أرست إمارة دبي نموذجا متميزا في معالجتها للأزمة المالية العالمية، يشتمل على أهداف وسياسات وتصورات محددة، تنطلق من الإدراك العام بأهمية توظيف الأزمة المالية بأبعادها ومجالاتها المختلفة لجلب تغييرات هيكلية، تكفل الحفاظ على حيوية نموذجها الاقتصادي بشكل مستدام، ويعزز قدرتها على تحقيق طموحها التنموي، ويوطد موقعها الريادي ودورها الفاعل في ساحة الاقتصاد العالمي، بحيث ينطبق المثال القائل «رب ضارة نافعة» بحذافيره على تجربة دبي في التصدي للأزمة المالية العالمية.

وانطلقت استراتيجية إمارة دبي في إدارة الديون من قاعدة مقومات قوة كامنة وماثلة، تشتمل على بنية تحتية وفوقية من المشاريع المتنوعة، ذات الأهمية الاستراتيجية والتنمية المستدامة، في قطاع الخدمات والسياحة، وشبكة مواصلات: موانئ ومطارات وقطارات، وشبكة اتصالات. وشيدت مشاريع ومنشآت عملاقة، ومدنًا صناعية وإعلامية وسينمائية ورياضية وطبية، ومدنًا تقنية وإلكترونية وجامعية، فضلا عن إرساء نظام اقتصادي مستقر ومبادر، استطاع فهم العولمة، فأخذ ما يناسب خصوصيته، وتجنب ما يهدد استثنائيته، فتنوعت سوق العمل، وتعددت مجالات الاستثمار في الصناعة والتجارة والمال والعقارات والبنية التحتية والمعلوماتية والاتصال والتكنولوجيا.

وتعكس استراتيجية دبي في إدارة مشكلة الديون القناعة العامة بأن معالجة مشكلة المديونية ربما تشكل قاعدة لإعادة هيكلة شاملة للوضع الاقتصادي في إمارة دبي، وذلك في إطار خوضها لواحدة من أكبر التحديات الاقتصادية التي واجهتها على مدى عدة عقود.

وما يرافق ذلك عادة، من خيارات صعبة ومؤلمة، حيث ضربت الأزمة المالية العالمية في كل مكان بلا رحمة، وأصاب أذاها إمارة دبي، وهو أثر متوقع لاقتصاد يشبه اقتصاد دبي.. حر ومنفتح ومتشابك ومتنوع وتنموي ومستدام، ولهذا، تبلورت عناصر استراتيجية إدارة المديونية بناء على دراسة متأنية لمختلف الخيارات على المدى القصير والمتوسط والبعيد، بحيث تكون صائبة وتنعكس إيجاباً على الإمارة.

وقد تطورت عناصر استراتيجية إدارة الدين مع فقدان الأزمة العالمية عامل المباغتة، وتبدد سحب الغيوم التي رافقت تفجرها، حيث أوجب التعامل مع هذه الأزمة، إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة النظر في المسارات، وأحد هذه التعاملات المنطقية والطبيعية هي إدارة المديونية، بما تشتمل عليه من إعادة جدولة الديون، وتأجيلها بناء على اتفاق مع الدائنين.

ولا يعني تأجيل الديون بالضرورة، أن هناك عجزاً في الدفع، أو سوء نية مضمرة وراء ذلك، وإنما مرتبط بإعادة الهيكلة، والتي تصب مصلحة هيكلتها في صالح الجميع، بمن فيهم الدائنون.

(أ) مسلمات وفرضيات

تشاطر المسؤولون في إمارة دبي على مختلف مواقعهم ومسؤولياتهم جملة تصورات ومدركات بشأن الأزمة المالية العالمية وسبل معالجتها، وشكلت هذه التصورات فيما بينها البنيان الفكري الذي نهضت عليه استراتيجية إدارة الديون، وتجلت معالم هذا البنيان الفكري في الخطاب الاقتصادي الذي صاغ المسؤولون مفرداته. وتتمثل أبرز هذه المسلمات في التالي:

1- الإقرار بحقيقة التأثر بتداعيات الأزمة المالية العالمية

أقر المسؤولون في إمارة دبي بحقيقة أن الأزمة المالية العالمية ستطول الجميع، وأن رقعة انتشار تداعياتها ومضاعفاتها لن تقف عند حدود دولة دون أخرى، وما سوف ينسحب على الجميع سوف ينسحب على دولة الإمارات بشكل عام ودبي على نحو خاص.

وبادر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله» بالتنويه إلى حدوث تباطؤ في النمو الاقتصادي بالدولة نتيجة الأزمة المالية العالمية، ولكن سموه أكد في الوقت ذاته على قوة الاقتصاد الإماراتي، وطمأن سموه رجال الأعمال والمستثمرين في الدولة بتأكيد سموه على أن التشريعات والقوانين الإماراتية تحمي المستثمرين وتحفظ حقوقهم، بدليل مواصلة أعمالهم في الدولة، وعدم نقل استثماراتهم للخارج، علاوة على استمرارية المشروعات في الدولة.

2- امتلاك القدرة المادية على تسديد المستحقات والالتزامات

انطلق الخطاب الاقتصادي الرسمي في النظر إلى مشكلة المديونية من حقيقة ترتقي إلى مستوى المسلمات، وهي امتلاك دبي قاعدة قوية من الأصول التي تكفل لها الوفاء بمستحقاتها وديونها، وأكد المسؤولون في إمارة دبي هذه الحقيقة في العديد من المناسبات.

