بدا جليا للعيان من واقع تصريحات وأقوال المسؤولين في الدولة، أن استراتيجية إدارة الدين لم تنشد تحقيق أهداف ضيقة وقصيرة الأجل، كتلك المتعلقة بتمديد آجال استحقاق التزامات الديون، بل بدا واضحا أن الاستراتيجية تسعى إلى أهداف تتميز بالشمولية والاتساع والتنوع.
وذلك إلى حد تحفيز المراقبين على الاقتناع بأن استراتيجية إدارة الدين تمثل جوهر وقلب استراتيجية كبرى تتعلق بإعادة هندسة الوضع الاقتصادي في إمارة دبي. لكي يكون مجهزاً بالآليات والمؤسسات والإمكانيات التي تؤهله مجددا للانطلاق بناء على أسس مستدامة، واشتملت هذه الأهداف على ما يمكن تسميته بالقيم العليا والسامية والتي تشكل ثوابت لأي انطلاقة اقتصادية، بحيث تكون هذه الانطلاقة امتدادا عضويا للمقومات التي أكسبت النهضة الاقتصادية في إمارة دبي طابعها المتميز والمتفرد، وتتمثل هذه الأهداف في التالي.
توطيد بنيان الدولة
كانت الأزمة المالية العالمية وما أدت إليه من نتائج وتأثيرات سلبية طالت إمارة دبي كما طالت غيرها من مناطق العالم المختلفة، مناسبة للبعض على المستويين العربي والأجنبي، للحديث عن صراع أو خلاف إماراتي فيما يتعلق بسبل مواجهة الأزمة والتصدي لها.
صدرت كل التأكيدات على أكثر من مستوى داخل الإمارات، بما في ذلك تلك التي صدرت عن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وزيارة سموه إلى دبي، حيث أكد سموه أن دولة الإمارات العربية المتحدة دولة واحدة، وأنها تواجه مشاكلها بروح واحدة واستراتيجية واحدة، وأنه لا سبيل للحديث عن صراع وإنما تنافس إيجابي.
وبعد إعلان حكومة دبي طلب جدولة ديون مجموعة دبي العالمية، أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أنه عندما يتعلق الأمر بما أودعه لنا الآباء المؤسسون من أمانة فنحن لا نتردد ولا نجامل ولا نتهاون وبهذا نصون اتحادنا وندافع عن هويتنا ونحمي دولتنا.
وشدد سموه على أنه تم تجاوز المرحلة الأصعب من الأزمة، واعتبر سموه كذلك أن نجاح النموذج الاقتصادي الجديد يتطلب منا رؤية شمولية واضحة وترتيبا محكما للأسبقيات والاستمرار في إصلاح السياسات الاقتصادية والمالية والائتمانية والسياسات الحاكمة لسوق العمل وتأكيد وحدة هذا السوق على امتداد الوطن وعدم تجزئته.
وعلى الرغم من ذلك فإن الحديث عن خلافات لم يتوقف من قبل الصحافة الغربية التي استمرت في نشر التقارير والمقالات في هذا الشأن، ومن هنا، جاء إطلاق اتحاد عام غرف التجارة والصناعة حملة للرد على مثل هذه التقارير والمقالات تحت اسم «كلنا الإمارات».
وقد جاء إطلاق هذه الحملة بعد تأكيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن الامارات كيان واحد، بتشديد سموه على أن كل ما في دبي وأبوظبي هو لدولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها، وأكد سموه في مناسبة أخرى أن دبي جزء لا يتجزأ من اتحاد دولة الإمارات .
وهي جسد واحد ومصيرها واحد منوها سموه بأن الأسرتين الحاكمتين آل نهيان وآل مكتوم في أبوظبي ودبي هما أسرة واحدة وتربطهما أواصر القربى والدم وجذورنا واحدة ولا يمكن فصم عرى هذه الصلات فمن يتكلم عن أبوظبي ودبي كإمارتين تسيران في اتجاهين متعاكسين، أقول لهؤلاء اصمتوا ولا تتفوهوا بما هو عكس الواقع تماما لأننا دولة واحدة نفتخر برئيسنا أخي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ونحن فخورون بدولتنا وبشعبنا وشعبنا فخور بقيادته وحكمتها وعروبتها وأصالتها.
