تطور الإطار المؤسسي لإدارة الدين على نحو متدرج، بدءاً بوضع القواعد التنظيمية والقوانين، ومروراً بإرساء آلية تكون بمثابة مظلة لتعبئة الموارد المالية التي يمكن توظيفها في عمليات الهيكلة وتسديد الديون، بحيث تنطلق إمارة دبي في التعامل مع هذه القضايا فائقة الأهمية من منطلق قوة، ووصولاً بإطلاق آليات مؤسساتية تناط بها مسؤولية تنفيذ السياسات وتحقيق الأهداف المرجوة، وبدا جلياً للمراقبين أن وضع أعمدة هذه الآليات أذن بإطلاق مرحلة جديدة في تعامل إمارة دبي مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، تتمثل أبرز مفرداتها في نهج الأسلوب المؤسساتي في إدارة هذه التداعيات على نحو كفؤ وفعال، حيث سيكون بالإمكان تجميع الجهود المبذولة من جانب مختلف الهيئات تحت مظلة بنية مؤسساتية تشتمل على التالي:

1 ـ اللجنة العليا للسياسة المالية

تم تأسيس اللجنة العليا للسياسة المالية في أكتوبر 2007 وتتمثل مسؤوليتها الرئيسية في الإشراف على السياسات المالية لإمارة دبي.

2 ـ قانون إجراءات الدين العام

أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قانون إجراءات الدين العام رقم 7 لسنة 2008، والذي حدد اللجنة العليا للسياسات المالية في إمارة دبي باعتبارها الجهة الحكومية الوحيدة المخولة باعتماد القروض نيابة عن حكومة دبي، والتي يحق لها أن ترخص للجهات الحكومية والشركات التي تساهم فيها الحكومة بالاقتراض المباشر، وذلك بموجب شهادة تصدرها اللجنة ولا تكون تلك القروض مضمونة من قبل الحكومة.

ونص القانون على أن الدين العام هو مجموع الالتزامات المالية المترتبة بذمة الحكومة مقومة بالدرهم ويشمل ذلك المديونية الداخلية والخارجية المترتبة على الجهات الحكومية، وللجنة العليا للسياسات المالية أن تفوض ثلاثة من أعضائها صلاحية التوقيع على مستندات الدين العام نيابة عنه.

ويعتبر توقيع مدير عام الدائرة المالية وعضو آخر على الأقل النصاب القانوني لصحة تمثيل اللجنة بالتوقيع على أي مستند من مستندات الدين العام والتي تشمل دونما حصر قرارات إصدار الدين بكافة أنواعها واتفاقيات القروض واتفاقيات إعادة جدولة الديون وقرارات التسديد المبكر للديون.

3 ـ برنامج سندات دبي

أطلقت حكومة دبي برنامج سندات طويلة الأجل بقيمة 20 مليار دولار وذلك لتوفير التمويل اللازم لدبي للوفاء بالتزاماتها المالية ومواصلة برامج التنمية، حيث قام مصرف الإمارات المركزي بالاكتتاب بالكامل على الإصدار الأول منه بقيمة 10 مليارات دولار. وقد تم إصدار هذه السندات غير المضمونة بسعر فائدة ثابت تبلغ نسبته 4 في المائة سنوياً، في حين تستحق السندات الدفع بعد 5 سنوات، ووفر هذا الإصدار لحكومة دبي السيولة اللازمة للاستعاضة عن تراجع مستويات السيولة على المستوى العالمي خلال الفترة الأخيرة، وساهم هذا البرنامج في تعزيز الثقة بقدرة إمارة دبي على تسديد ديونها، ودعم قدرتها على إدارة التزاماتها المالية، وهو ما ساهم إلى حد بعيد في دحض التكهنات حول قدرة إمارة دبي على سداد ديونها المستحقة على المدى القصير والمتوسط.

وفي سياق متصل، استطاعت حكومة دبي توفير دعم مهم وحيوي من حكومة أبوظبي، ومصرف الإمارات المركزي، بعد سلسلة من المشاورات الوثيقة في هذا الشأن، أسفرت عن توفير حكومة أبوظبي دعماً مالياً قدره 10 مليارات دولار، لمصلحة «صندوق دبي للدعم المالي»، والذي سيتم استخدامه لتغطية بعض الالتزامات المترتبة على دبي العالمي، وتضمن بيان صادر عن سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس اللجنة المالية العليا في دبي، الإشارة إلى أن حكومة دبي، خصصت كإجراء أولي تجاه هذا الدعم، مبلغ 1,4 مليارات دولار لتستخدم في سداد الصكوك المستحقة وسيخصص المبلغ المتبقي من الدعم، لتسديد الفوائد والمصروفات التشغيلية لـ «مؤسسة دبي العالمية».

4- صندوق دبي للدعم المالي

أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء بصفته حاكماً لإمارة دبي، قانوناً بإنشاء صندوق دبي للدعم المالي «صندوق الدعم».

وتقوم دائرة دبي المالية بموجب القانون رقم (24) لسنة 2009، بمساندة إنشاء «صندوق الدعم»، فيما تقوم اللجنة العليا للسياسة المالية في إمارة دبي بالإشراف الكامل على الصندوق.

