أظهرت إحصائيات عديدة صادرة عن جهات رسمية زيادة ملحوظة في الودائع لدى البنوك العاملة في الدولة، حيث ارتفع إجمالي الودائع خلال العامين الماضيين وهما أشد أعوام الأزمة المالية العالمية من 1, 867 مليار درهم كما في سبتمبر 2008 إلى 4, 985 مليار درهم في يونيو الماضي بزيادة قدرها 3, 118 مليار درهم.
وذلك وفقاً لإحصائيات مصرف الإمارات المركزي، الأمر الذي يؤكد توفر السيولة لدى البنوك، كما تؤكد الإحصائيات ارتفاعاً في تحويلات العاملين في دولة الإمارات إلى الخارج، حيث ارتفعت من 7, 36 مليار درهم (10مليارات دولار) عام 2008 إلى ما يتراوح بين 45 إلى 50 مليار درهم عام 2009 بما يشكل نحو 25 بالمائة من إجمالي قيمة تحويلات العاملين الأجانب في دول مجلس التعاون الخليجي.
وذلك وفقاً لإحصائيات مصرف الإمارات الصناعي. وتتطلب هذه السيولة الكبيرة وغير المستغلة أدوات مالية واستثمارية جديدة لاستقطابها وتوظيفها في اتجاه يدفع بالاقتصاد الوطني إلى المزيد من التعافي من تداعيات الأزمة المالية العالمية خاصة في ظل تراجع أداء قطاعا الأسهم والعقارات.
ودعا خبراء اقتصاديون وماليون التقتهم «البيان» إلى ضرورة طرح أدوات استثمارية ومالية جديدة تستفيد من السيولة الكبيرة المتوفرة في الدولة بما يوفر التمويل اللازم للعديد من المشروعات الإنتاجية الكبرى والمتوسطة التي تشكو من ضعف التمويل.
وإحداث تغييرات حقيقية في هيكل الائتمان المصرفي بحيث لا تصب غالبية قروض البنوك في خانة القروض الشخصية والاستهلاكية، بينما تفتقر المشاريع الإنتاجية إلى مصادر التمويل اللازم، مع استحداث منظومة تشريعات متكاملة تحدد واجبات وحقوق المستثمرين وتحمي مصالحهم.
متانة الاقتصاد
ويشدد نبيل فرحات المدير التنفيذي لشركة الفجر للأوراق المالية في أبوظبي على أن الودائع وتحويلات العاملين تعدان عاملين قويين على متانة وقوة الاقتصاد الوطني، إلا أنهما يؤكدان في الوقت نفسه على وجود أموال كبيرة غير مستغلة.
مشيراً إلى أن الإمارات في أمس الحاجة حالياً إلى أدوات استثمارية ومالية لجذب المزيد من السيولة، مشيراً إلى أن بعض هذه الأدوات مازالت في المراحل الأولى من تطورها، وتحتاج الدولة إلى تشريعات وقوانين لتنظم العلاقة مع المستثمرين وتحميهم، والسوق بحاجة ملحة إلى طرح سندات وصكوك للتأجير وما شابه ذلك ولكننا بحاجة إلى تشريعات متكاملة حتى يكون السوق شفافاً.
ويرى أن سوق التمويل في الدولة كبير للغاية لكن لا توجد أدوات مالية كافية بسبب غياب منظومة التشريعات القانونية اللازمة لعمل هذه الأدوات، وبالطبع لايمكن طرح أداة مالية جديدة لتمويل العقارات مثلاً بدون وجود تشريعات واضحة ومنظمة بشكل جيد لهذه الأداة.
ويلفت نبيل فرحات إلى أن بعض البنوك تصعب من عملية الإقراض منها، مؤكدة أنها لا تستطيع في الوضع الحالي استقطاب الودائع الكبيرة من الخارج، حيث ان أسواق التمويل الخارجي مغلقة، كما أن مصادر التمويل المحلي لها غير كافية، ويسعى المديرون التنفيذيون للبنوك اليوم إلى طلب المزيد من الودائع المحلية.