البناء على سجل الإنجازات
أن استراتيجية دبي في إدارة الدين تستهدف أن تحرز إنجازات تضاف إلى سجل الإنجازات التي حققتها الإمارة على مدار العقود الماضية، وألا تكون بمثابة انتقاص وسلب من نهضة دبي الاقتصادية الشاملة، وتطرق عبدالرحمن آل صالح مدير عام دائرة المالية بحكومة دبي ورئيس مجلس إدارة صندوق دبي للدعم المالي إلى هذا الهدف في ثنايا التصريح الذي أدلى به في 11 أغسطس 2009 بقوله:
لقد حققت دبي إنجازات عظيمة خلال الثلاثة عقود الماضية، لاسيما في تطورها كمركز إقليمي لقطاعات مختلفة تشمل التجارة والنقل والسياحة والقطاع المالي. وتهدف حكومة دبي إلى أن تبني على هذه الإنجازات وأن تحقق النمو الاقتصادي وفقاً لاستراتيجيتها طويلة المدى.
وليس أدل من ذلك استمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المحلي، إضافة إلى أزمتي مجموعتي سعد والقصيبي السعوديتين وآثارهما السلبية على الواقع المصرفي الإماراتي، ورغم ذلك، فقد شهد عام 2009 أيضاً إنجازات لا يمكن إغفالها.
ومن هذه الإنجازات إصدار مؤسسة «ميريل لينش» العالمية تقريرًا اقتصاديًا توقعت فيه أن تكون الإمارات هي الأولى خليجيًا في معدلات الاستفادة من الانتعاش الاقتصادي العالمي بين دول مجلس التعاون الخليجي تليها السعودية، كما أكد التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال غير مستفيدة بشكل كامل من الانتعاش العالمي؛ بسبب تراجع قيم البورصات في موسم الصيف الذي يعد موسم ركود بالنسبة لتلك الدول.
مواصلة تنفيذ مشروعات البنية التحتية
رغم تشدد أسواق الائتمان في العالم نتيجة للازمة المالية العالمية، وضعت استراتيجية إدارة الديون هدفا رئيسيا يتمثل في مواصلة تنفيذ مشروعات البنية التحتية، ويتجلى الدليل على ذلك في الافتتاح الرسمي لمترو دبي، وفي فبراير من العام الجاري، أعلنت دائرة المالية أنه قد تم تسديد جميع الالتزامات المعلقة لمشاريع البنية التحتية للقطاع العام بما فيها تلك الخاصة بشبكة قطارات الإنفاق وتوسعة المطار.
المحافظة على الثقة المستدامة للمستثمرين والأسواق
استهدفت استراتيجية إدارة الديون المحافظة على ثقة المستثمرين والأسواق المالية في قدرة إمارة دبي على دفع التزاماتها وديونها والمستحقات المطلوبة منها، وذلك بناء على قناعة جازمة بأن دفع المستحقات خير دليل على قدرة الإمارة على مواجهة تداعيات الأزمة المالية.
ويعد في الوقت ذاته السلاح العملي لإفشال الهجوم الشرس من قبل التقارير الغربية المتشككة في قدرة دبي على مواجهة الأزمة، فعلى الرغم من التطمينات الحكومية المستمرة، إلا أن هذه التأكيدات لم تهدئ وطأة الهجوم الإعلامي، وهو ما دعا الشركات في دبي إلى التسابق فيما بينها لدفع المستحقات حتى قبل حلول آجالها.
ورغم ردود الفعل الارتجالية من قبل بعض وسائل الإعلام العربية والمبالغة المفرطة للأسواق في استجابتها لإعلان شركة دبي العالمية بطلب جدولة ديون بعض الشركات التابعة لها، إلا أن طلب الجدولة في حد ذاته لم يشكل خروجا على هدف استراتيجية إدارة الدين الخاص بالمحافظة على ثقة المستثمرين والأسواق، بل طرأ تغير في مفهوم الثقة بألا تكون ناتجة عن نهج في معالجة المستحقات والديون ذات أجل قصير وآني، بل تكون ناتجة عن اتباع أسلوب في الإدارة يحقق مبدأ استدامة الثقة على الأجل الطويل.
وبحسب التقارير الصحافية، نجحت الشركات التابعة لإمارة دبي في الوفاء بكل ما ترتب عليها من التزامات دين حتى قبل مواعيد استحقاقها وتمكنت شركات حكومة دبي من سداد وإعادة تمويل ديون تزيد قيمتها على 11, 7 مليارات دولار منذ بداية الأزمة حتى أكتوبر من العام الماضي.