وتجسد التعبير عن هذه القناعة الجازمة في تأكيد عبدالرحمن آل صالح المدير العام للدائرة المالية أن حصة حكومة دبي من إجمالي الديون البالغ قيمتها 80 مليار دولار تبلغ 20 مليار دولار، مشيراً إلى أنه «مبلغ يمكن تدبيره».

أما الجزء الخاص بالجهات غير الحكومية، فيمكن تدبيره كذلك على المدى البعيد، وأضاف بقوله: بينما سنقوم بدعم هذه الجهات من السندات التي قيمتها 20 مليار دولار، إلا أننا وبدورنا لدينا استراتيجيات لتدبير أموال إضافية إذا دعت الحاجة - لدعم تلك الشركات وأية مشاريع استراتيجية أخرى تنفذها الحكومة، وبشكل خاص مشاريع البنية التحتية في طور التنفيذ حالياً.

ووفقا لبيانات المجلس الاستشاري الذي شكلته حكومة دبي لبحث انعكاسات الأزمة المالية العالمية على اقتصاد الإمارة، تبلغ التزامات الديون السيادية لحكومة دبي 10 مليارات دولار (37 مليار درهم)، فيما تتجاوز قيمة الأصول السيادية الحكومية حاجز 90 مليار دولار (330 مليار درهم).

ولا تشمل المطارات والجسور و«مترو دبي»، وتقدر الديون المترتبة على الشركات التابعة لحكومة دبي بنحو 70 مليار دولار (256 مليار درهم)، مقابل قيمة إجمالية لأصولها تبلغ 260 مليار دولار (950 مليار درهم)، وهكذا فإن القيمة الإجمالية للأصول الحكومية و«الشركات التابعة» للحكومة تفوق كثيراً مبلغ 3,1 تريليون درهم.

3- تمتع الشركات غير الحكومية بوضع قوي على المدى الطويل

أجمع المسؤولون في إمارة دبي على أن الشركات غير الحكومية تتمتع بوضع استراتيجي قوي على المدى الطويل، إذ تمتلك مشاريع استراتيجية ومتنوعة للغاية، كما أن إيراداتها المتدفقة تساعدها على مواصلة عملياتها وأنشطتها، وشكلت هذه الفرضية أحد الركائز الأساسية في وضع استراتيجية لإدارة الدين طويلة الأجل.

4- عدم جدوى الحلول القصيرة الأجل

وإذا كانت استراتيجية إدارة الدين قد انطلقت من فرضية أن الشركات غير الحكومية تتمتع بوضع استراتيجي قوي، فإن مثل هذه الفرضية تقود بالضرورة إلى فرضية أخرى مؤداها أن الحلول السريعة والقصيرة الأمد غير مجدية وبالتالي يتعين ترك الدورة الاقتصادية تمر بمجراها الطبيعي .

ويتعين كذلك عدم التعجل بوضع حلول قصيرة الأجل كمسكنات للمشاكل المالية، دون وضح حلول حاسمة طويلة الأجل تمكن الشركات من العودة مجددا إلى مسيرة النمو على أسس ومقومات مستدامة وليست آنية.

5- التعامل مع النظام المالي العالمي بحسب معاييره

تبلورت هذه الفرضية على خلفية إعلان شركات من العيار الثقيل تعسرها وإفلاسها خلال تفجر الأزمة المالية العالمية، خاصة في الولايات المتحدة، ولم يكن ذلك شيئا خارجا عن المألوف في التقاليد والأعراف المصرفية والمالية في الأنظمة المالية المتقدمة، بل غالبا ما يكون إعلان شركة أو مؤسسة إعسارها بمثابة وسيلة لاستعادة إمكانيات نموها وازدهارها على الأجل، ومن ثم، إذا كانت دبي صارت تطبق المعايير العالمية في أنظمتها الاستثمارية والمالية.

وأضحت جزءا مندمجا في النظام المالي العالمي، فلا حرج عليها أن تتبع الآليات والقواعد العالمية المتبعة في التعامل مع حالات الإعسار، فهناك أمثلة عديدة لشركات عالمية من العيار الثقيل أعلنت تعثرها المالي من دون مواربة أو خجل، فعملاق السيارات الأميركي جنرال موتورز ومصرف «سي آي تي» هما من أحدث الأمثلة على شركات اضطرت لإعادة جدولة ديونها ودخلت تحت حماية «البند الحادي عشر» من قانون الإفلاس الأميركي.

وحين طرحت فكرة إعادة هيكلة جنرال موتورز، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما من أكبر المدافعين عن الفكرة، علماً بأنها تتضمن إعادة جدولة كاملة للديون وحماية الشركة من الدائنين لفترة طويلة لم تنتهِ بعد، عوضاً عن تأجيل استحقاق السندات بستة أشهر فقط.

وحين تم الإعلان عن هذه الخطوة، لم تنهر الأسواق العالمية، ولم ينظر إليها المستثمرون كفاجعة، بل على العكس تم اعتبارها فرصة لخلق شركة جديدة قادرة على المنافسة على المدى الطويل، كذلك مرت الخطوط الجوية «يونايتد إيرلاينز» مرت بالتجربة ذاتها عام 2002 بعد أن التهمتها الخسائر، وبعد أربعة أعوام عادت الشركة لتحقيق الأرباح، فهل كانت إعادة الهيكلة كارثة أم أمرا لابد منه.

دبي ـ مجدي عبيد