وغالبية البنوك في الدولة باستثناء بنكين فقط لديهم إنخفاض في قيمة الودائع، ويرجع ذلك إلى قلة العائد على هذه الودائع، الأمر الذي يؤكد أن البنوك ربما تواجه صعوبة حقيقية في تحصيل السيولة الجديدة، وأعتقد أن البنوك تحتاج إلى ضخ سيولة على شكل ودائع طويلة ومتوسطة الأجل بما لا يقل عن 150 مليار درهم لتستطيع التحرك بشكل طبيعي كما كانت قبل الأزمة المالية العالمية.
ويؤكد أن البنوك لم يحالفها التوفيق خلال الفترة السابقة في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها عماد الاقتصاد الوطني وليس فقط المشاريع الكبرى، والواقع يؤكد اليوم أن المشاريع الصغرى والمتوسطة تتآكل ولا تواجه أي اهتمام من البنوك.
تحويلات العاملين
ويرى نبيل فرحات أن الاستفادة من تحويلات العاملين داخل الدولة إلى الخارج يتطلب وجود مناخ من الثقة يجب أن تقوده وسائل الإعلام المختلفة في الدولة، بحيث تؤكد قوة ومتانة الاقتصاد الوطني لأن نشر أية أخبار سلبية على الاقتصاد الوطني تجعل المواطن قبل الوافد قلق على أمواله ويحرص على إخراجها إلى خارج الدولة، ومن المهم أن نقوي عناصر الثقة في الجهاز المصرفي في الدولة.
وعدم التركيز في استثماراتنا على قطاعي الأسهم والعقارات فقط ومحاولة حل أية مشكلات تواجههما، كما لابد من إيجاد طريقة للتفاهم والتعاون مع شركات التصنيف الإئتماني العالمية لأن التقارير السلبية لهذه الشركات تقلل من ثقة المواطنين والوافدين في الاقتصاد الوطني، وأعتقد أن هذا لو حدث فإن جزءاً كبيراً من تحويلات العاملين ستضخ إلى داخل الدولة وليس خارجها فقط.
ويلفت إلى أنه منذ بداية العام الجاري 2010 إلى نهاية شهر يوليو زاد حجم الودائع بنحو 10 مليارات درهم بما يشكل نسبة 1% فقط من إيرادات الدولة من النفط البالغ 150 مليار درهم، وهذا يعني أننا بحاجة إلى المزيد من تعزيز الثقة لرفع حجم الودائع خاصة طويلة الأجل ومتوسطة الأجل وبالذات الحكومية.
وأقترح أن يتم ذلك عن طريق قيام الحكومة بشراء ما بين 5% إلى 10% من إجمالي القروض والسلفيات الموجودة لدى البنوك، وهذا يخفف الضغط على البنوك ويوفر لها سيولة كافية، وهذا قد يتم بطرح أدوات مالية جديدة ولابد من وجود سياسة نقدية ومالية واضحة ومرنة تزيل أي غموض يمكن أن ينشأ.
الأدوات الاستثمارية البديلة
ويشير مجد المعايطة مدير إدارة خدمات الأوراق المالية في بنك أبوظبي الوطني إلى أن الأدوات الاستثمارية البديلة مقتصرة للآن على الأسهم وبعض وحدات الاستثمار مثل أنواع معينة من الصناديق الاستثمارية وبعض السندات، مشيراً إلى أن تجربة بنك أبوظبي الوطني في طرح بعض هذه الأدوات الاستثمارية وخاصة صندوق بنك أبوظبي الوطني «ون شير» داوجونز لدولة الإمارات .
والذي يعد أول صندوق استثماري متداول في أسواق المال في المنطقة قد لاقى إقبالاً كبيراً من المستثمرين المحليين والأجانب منذ انطلاقه في 25 مارس الماضي، وهناك أدوات استثمارية أخرى طرحها البنك واستقطبت مستثمرين بصورة جيدة، وفي بعض الأدوات الاستثمارية الجديدة كان هدفنا أن نصل إلى تغطية 50 مليون درهم لكن زاد الإقبال على هذه الأدوات ووصلت التغطية إلى 70 مليون درهم وهي لصناديق جديدة تم طرحها مؤخراً.
