جرت ترجمة إستراتيجية إدارة الديون على أرض الواقع من خلال اتباع حزمة من التدابير والسياسات التي تكفل تحقيق الأهداف المنشودة والمرجوة، وفيما تميزت الأهداف الموضوعة بالثبات النسبي، بوصفها معايير يمكن من خلال تقييم إدارة الدين، وفي نفس الوقت، تخدم كخطوط إرشادية وتوجيهية في بلورة السياسات.

وتحديد أنسب الخيارات، إلا أنه في الوجه المقابل، بدا للمراقبين أن حزمة السياسات والتدابير قد تشكلت وتطورت مع مراحل تطور الأزمة المالية العالمية، بما واكبها من تحول في التقييمات والتشخيصات لحجم تداعيات وانعكاسات هذه الأزمة على اقتصاد إمارة دبي.

وظهر جليا للعيان أن سياسات إدارة الدين مرت بمرحلتين مفصليتين، تتمثل المرحلة الأولى في اتباع سياسات تأقلم وتكيف مع الأزمة المالية بوصفها دورة اقتصادية طبيعية، فدورة الركود والتباطؤ سيتلوها حتما ازدهار وانتعاش اقتصادي، وبالتالي، فإن مهمة السياسات تتمحور حول التحفيز الاقتصادي للتسريع بدوران عجلة الدورة الاقتصادية على نحو يجلب التعافي والانتعاش في وقت وجيز، أما المرحلة الثانية، فهي الإصلاح الهيكلي لأوجه الاختلالات التي ساهمت الأزمة المالية العالمية في إبراز مدى عمقها وحجمها.

سياسات التأقلم

ومن ثم، وإلى جانب سياسات التأقلم والتكيف، طفا على السطح حزمة جديدة من السياسات تعكس تحولا في تشخيص تداعيات الأزمة المالية على إمارة دبي، بأن بات ينظر إليها على أنها تنطوي على فرصة لتحقيق مقومات النمو المستدام، بحيث يخرج اقتصاد إمارة دبي من عنق الزجاجة وهو أكثر قوة وصلابة على مواجهة أي تحولات في الدورة الاقتصادية.

وبالتالي، وعلى خلاف المرحلة الأولى التي كانت فيها سياسات التحفيز الاقتصادي تمثل المحور الرئيسي للسياسات الاقتصادية، شغلت سياسات إدارة الدين في المرحلة الثانية وهي مرحلة الإصلاح الهيكلي موقع القلب في تعامل إمارة دبي مع الأزمة المالية العالمية.

وبالتالي، اكتسبت سياسات إدارة الدين معاني ودلالات تجاوزت مجرد التعامل الضيق مع مشكلة الديون بحصرها في دائرة الوفاء بالالتزامات والديون المستحقة، بأن أصبحت تتعامل مع المشكلة من منطلق نظرة أكثر اتساعا وهي تصحيح الاختلالات الهيكلية لتحقيق النمو المستدام الطويل الأجل.

وإذا كان العنوان العريض للمرحلة الراهنة في إدارة الدين هي الإصلاح الهيكلي، فقد تجسدت تعبيرات هذه المرحلة على هيئة تدابير وإجراءات وسياسات، بالإمكان استقراء معالمها من واقع أفعال وقرارات المسؤولين في إمارة دبي وتتمثل في التالي:

تقديم الدعم بحسب الجدوى الاقتصادية وبشروط تجارية

شرح عبد الرحمن آل صالح مدير عام دائرة المالية في إمارة دبي منطق ومحتوى هذه السياسة في ثنايا تصريحاته الصحافية التي أدلى بها في مناسبات مختلفة، فمن بين ما قاله إشارته بشكل واضح إلى أن تقديم الدعم يعتمد على مطابقة معايير على جانب كبير من الأهمية، موضحا أن هذا الدعم يعتبر «أمرا استراتيجيا بحت ولذا يجب أن تكون الجهات المستحقة للدعم لها أثر عظيم على اقتصاد الإمارة».

ولكنه من جانب آخر أكد على أن صندوق الدعم سيقوم بمنح القروض والتسهيلات الائتمانية على أساس تجاري بحت للجهات الحكومية وغير الحكومية التي تقوم بتنفيذ المشاريع الإستراتيجية والتطويرية في إمارة دبي، حيث سيتم تقييم كل طلب مقدم للحصول على الدعم على حدة ووفق معايير محددة سلفاً لضمان كفاءة تخصيص الأموال وانسجامها مع إستراتيجية دبي للنمو على المدى الطويل.

الفصل القاطع بين الهيئات الحكومية وشركات إمارة دبي

ويكمن هنا أحد التغييرات الهيكلية التي شهدتها البنية الاقتصادية في دبي، إذ لم يكن راسخا في الأذهان الخطوط الفاصلة بين ما هو عام وما هو خاص، وبناء على هذا الخلط، ظهرت توصيفات عديدة للشركات الضخمة التابعة لإمارة دبي، ما بين القول بأنها شركات تتبع حكومة دبي، والقول بأنها شركات شبه حكومية، وقول ثالث بأنها شركات تتمتع بتغطية حكومة دبي.

