بدت قائمة الرابحين من اتفاق شركة دبي العالمية والبنوك الدائنة غير قابلة للعد والحصر، واجتهد المحللون الذين تحدث معهم «البيان الاقتصادي» في تصنيف ماهية الجهات المعنية المباشرة وغير المباشرة التي ستحقق مكاسب من جراء هذا الاتفاق، وماهية الفوائد المتحققة على مختلف الأصعدة. بيد أن الإجابات عن هذا التساؤل كانت أشبه بالدوائر المتعاقبة والمتتالية الناتجة عن إلقاء حجر في مياه.
وينطبق هذا المثل المجازي بحذافيره على محاولة حصر الرابحين من خطة إعادة هيكلة ديون شركة دبي العالمية، وهو ما يعكس ليس فحسب حقيقة التعقيدات البالغة لهذه الصفقة، وإنما كذلك حالة التشابك والترابط الوثيقين بين اقتصاد دبي من جانب والاقتصادات الإقليمية والعالمية من جانب آخر.وعليه، تتعدد حلقات ودوائر المستفيدين لتشمل ليس فحسب أطراف الاتفاق المباشرين وهي شركة دبي العالمية والبنوك الدائنة، وإنما كذلك أسواق المال الإقليمية والعالمية، فضلا عن قطاعات اقتصادية ومالية عديدة، ويحق في مثل هذا الوضع بالغ التعقيد التساؤل حول ما إذا كان هذا الاتفاق سيمثل احدى لبنات عودة الازدهار والتعافي ليس على صعيد الإمارات فحسب، وإنما كذلك على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وفي هذا المجال، يرصد عبد الرحمن فهد الحارثي، الرئيس والعضو المنتدب لشركة مينا فينانشال جروب، تعدد محاور المستفيدين من اتفاق إعادة هيكلة ديون شركة دبي العالمية، لتشمل محاور ثلاثة رئيسية، وهي أسواق الائتمان، ومناخ الاستثمار في الإمارات بشكل عام وإمارة دبي على وجه التحديد، وإمكانيات تدفق السيولة مجددا.
تحسن أسواق الائتمان
ويبدأ الحارثي بالمحور الخاص بأسواق الائتمان، موضحا أن التوصل إلى اتفاق بين شركة دبي العالمية والجهات الدائنة من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز مشاعر الثقة والاطمئنان بشأن آفاق مستقبل أسواق الائتمان في المنطقة بشكل عام والإمارات على وجه التحديد وإمارة دبي بشكل خاص.
وهو ما سيترتب عليه بث النشاط والحيوية مجددا في التدفقات الائتمانية فيما بين المؤسسات المالية، وتزايد قدرة المؤسسات المالية على بناء مراكز ائتمانية جديدة في الأسواق المحلية، بالنظر إلى أنه سيتوافر لديها رؤية واضحة بخصوص الالتزامات والخصوم في المرحلة المقبلة، كما سيحمل الاتفاق انعكاسات إيجابية على عمليات إعادة بيع الائتمان مجددا فيما يخص القروض الحالية، وهو الأمر الذي يعزز عودة التبادل الائتماني مجددا.
ضخ المزيد من الاستثمارات
ويرى الحارثي أن المحور الثاني الخاص بمناخ الاستثمار يعد أمرا على درجة بالغة من الأهمية، مشيرا إلى أن التجمد قد أصاب قدرا كبيرا من التدفقات الاستثمارية، وذلك إلى حين الوصول إلى رؤية واضحة بخصوص مستحقات الدائنين.
وأعرب عن اعتقاده الجازم بأن هذه الاستثمارات تتأثر سلبا أو إيجابا بمسألة توصل الجانبين إلى اتفاق، وأنه من شأن التوصل إلى اتفاق التحفيز على ضخ المزيد من الاستثمارات من جديد إلى الكثير من المشروعات التي تعرضت لمشاكل تتعلق بنقص التمويل والسيولة، وهو ما يفتح شهية المستثمرين أيضا إلى معاودة عملية الإنتاج، ومن ثم، ومع عودة النشاط إلى عمليات الائتمان، سيستعيد المناخ الاستثماري عافيته وحيويته تدريجيا.
وتابع حديثه بقوله: عانت أسواق الائتمان من التشدد على مدار العامين الماضيين نتيجة لجفاف السيولة في الأسواق المالية بشكل عام على الصعيد العالمي، حيث أبدت الجهات المزودة للسيولة تمنعا عن الدخول في التزامات جديدة حتى تتضح صورة الالتزامات الحالية، ومن جانب آخر، خلقت تقييمات مؤسسات التصنيف الدولية قدرا كبيرا من الارتباك في أسواق الائتمان على الصعيدين المحلي والإقليمي، ومن المتوقع أن يسهم الاتفاق في تبديد مثل هذا الارتباك الذي أثر على تقلبات أسعار مبادلة الائتمان صعودا وهبوطا، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعطي قوة زخم لنمو عمليات الائتمان مجددا محليا وإقليميا.
مكاسب تجنيها المصارف
وتطرق الحارثي إلى الفوائد التي ستجنيها البنوك من جراء التوصل إلى اتفاق بين شركة دبي العالمية والجهات الدائنة بقوله: في نهاية المطاف، تقوم البنوك بعمليات الإقراض اعتمادا على أموال المودعين التي تودع فيها، وهي تقيم قرارات الإقراض بناء على حسابات الربح والخسارة.