حيث قامت بورصة دبي العالمية في فبراير بإعادة تمويل قرض بقيمة 3, 8 مليارات دولار بعد حصولها على قرض بقيمة 2, 5 مليارات دولار لإعادة تمويل تسهيلات الضمان التي تم استخدامها لتمويل استثماراتها في مجموعة «ناسداك أو أم إكس» وبورصة لندن. كما قامت هيئة كهرباء ومياه دبي بإعادة تمويل تسهيلات بقيمة 2, 2 مليار دولار استحقت في شهر إبريل الماضي، وفي الشهر نفسه وقعت دائرة الطيران المدني في دبي اتفاق إجارة بمليار دولار.
ووفقاً لبيانات من تقرير «ميريل لينش» فإن «دبي انترناشيونال كابيتال» تمكنت من سداد استحقاقات بقيمة 854 مليون دولار، كما سددت مجموعة دبي القابضة التزامات بقيمة 300 مليون دولار استحقت على شركة سما دبي التابعة لها. ووفقاً لبيانات «دويتشه بنك» حصلت دبي لصناعات الطيران على قرض بقيمة 500 مليون دولار لإعادة تمويل ديون مستحقة عليها.
وحصلت ليمتلس التابعة لدبي العالمية على قرض بقيمة 500 مليون دولار لإعادة تمويل ديون مستحقة هذا العام أيضاً. وتمكنت شركة إينوك هذا العام من سداد دين بقيمة 500 مليون دولار، وبلغت بذلك القيمة الإجمالية لتسديدات ديون الشركات دبي حوالي 9, 65 مليار دولار ويمثل هذا الرقم حصة تزيد على 74% من إجمالي استحقاقات الدين على شركات دبي للعام الجاري وفقاً لتقديرات دويتشه بنك وميريل لينش التي تقدر هذه الالتزامات بحوالي 13 مليار دولار.
وكانت دبي العالمية قد نجحت في نهاية العام الماضي في الوفاء بالتزامات بقيمة 890 مليون دولار استحقت على شركة انفينيتي التابعة لها كدفعة أخيرة ضمن قرض إجمالي بقيمة 1, 2 مليار دولار حصلت عليه الشركة لتمويل شراء 9, 4% من أم جي أم ميراج.
وسددت دبي القابضة للعمليات التجارية في نهاية 2008 حوالي 272, 5 ملايين دولار ضمن برنامج سندات اليورو، كما تمكنت دبي القابضة للعمليات التجارية من سداد دين ب382 مليون دولار في نهاية 2008 ليصل إجمالي التسديدات التي قامت بها مجموعة دبي القابضة في شهر نوفمبر 2008 إلى 653 مليون دولار. وبدورها سددت شركة مركز دبي المالي العالمي للاستثمارات حوالي 500 مليون دولار في نهاية العام الماضي.
تصحيح أوجه الخلل الهيكلي ومنع نشوء تشوهات اقتصادية جديدة
جاء إدخال عنصر الاستدامة ضمن هدف استراتيجية إدارة الدين الخاص بالحفاظ على ثقة المستثمرين والأسواق، لخلق علاقة انسجام وتناغم مع هدف آخر لاستراتيجية إدارة الدين.
وهو تصحيح أوجه الخلل الهيكلي، والحيلولة دون أن يؤدي دعم الشركات في الوفاء بالتزامات الديون إلى خلق تشوهات اقتصادية جديدة، فكما قادت الأزمة المالية العالمية إلى مراجعة الكثير من الفرضيات والمسلمات المتعلقة بتحقيق النمو المستدام، فانها أفضت في الوقت ذاته إلى مراجعة أسس استراتيجيات أعمال الشركات فيما يتعلق بمدى الاعتماد على الرافعة المالية في تمويل خطط وبرامج توسعها.
وفيما إذا كانت تمتلك قدرات وإمكانيات ذاتية لتسيير أعمالها على أسس تجارية محضة من دون الاعتماد على غطاء سيادي، وبالتالي، طورت استراتيجية إدارة الدين هدفها الخاص بالوفاء بالديون بأن يكون هذا الإجراء ضمن خطة طويلة الأجل لإعادة الهيكلة تستهدف تصحيح أوجه الاختلالات الهيكلية، وذلك على نحو يضع الشركات المتعسرة على مسار النمو المستدام.
وتجلى التعبير عن هذا الهدف في التصريح الذي أدلى به سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية، عندما أشار سموه إلى أن إعادة جدولة ديون «دبي العالمية» هي خطوة تجارية منطقية بحتة، تهدف إلى حمل الشركة لمرحلة جديدة أساسها الربحية المستدامة. وهذا بحد ذاته ليس أمراً مستغرباً في الأسواق العالمية للشركات التي تواجه مصاعب جمة بعد الأزمة المالية.
دبي ـ مجدي عبيد