وفي وسط هذه التوصيفات المتعددة التي تعكس حالة من التشويش وغياب الرؤية الواضحة، تدخل الخطاب الاقتصادي الرسمي ليضع حدودا واضحة وجلية تفصل بين الهيئات الحكومية والشركات.

ومثل طلب شركة دبي جدولة ديونها مناسبة لإعلان حقيقة الفصل القاطع بين الشركات والهيئات الحكومية، وذلك فيما يتعلق بضمان حكومة دبي لديونها، إذ جرى الإعلان رسميا بأن حكومة دبي تقدم الدعم لشركة دبي العالمية، ولكنها لا تضمن ديونها.

ورغم أن هذا الإعلان كان بمثابة شرارة تفجر الحملة الإعلامية المعادية لإمارة دبي، إلا أنه في المحك النهائي أزال أوجه اللبس وسوء الفهم بشأن الفروقات بين الهياكل الاقتصادية والتجارية في إمارة دبي، وبات جليا للعيان أن من المسلمات الرئيسية لمرحلة إعادة الهيكلة هي التحديد الواضح والجلي للمسؤوليات والأدوار، فكما أن للعمليات الحكومية أدوار ومسؤوليات، فإن للشركات أساليب ونماذج أعمال ذات طبيعة مختلفة.

فبقدر ما يؤدي الغطاء السياسي للشركات إلى تشوهات في أساليب مباشرتها على المدى الطويل، وذلك على صعيد اعتمادها مؤشرات محددة للأداء والإنجاز والتقييم والمحاسبة والتعامل مع والأزمات قبل استحكامها، فإنه وبالقدر ذاته يؤدي إلى تكبيل العمليات الحكومية بالتزامات تثقل كاهلها، بل هناك آراء قدرت بأنه لو قامت حكومة دبي بتسديد قروض الشركات لانتقلت الأزمة من الشركات إلى الحكومة ذاتها .

وشرح عبد الرحمن آل صالح المدير العام لدائرة المالية في إمارة دبي الفارق بين تقديم الدعم والضمان ـ بحسب تصريحاته ـ بإشارته إلى أن هناك فرقا بين الضمان والدعم، فشركة نخيل غير مضمونة من الحكومة لكنها تتلقى الدعم الكبير منذ تأسيسها، وأضاف قائلا أن شركة «نخيل» لديها من الدخل المالي والأصول ما يكفي للوفاء بالتزاماتها بكل يسر، مشيراً إلى أنها ـ أي نخيل ـ قد تبيع جزءاً من أصولها للوفاء بالتزاماتها، حالها في ذلك حال أية شركة تريد الوفاء بما عليها من التزامات مالية.

وبناء على إعلان حكومة دبي عدم ضمانها لديون شركة دبي العالمية، رغم تقديمها الدعم لها، توالت المشاهد التي ترسخ الفصل بين الهيئات الحكومية وشركات إمارة دبي، فمن جانب اخر أعلن الناطق باسم شركة طيران الإمارات التي تعد أبرز الشركات في دبي من حيث القيمة، وأكبر عملاء لطائرات «إيرباص»الضخمة من طراز إي 380، أن ديون الشركة لا تحظى بضمانة حكومة الإمارة، وأشار الناطق إلى أن حكومة دبي لا تضمن أياً من ديون الشركة ولا سنداتها.

وعلى الجانب المقابل، وتأكيدا لمسألة الفصل بين الهيئات الحكومية وشركات إمارة دبي، أعلنت هيئة كهرباء ومياه دبي، وهي هيئة حكومية، وذلك على لسان سعيد محمد الطاير عضو مجلس الإدارة المنتدب الرئيس التنفيذي أن ديون الهيئة مضمونة من الحكومة، ولكنه أكد أن الهيئة قادرة على سداد القروض التي حصلت عليها .

الشفافية

تفاعلت إمارة دبي مع افتراءات وأكاذيب الحملة الإعلامية الشرسة بمواصلة انتهاج سياسات «الشمس المشرقة» باعتبار أن غياب الشفافية يفاقم مضاعفات الأزمة، ويزيد المخاوف، وينشر الإشاعات، وفي النهاية، يدخل الجميع في دائرة مغلقة غير معروف كيفية الخروج منها.

وبالتالي، وعندما يجري اتباع سياسات الشمس المشرقة، يكون بالمقدور استعادة الثقة، حيث يكون بالمقدور معرفة ما يحدث فعلا وإلى أين يتجه الاقتصاد، فالثقة في المحك النهائي هي عبارة عن مفهوم مجرد لا يمكن رؤيته أو لمسه، ولكن يمكن إدراكه والإحساس به.