وسلط عبد الرحمن آل صالح مدير عام دائرة المالية بحكومة دبي المزيد من الضوء على الصندوق بالتنويه إلى أن صندوق دبي للدعم المالي سيكون مسؤولاً بالنيابة عن حكومة دبي عن إدارة العوائد الناتجة عن برنامج إصدار السندات البالغة قيمته الإجمالية (20) مليار دولار، وسيقوم بمنح القروض والتسهيلات الائتمانية على أساس تجاري بحت للجهات الحكومية وغير الحكومية التي تقوم بتنفيذ المشاريع الاستراتيجية والتطويرية في إمارة دبي، حيث سيتم تقييم كل طلب مقدم للحصول على الدعم على حدة ووفق معايير محددة سلفاً لضمان كفاءة تخصيص الأموال وانسجامها مع استراتيجية دبي للنمو على المدى الطويل.

ويعد صندوق دبي للدعم المالي بموجب القانون مؤسسة قانونية مستقلة، تهدف إلى تقديم الدعم المالي والسيولة النقدية للجهات الحكومية وغير الحكومية التي تعمل على مشاريع في دبي تتصف بأهميتها الاستراتيجية وتدعم التنمية الاقتصادية للإمارة، كما رخص للصندوق الاحتفاظ نيابة عن الحكومة بحصيلة «أذونات الدين» وإدارتها واستثمارها وتحصيل العوائد الناتجة عن تحصيل سندات القروض وإعادة استثمارها، بالإضافة إلى توفير القروض والتسهيلات الائتمانية على أساس تجاري للجهات الحكومية وغير الحكومية المؤهلة للدعم حسب المعايير والضوابط التي وافقت عليها اللجنة العليا ووفق أحكام القانون رقم (24) لسنة 2009 .

وكما هو معتاد في القروض التجارية فلن يقوم صندوق الدعم بالكشف عن أسماء الجهات المستفيدة من الدعم المالي وسيكون الإفصاح عن تفاصيل الدعم مسألة خاصة بالجهة المعنية ومنوطاً بقرارها وحدها».

وفي يوليو 2009، أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء «رعاه الله»، بصفته حاكماً لإمارة دبي، مرسوماً رقم (41) لسنة 2009، بشأن تعيين رئيس وأعضاء مجلس إدارة صندوق دبي للدعم المالي (صندوق الدعم)، الذي تم تأسيسه الشهر الماضي وفقاً للقانون رقم (24) لسنة 2009، كمؤسسة قانونية مستقلة مسؤولة بالنيابة عن حكومة دبي عن إدارة عوائد برنامج إصدار السندات البالغة قيمتها 20 مليار دولار أو أي إصدارات أخرى.

وفي السياق نفسه، أصدر سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، قراراً رقم (19) لسنة 2009، بتعيين مروان إقبال عابدين مديراً تنفيذياً لصندوق دبي للدعم المالي، والذي سيتولى مهمة الإشراف على الأعمال اليومية للصندوق.

وفي أغسطس 2009 أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، بصفته حاكماً لإمارة دبي، قراراً بشأن الضمانات المالية الواجب توفرها للاستفادة من صندوق دبي للدعم المالي، ونص قرار الضمانات المالية الواجب توافرها للاستفادة من صندوق دبي للدعم المالي أنه يجب على أية جهة ترغب في الحصول على الدعم المالي من الصندوق أن تقدم الضمانات المالية لسداد ما يترتب عليها من التزامات تجاه الصندوق، ويشترط أن تكون هذه الضمانات موجودة داخل الدولة.

وأن تكون ذات عائد مضمون، وأن تكون قابلة للحصول على قيمتها نقداً عند الحاجة، ويجب أن يكون طلب الحصول على الدعم المالي مصحوباً ببيان تفصيلي بتلك الضمانات، وبتقرير يتضمن تقدير قيمتها صادر عن جهة ذات خبرة ومعترف بها في هذا المجال، ويكون للجنة صلاحية قبول أو رفض تلك الضمانات وتقدير مدى كفايتها.

5- لجنة قضائية للفصل في منازعات دبي العالمية

أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، بصفته حاكماً لإمارة دبي ـ حفظه الله ـ مرسوماً بتشكيل لجنة قضائية خاصة للفصل في المنازعات المتعلقة بتسوية الوضع المالي لمؤسسة دبي العالمية والشركات التابعة لها.

وجاء إصدار هذا المرسوم من منطلق حرص حكومة دبي على حفظ حقوق دائني دبي العالمية والشركات التابعة لها وانطلاقاً من التزامها الرامي إلى تعزيز دور إمارة دبي في الاقتصاد العالمي وضمان حصول المؤسسات التمويلية على كامل حقوقها المالية وتعهداً منها بالعقود المبرمة مع دائنيها.

وتأكيداً لقدرتها على الوفاء بهذه الالتزامات بالنظر إلى ما تمتلكه من اقتصاد قوي راسخ يرتكز إلى ما يتمتع به اقتصاد دولة الإمارات العربية من ديناميكية قادرة على امتصاص تبعات الأزمة المالية العالمية وبما تمتلكه إمارة دبي من بنية تحتية وأصول بنيوية اقتصادية متنوعة وكبيرة ويأتي إصدار هذا المرسوم في إطار ترجمة قرار حكومة دبي الذي أعلنته في وقت سابق بإعادة هيكلة مؤسسة دبي العالمية والشركات التابعة لها بكل شفافية.

وثمن محللون هذا الأسلوب بأنه يسهم في تلبية احتياجات السوق من ناحية تعزيز مستويات الإفصاح والشفافية، كما أنه يوفر آلية تعين على الوقوف على الحجم الحقيقي للتحديات الناجمة عن الأزمة المالية العالمية،.

دبي ـ مجدي عبيد