استقطاب الأموال
ونوه المعايطة إلى أن استقطاب المزيد من أموال المواطنين والمقيمين في الدولة يحظى باهتمام الجهات الرسمية في الدولة حالياً، مشيراً إلى أن هيئة الأوراق المالية والسلع والمصرف المركزي وبعض البنوك تعكف حالياً على دراسة إدراج المزيد من الأدوات الاستثمارية مثل صناديق وسندات وأدوات استثمارية جديدة وهذه خطوة إيجابية وصحيحة لتنشيط الاقتصاد بصفة عامة وأسواق المال بصفة خاصة.
ولفت إلى أن توجه الأفراد في الدولة إلى إيداع أموالهم في البنوك أو تحويلها للخارج أمر طبيعي في حالة فقدان البدائل الاستثمارية المجزية، مشيراً إلى أن الإنسان بطبيعته يتجه للاستثمار الآمن، ولا يوجد أفضل من الودائع للحفاظ على أمواله خاصة في ظروف مثل الأزمة المالية العالمية.
حيث ركدت الأسواق المالية المحلية والعالمية، لكن المهم أن نشجع الأفراد سواء مواطنين أو مقيمين على استثمار أموالهم في أدوات مالية جديدة على هيئة سندات أو صكوك أو صناديق استثمارية لكن بشرط أن نوفر لهم عوامل الثقة والطمأنينة.
وأعتقد أن الحكومة لو طرحت سندات أو صكوكاً فسوف تلاقي إقبالاً كبيراً، حيث ان الحكومة تتمتع بالملاءة المالية القوية والمصداقية العالية، ولكننا بحاجة إلى إصدار منظومة تشريعات متكاملة وواضحة بحيث نصون حقوق الجميع وأعتقد أن السيولة موجودة والتمويل متوفر لكن ما ينقصنا اليوم هو التشريعات الكفيلة بإيجاد وتنظيم عمل الأدوات المالية والاستثمارية الجديدة.
التمويل التأجيري
ويطالب رضا مسلم الخبير الاقتصادي والمدير الشريك في شركة تروث للاستشارات الاقتصادية في أبوظبي بالتوسع في أشكال وصيغ التمويل التأجيري في الدولة باعتباره أحد الأدوات والمنافذ الاستثمارية المتميزة لتوظيف فوائض مدخرات المواطنين والمقيمين إضافة إلى طرح منتجات جديدة ومبتكرة للتمويل طويل الأجل.
وهناك أشكال كثيرة منها تأسيس شركات متخصصة في التمويل التأجيري في قطاعات الطاقة أو المقاولات أو البناء أو الخدمات أو الصناعة أو غيرها من القطاعات الإنتاجية بحيث تجذب هذه الشركات إليها مدخرات المواطنين والمقيمين ويتم توظيفها في شراء معدات أو أجهزة يتم تأجيرها بمقابل مادي بحيث يتم توظيف الأموال بصورة جيدة وبمقابل عائد مجز لأصحابها.
ويؤكد أن هناك أدوات مالية واستثمارية كثيرة متميزة عرفتها العديد من دول العالم لكن تطبيقها في دولة الإمارات يحتاج إلى تشريعات متكاملة تحدد الواجبات والحقوق إضافة إلى توفير أجواء الشفافية والإفصاح وتوافر المعلومات الصحيحة حتى نتجنب وقوع أية مشكلات، ومن المهم أن نفكر في قيام شركات التأمين والشركات الاستثمارية الكبرى بأدوار تمويلية على غرار البنوك.
كما يحدث في العديد من دول العالم، كما لابد من التوسع في إصدار السندات وأن تتولى الحكومة زمامها بيدها، بحيث تصدر هي سندات وصكوك موجهة للمواطنين والمقيمين داخل الدولة بعوائد مجزية.
ومن المهم دفع الشركات الحكومية وشبه الحكومية الكبرى إلى طرح سنداتها داخل الدولة وليس خارجها فقط على هيئة اكتتاب عام بما يؤدي إلى إنشاء سوق سندات محلي قوي ومن المهم إيجاد التشريعات اللازمة لهذا السوق ولو تحقق فسوف يكون سهلاً جذب الكثير من مدخرات المواطنين والمقيمين داخل الدولة مما ينعكس إيجابياً على السوق المحلي والاقتصاد الوطني.
أبوظبي- عبدالحي محمد
