجاري، وهل ستكون متاحة للمؤسسات الحكومية فقط أم للجميع؟
قدمنا نموذجا اختباريا في العام 2008 بثماني قنوات، أي ثمانية محولات للتشفير وثمانية أشعة ليزر وثمانية محولات لفك التشفير، في رقاقة واحدة. وقد كانت كل قناة منها قادرة على نقل 25 غيغابت بالثانية، بمعدل إجمالي لنقل البيانات يساوي 200 غيغابت بالثانية. وتضم رقاقة التيرا المصغرة التي ستطرح قريباً 25 قناة، كلاً منها بمعدل نقل بيانات يبلغ 40 غيغابت بالثانية.
ويعني ذلك معدلاً نظرياً لنقل البيانات يصل إلى 100 ضعف المعدلات الحالية. ويمكن للملف الذي يحتاج الآن إلى 10 دقائق للنقل أن يتم تنزيله في ست ثوان. وستستخدم هذه الرقاقة في الاتصالات الضوئية بهدف منع الاختناقات عند نقل البيانات عبر الإنترنت.
كما أن رقاقات السليكون الضوئية أرخص بكثير وتستخدم طاقة أقل بكثير من الرقاقات ذات الأسلاك النحاسية. وتخطط إنتل لإطلاقها في الأسواق خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، وهي بذلك ترسي الأساس اللازم لتوفير اتصالات إنترنت عالية الكفاءة وفائقة السرعة بأسعار أقل من أسعارها اليوم.
من ناحية أخرى، فإن تقنية الفوتونات ستستخدم في الحواسيب على هيئة واجهة ضوئية للاتصال مع وحدة الذاكرة أو الوحدات الطرفية الأخرى مثلاً. وكانت إنتل أطلقت هذه التقنية في خريف العام الماضي بمسمى «لايت بيك».
ومن المقرر أن نبدأ هذه السنة بتزويد شركائنا من المصنعين بهذه المكونات للاختبار ولأهداف بحثية. وستسمح واجهة هذا النوع مثلاً بنقل فيلم بلو-راي كامل خلال 30 ثانية.
وفي النهاية، وخلال السنوات القليلة المقبلة، سيكون من الممكن ربط عدة نوى معالجات باستخدام الفوتونات، ما يمكِّنها من تبادل البيانات بسرعة كبيرة فيما بينها ومع غيرها من المكونات. وسيمثل هذا النوع من الاختراعات ثورة مشابهة للموسيقى الرقمية:
فهذه الأيام، يمكن للقرص المدمج أن يخزن محتويات أكثر من عشرة أسطوانات قديمة محولة إلى هيئة MP3، بينما يمكن لقرص بلو-راي واحد تخزين أكثر من 600 ألبوم. ويمكن القول بأن نقل البيانات ضوئياً هو الثورة القادمة التي ستغير بصورة جذرية من حياتنا وتفاعلنا مع التقنية الرقمية في المستقبل القريب.
تفكير جذري
كيف ستجبر هذه التقنية صانعي الحاسبات بإعادة التفكير جذرياً بالتصميم التقليدي للأجهزة، من حاسبات الإنترنت المحمولة (نتبوك) إلى الحاسبات الفائقة؟ وبأي معنى؟ هل ستلغى مثلا لوحات المفاتيح و«المذر بورد» أم الأقراص الصلبة أم الشاشات أم ماذا تحديدا؟
إذا نظرت اليوم إلى تجهيزات الحوسبة ستلاحظ أن المكونات المختلفة ضمن أجهزة الكمبيوتر أو أجهزة الخادم ينبغي أن تكون قريبة جداً من بعضها بسبب محدودية عرض الحزمة والمسافة المتاحة في القنوات ذات الأسلاك النحاسية.
أما الألياف الضوئية قليلة التكلفة فستتيح لمنتجي الحواسيب بإعادة التفكير جذرياً بالتصميم التقليدي للأجهزة. ومن خلال الفصل بين قدرات المعالجة والذاكرة والرسوميات، يمكن للمصممين تجاوز مكونات الحوسبة المنفصلة لتوفير قدرات معالجة أكبر في مجموعة واسعة من الأجهزة وبيئات الحوسبة. وستؤثر المرونة في التصميم إيجاباً على الكفاءة في استهلاك الطاقة وأداء النظام وتكلفة التطوير والامتلاك بشكل واسع.
كما ستعزز نشر الابتكارات على نطاق واسع وتحسن تطبيقات الحاسوب ومراكز البيانات السحابية والتطبيقات التي تحتاج لنقل البيانات بكثافة عالية في مجالات الحوسبة العلمية والتطبيقات ثلاثية الأبعاد ذات التحديد الفائق في الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية المستقبلية.
قلتم أنه سيتم إحلال كيبلات الألياف الضوئية محل العديد من الكيبلات العادية أي النحاسية، فهل أداء الكيبلات الضوئية مستقر فنيا خارج بيئة المختبرات؟ وهل هناك أي آثار بيئية جانبية لهذه التقنية؟
إن لتقنية الليزر تأثير ملحوظ منذ إطلاقه في ستينيات القرن العشرين. ومن خلال توفيره عرضاً فائقاً للحزمة عبر مساحات واسعة، فقد عمل على تسهيل النمو السريع للإنترنت والاتصالات الحديثة، وامتد تأثيره ليشمل كل شيء من الطب الحيوي والتطبيقات الصناعية إلى الأجهزة الاستهلاكية مثل مشغلات الأقراص الرقمية (DVD). وعليه فإن هذه التقنية مجربة ومثبتة، كما أن الألياف الضوئية منيعة ضد التشويش الكهرومغناطيسي الناجم عن حركة الإلكترونات في البيئة المحيطة.
دبي ـ محمد بيضا