ومن المعتقد أن هناك فجوة بين حجم القروض والودائع في البنوك المحلية، بيد أنه من المقدر أن تختفي هذه الفجوة، وتعود الودائع من جديد لتستقر في البنوك المحلية، وذلك مع استقرار المناخ الاستثماري، وعودة الاطمئنان والثقة إلى السوق، ويوفر الاتفاق بين شركة دبي العالمية والجهات الدائنة هذا الشكل من الاطمئنان، وبالتالي، من المتوقع أن تعود السيولة مجددا إلى الأسواق، وتنخفض مستويات أسعار الفائدة فيما بين البنوك المحلية التي مازالت مرتفعة جدا مقارنة ببعض الأسواق المجاورة في دول مجلس التعاون الخليجي.
واستعرض الحارثي أبرز مفردات المشهد الاستثماري الناتج عن التوصل إلى اتفاق بين شركة دبي العالمية والبنوك الدائنة قائلا: ستنحسر بالتأكيد مخاوف المستثمرين كنتيجة طبيعية لتحسن معنويات السوق ومناخ الاستثمار وتحسن أسواق الائتمان والاستقرار، ومن ثم، ستتعزز الفرص السانحة للمستثمرين.
وهو ما سوف يحفزهم على تنمية استثماراتهم الحالية، والعمل علي ملاحقة الفرص الجديدة في مختلف القطاعات، وبالتالي، فإن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق سيسهم بدون شك في دفع عمليات الاستثمار وتعزيز تدفق وتبادل السيولة.
عودة الثقة
وفي السياق ذاته، يرى محمد علي ياسين رئيس الاستثمار في شركة كاب إم للاستثمار، أن التوصل إلى اتفاق يعد مؤشراً عملياً على عودة الثقة، فهو بمثابة تصويت جماعي من جانب البنوك المقرضة بثقتهم في الآفاق الواعدة لاقتصاد إمارة دبي وقدرتها على الوفاء بالالتزامات المستحقة عليها، وهو ما يمثل مؤشرا يدلل على اعتزام الجهات الدائنة أن تكون جزءا من منظومة نمو إمارة دبي، ويدلل ذلك على إصرارها على مواصلة تواجدها ونشاطها في الأسواق المحلية.
وأضاف ياسين: سينطوي الاتفاق على انعكاسات إيجابية بالنسبة لثقة المستثمرين، وكذلك قدرة الاقتصاد على التعافي واسترداد المكاسب التي ربما خسرها خلال العامين الماضيين، وهو ما سيكون له أثر إيجابي وإن كان تدريجياً على الأسواق المالية بشكل عام.
ويرصد ياسين المكاسب التي تحققها المصارف من جراء التوصل إلى اتفاق بين شركة دبي العالمية والجهات الدائنة، حيث ان المصارف تستطيع تحمل إعادة هيكلة للديون لفترات ربما تمتد إلى 15 عاما، إذا ما كانت هناك ضمانات بأنه سوف يتم الدفع على فترات منتظمة خلال فترة محددة.
ويختص ياسين هنا بالذكر المصارف المحلية قائلا: هناك مصارف محلية أطراف في عملية إعادة هيكلة الديون مثل بنك أبوظبي التجاري، وقد اضطر بعضها إلى تجنيب مخصصات لتغطية مخاطر التعثر.
وهو ما كان له بالغ الأثر على ربحيتها خلال الربعين الثاني والثالث من العام الجاري، وسوف تضاف هذه الأموال إلى كشف أرباح البنوك مع سداد كل دفعة من دفعات الديون المستحقة، وذلك خلال فترة الثمانية أعوام المقبلة.
وتابع بقوله: تعتبر عملية إعادة هيكلة ديون شركة دبي العالمية على ثماني سنوات بالنسبة للمصارف أفضل بكثير من عدم الدفع مطلقا، وهو أمر قد تم تخطيه في الوقت الحالي بإعراب شركة دبي العالمية عن التزامها بتسيد المستحقات المستوجبة عليها، ولا يعد دفع المستحقات على مدى ثماني سنوات بمثابة مشكلة للمصارف، ولكن المشكلة تتعلق أساسا بنسب الفائدة التي يتم احتسابها، بالنظر إلى أن هذا الأمر يؤثر على قدرتها على النمو وتحقيق هامش ربحية.
وخلص ياسين إلى القول: في النهاية، تعتبر المصارف مؤسسات محلية حكومية تلعب دورا مهما في عملية تمويل النمو داخل الدولة، بالنظر إلى أنها من المزودين الرئيسيين للسيولة للمشروعات، بيد أن هذه المصارف قد حققت هامش ربحية كبيرا خلال سنوات الطفرة، واليوم، يجب أن تتحمل جزءا من المسؤولية فيما يتعلق بمشكلة المديونية.
واختتم ياسين قائلا: بإغلاق هذا الملف بنجاح، نستطيع أن نتطلع قدما للبدء في بناء الاقتصاد والثروات على أسس متينة ومقومات قوية، وهو ما يصب في الأجل الطويل لصالح جميع الأطراف.
دبي ـ مجدي عبيد

