يحاول البعض ممن يعيدون صياغة لوائح مالية عالمية جديدة أن يجعلوا وقوع الازمة اقل احتمالا عن طريق تعزيز عناصر الامان لدى البنوك.

وقد ابلى الخبراء بلاء حسنا في هذا المجال وهو مقاومة ضغوط البنوك وإثبات أن ضخ مزيد من الاموال في القنوات المصرفية لن يفيد الوضع الاقتصادي كثيرا في الوقت الحالي ، على أن يكون هذا الضخ والتعزيز على المدى الطويل والبعيد وليس آنيا.

وكدليل على أن البنوك باتت أكثر عقلانية في التجاوب مع روشتات الخبراء، أشارت دراسة بحثية أخيرة إلى أن البنوك الاستثمارية باتت غير متحمسة لاستخدام حزم مكافآت مضمونة لاستقطاب العاملين، كرد فعل على مساعي الجهات التنظيمية العالمية لخفض رواتب المسؤولين البنكيين.

وكانت المكافآت المضمونة، التي يوعد فيها العاملون بحوافز ثابتة بغض النظر عن أدائهم أو ربحية المؤسسات العاملين فيها، شكلت قرابة 5% من العلاوات التي دفعت العام الماضي في 37 مؤسسة مالية كبرى، قام بدراستها معهد التمويل الدولي، مجموعة الضغط في الصناعة. وأكدت الدراسة أن تلك النسبة هي أقل من 10% من العلاوات التي دفعت في عام 2008، و8% دفعت في عام 2007.

جدلية الخسائر

ويقول محللون إن من السهل التعهد بأن عملية الانتعاش الاقتصادي المقبلة سوف تراعي أن تعود الخسائر على المقرضين وليس على دافعي الضرائب. غير أنه عندما نعود بالذاكرة الى عام 2008 نجد أن اسعار اسهم أكبر البنوك العالمية قد تهبط الى النصف في دقائق. واعتقد العقلاء من الخبراء أن العديد من الشركات تخفي خسائر كبيرة.

وحاول الجميع أن يسحبوا اموالهم من المضاربين الى المدخرين من اصحاب المعاشات، مما سبب تهديدا بوقوع كساد آخر. الآن تخيل ألا تجلس في مقاعد المراقبين بل في مقاعد الهيئات التنظيمية وأن تواجه مثل تلك الازمة مرة أخرى. فهل يستطيع أحد القول بأمانة انهم سوف يتركون البنوك الكبرى تهوي؟

اللوائح الجديدة

المتوقع صدور اللوائح الجديدة في نوفمبر، ويحتمل أن تطالب البنوك بأن يكون لديها على الاقل 10 % من الاصول مخصصة لمكافحة الخسائر والمخاطر. وسوف تكون تلك النسبة كافية في امتصاص الخسائر لمعظم البنوك ، التي عانتها من 2007 الى 2009 ، مع هامش خطأ بسيط.

لكن مع ذلك تبقى البنوك التي مرت بالازمة الحالية ، كما هي الحال بالنسبة لكثير غيرها ، تخسر ضعف او ضعفين أية شركة عادية. ليس هناك درع حماية كاف لحماية تلك البنوك.

والاسوأ أن الازمة اثبتت انه اذا لم يتم انقاذ البنوك يمكن أن ينهار النظام المالي بالكامل. ولذلك فإن الحديث عن ترك البنوك تواجه مصيرها وحدها في المرة المقبلة، خاو من أي معنى. لابد من ايجاد وسيلة لفرض الخسائر على المقرضين دون التسبب في آثار سلبية اوسع نطاقا.

الحل النظري

وضعت اميركا حلا نظريا مفاده الاستيلاء على البنوك المتعثرة وفرض الخسائر على المقرضين الذين لم يستعدوا بالدرجة الكافية اذا لزم الامر. وكل من البنوك الكبرى لديه مئات المليارات من الديون، بما في ذلك القروض ليلة واحدة من بنوك اخرى، والاوراق قصيرة الاجل التي تباع لصناديق سوق المال من أي بنك مملوك لصناديق المعاشات.

هذه الصناديق يحتمل أن تهرب من أي بنك يواجه مخاطر فرض اللوائح الجديدة عليه ، وكما اثبتت الازمة الاقتصادية ، يمكن أن يعني ذلك كل البنوك بلا استثناء. والواقع أن سوق الديون غير الآمنة مهم جدا لدرجة أن المنظمين او الهيئات التنظيمية قد تشعر بالالتزام نحو إلغاء الديون او شطبها ، كما حدث في 2008.

القواعد المصرفية

وفي السياق ذاته، حث نوت فيلينك رئيس لجنة بال للاشراف على القطاع المصرفي الاقتصادات الناشئة على تبني قواعد جديدة لرأسمال البنوك حتى وإن شعرت بأنها تطبق ما يكفي من الترتيبات التنظيمية.

وقال إنه لا يجب على الدول أن تتذرع بأنها لم تتسبب في أزمة الائتمان العالمية للتهرب من تطبيق المعايير الجديدة. وأوضح: جميع الدول تأثرت بشكل غير مباشر بالتباطؤ الاقتصادي العالمي. ومن بين ذلك اقتصادات الاسواق الناشئة.

ومع ذلك قال صناع السياسات في عدد من الاقتصادات الناشئة ان القواعد الجديدة أخفقت في أن تأخذ في الاعتبار حاجتها الى المزيد من النمو الاقتصادي. وقال ليسيتجا كجانياجو المدير العام للخزانة الوطنية في جنوب إفريقيا: بدأت مسائل اصلاح القطاع المالي تلقي بظلالها على مشكلات الاقتصاد الكلي.