وتتجلى سياسات الشمس المشرقة في الإقرار العام في دبي بحقيقة التحديات المالية التي تواجهها، وأن هذه التحديات هي نتيجة للأوضاع العالمية، ولكن تبقى مقومات الاقتصاد الإماراتي تتميز بالقوة، سواء من ناحية السياسات التي جرى اتباعها والتي ساهمت في تنويع هيكل الاقتصاد الإماراتي، أو من ناحية زيادة انفتاحه على العالم الخارجي، وتحرير سياسات العمالة والتوظيف، ومن شأن تضافر هذه الاعتبارات مجتمعة أن تساعد الإمارات على استعادة الانتعاش، والخروج من معدلات النمو المنخفضة.

وربما يكمن سبب اتهام الحملة الإعلامية إمارة دبي بعدم الشفافية في رغبة هؤلاء في معرفة إن كانت هناك جهات ستتقدم لتغطية ديون شركة دبي العالمية. وليس المقصود بالإفصاح عن الأرقام، فأرقام دبي معلنة ومعروفة بأفضل من غيرها، إذ كشفت الحكومة عن تفاصيل هذا الديون، مقابل الأصول التي تملكها الحكومة. كما كشفت عن ديون شركة دبي العالمية، كما ان المسؤولين في دبي خرجوا إلى العالم ليعلنوا بكل ثقة أنهم يريدون تأجيل الديون وجدولتها، ولو كان هناك أي نية أخرى كما يريد البعض أن يصور لما أقدمت دبي على هذه الخطوة .

الربط بين جدولة الديون والهيكلة

وفر تعامل حكومة دبي مع مديونية شركة دبي العالمية نموذجا لكيفية التعامل مع ديون الشركات بشكل عام، ويبرز في قلب هذا النموذج، مسألة الربط بين جدولة الديون وهيكلة عمليات الشركة، فقبل الإعلان عن تولي صندوق دبي للدعم هيكلة شركة دبي العالمية، بادرت الشركة بالإفصاح عن أبرز الخطوط العريضة لإعادة هيكلة عملياتها، إذ نوهت إلى أن هذه العملية ببعض الشركات التابعة لها بما فيها شركتا «نخيل العالمية» و«ليمتلس العالمية .

ووفقا لبيانات الشركة، وبالتالي فإن عملية إعادة الهيكلة لن تشمل شركة عالم الموانئ والمناطق الحرة» وكلا من شركاتها التابعة لها وهي «شركة موانئ دبي العالمية و«شركة عالم المناطق الاقتصادية» و«شركة عبارات بي أند أو» و«منطقة جبل على الحرة».

والتي تتمتع جميعها بوضع مالي مستقر، وهو ما يؤشر على التمييز في إطار الشركة الواحدة بين الأصول الجيدة، وتلك التي تعاني من مصاعب مالية، إذ أفادت بيانات مجموعة دبي العالمية أن القيمة الإجمالية لديون دبي العالمية والشركات التي تخضع لعملية إعادة الهيكلة تبلغ نحو 26 مليار دولار أميركي، ووفقا للتصورات التي أوردتها بياناتها، ستنقسم عملية إعادة الهيكلة إلى عدة مراحل تشمل:

مرحلة تخطيط الأعمال، ومرحلة تحديد المستوى التي يمكن المحافظة من خلالها على تحقيق الربح وتوليد النقد، ومرحلة تقييم خيارات تخفيض المديونية بما في ذلك بيع الأصول، ومرحلة تقييم احتياجات التمويل، ومرحلة صياغة مقترحات إعادة الهيكلة ورفعها للدائنين وتنفيذها.

صندوق الدعم

وقد تلت هذه الخطوة مباشرة، إعلان حكومة دبي ممثلة باللجنة العليا للسياسات المالية، عن تخويل صندوق دبي للدعم المالي (صندوق الدعم) ترؤس عملية إعادة هيكلة مجموعة دبي العالمية وذلك بشكل فوري، وبدأت العملية بتعيين آيدان بيركيت، الشريك الإداري في قسم تمويل المؤسسات في شركة ديلويت كرئيس لإعادة الهيكلة في دبي العالمية وفقاً لقرار من صندوق الدعم، وبموجب القرار، سيعمل رئيس إعادة الهيكلة مع فريق الإدارة التنفيذي في المجموعة على الإشراف على عملية إعادة الهيكلة وضمان استمرار عمليات دبي العالمية التشغيلية، وسيقوم صندوق الدعم بالعمل مع رئيس إعادة الهيكلة بتقييم وتقدير حجم عملية إعادة الهيكلة اللازمة.

وأكدت دبي العالمية التزامها بإبقاء قنوات التواصل مع جميع أصحاب المصالح مفتوحة بشكل مباشر ومستمر وفي الوقت المناسب إدراكاً منها للفائدة القصوى التي تعود من جراء ذلك على جميع الأطراف.

دبي ـ مجدي عبيد