واشار إلى أن مطالبة البنوك بالاحتفاظ بالمزيد من رأس المال لا تأخذ في الاعتبار تأثير التدفقات الرأسمالية في الاقتصادات الناشئة. وذكر نجوين فان بينه نائب محافظ البنك المركزي الفيتناني أن بعض القواعد الجديدة التي اقترحتها لجنة بال لا تناسب البلدان النامية.

وأضاف: لا يجب أن تسبب القواعد تعطل تدفقات رأس المال. وستجتمع لجنة بال في سويسرا بعد غد الثلاثاء لوضع اللمسات النهائية على القواعد الجديدة التي ستمهد السبيل لتصديق قادة مجموعة العشرين على الاصلاحات في نوفمبر.

البديل الأفضل

يرى الخبراء أن البديل الافضل هو منح الهيئات التنظيمية سلطات مطلقة، لكن على نسبة أقل من الميزانيات الختامية للبنوك، حتى يتم احتواء الذعر.

يقترح نادي بازل من الهيئات التنظيمية فعل ذلك عن طريق وضع الديون في النوع الثاني من رأس مال البنك، والحصول على سلطة كافية لإلغاء الديون أو تحويلها الى أسهم دون تسجيلها على أنها خسائر اذا كان البنك يواجه ازمة فعلية.

والفكرة قد تكون عملية لأنها تعني تعديل هياكل الديون المصرفية، وليس اعادة تشكيلها كليا، رغم أن البنوك سوف تكون في حاجة الى مضاعفة هذا الدين الذي تحمله. الحقيقة أن الفكرة مقنعة ان البنك يستطيع أن يعيد تشكيل رأس ماله خلال فترة وجيزة.

صكوك الدين

وتشعر البنوك بالقلق من عدم وجود مشترين لصكوك الدين مما يجعل اصدارها امرا مكلفا جدا. الحقيقة ان الامر يشبه ترتيب تأمين يدفع عنه اقساط وليس هناك فرصة كبيرة لتكرار تلك الخسائر ، او في غضون كل 50 عاما مثلا. ولابد للهيئات التنظيمية أن تضمن الا تشتري البنوك اوراق ديون بعضها والا تنتهي جميعا في ايدي مستثمر واحد. فهل يفلح هذا الحل؟.

الشيء المؤكد عن الازمة المقبلة انه سوف تسبب نفس الذعر والابتهالات من البنوك وضغوط سياسية كبيرة لإعادة التوازن الى النظام المالي، مهما كانت التكلفة. والامل معقود على ان تتوافر لدى الهيئات التنظيمية الوسائل لفرض الخسائر على القطاع الخاص بطريقة منظمة، وليس مواجهة اختيار مزدوج بين الانقاذ او التجاهل.

أزمة الضريبة

أقر أليستير دارلينغ الوزير العمالي السابق للمالية في وقت سابق بأن الضريبة المثيرة للجدل في بريطانيا حول مكافآت رؤساء البنوك التنفيذيين، فشلت في تغيير سلوك الصناعة تجاه تلك المدفوعات حيث أفلح رجال المال «الخياليون» في استنباط طرق لتجنب ذلك.

وكانت ضريبة 50% على العلاوات التي تزيد على 25 ألف جنيه ووجهت بامتعاض في «مدينة لندن»، وأدت إلى شكاوى من أن الصناعة ستواجه هجرة في العقول لحساب نيويورك، وسويسرا وآسيا، حيث لا تطبق إجراءات مماثلة.

وكانت تلك المخاوف تبددت خلال الأسبوع الماضي عندما أعلن عن اعتزام كريديت سويس دفع علاوات في سبتمبر لأكثر من 400 من كبار موظفيه في لندن، بعد خفض العلاوات البريطانية في 2009 رداً على الضرائب.

تحول مهم

وأظهرت الدراسات أن البنوك الاستثمارية أبطلت جميعها استخدام ما يسمى ضمانات متعددة السنوات، وهي ممارسة كانت مثار جدل، اعتبرت غير قانونية من قبل عدة جهات تنظيمية ومن ضمنها هيئة الخدمات المالية البريطانية.

وقد كان ما نسبته 99% من المكافآت المضمونة المدفوعة في عام 2009، هي عبارة عن ضمانات لمدة سنة واحدة، مقابل 92% في عام 2008 و91% في عام 2007.

ويظهر التقرير الأخير، الذي أجري بالتعاون المشترك مع شركة الاستشارات أوليفر وايمان، يمكن أن يساق كدليل على أن البنوك لا تسعى إلى التهرب من التعليمات الجديدة، حول الأجور التي وضعها مجلس الاستقرار المالي، وهي الهيئة الدولية الخاصة بوضع المعايير الدولية، إضافة إلى هيئات التنظيم المحلية.

غير أن التقرير كشف أيضا أن البنوك مطالبة ببذل جهود أكبر إزاء موازنة مرتباتها مع المخاطر طويلة الأجل لأعمالها التجارية، إضافة إلى ضرورة كشف مزيد من المعلومات إلى المساهمين حول حجم مخصصات العلاوات، وكيفية توزيعها بين العالمين.

وكان أقل من 40% من الشركات طبقت تعليمات مجلس الاستقرار المالي بالكامل في مجالات فنية مثل ضبط مخاطر السيولة وتأثير توقيت الأرباح المتأخرة.

دبي- وائل الخطيب وأشرف رفيق