أكد المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشماع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية أن مشكلة السيولة لا تزال تضرب في أسواق الخليج وأسواق الدولة بسبب عدم اكتمال دورة السيولة أو انقطاع مجراها في مساربها الطبيعية. ولا تزال تلك المشكلة احد أهم أسباب انخفاض قيم التداولات واستمرار التراجع في الأسواق المالية وكذلك في أسواق العقار.

ويعود هذا الانقطاع في دورة السيولة إلى أن البنوك تقوم بجمع أقساط الديون المستحقة على الشركات في حالة السداد، ولا تقوم بإعادة هذه السيولة إلى الدورة الاقتصادية، أي بإعادة إقراضها، لان معظم هذه البنوك بدورها لديها قروض واجبة التسديد، وتفضل الاحتفاظ بما يأتيها من سيولة من الشركات والأفراد المدينين لها لغرض تسديد ما عليها من التزامات.

وبموجب تقرير سابق لشركة الفجر للأوراق المالية، فان المصارف الإماراتية مدينة بمبلغ 115 مليار درهم منها 6, 24 مليار درهم واجبة التسديد في العام الحالي. ولعل هذا ما يفسر تكالب البنوك على استقطاب السيولة وتوقفها كليا عن منح القروض وفقا لبيانات المصرف المركزي في يوليو الماضي.

وقال إنه بدون أدنى شك، فان المصارف ستبقى مغلولة اليد في منح الائتمان ما لم تصبح التدفقات النقدية الداخلة للبنوك، من خلال تسديد الديون من قبل الشركات والأفراد، اكبر من التدفقات المتوقع خروجها لتسديد التزامات البنوك المستحقة عليها.

مسؤولية المصارف

وأضاف الدكتور الشماع: بهذا المناسبة لا بد من الإشارة إلى صواب ودقة التصريحات التي أدلى بها الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي عضو المجلس التنفيذي في حكومة دبي بشأن مسؤولية المصارف عن الأوضاع الراهنة لقطاع العقار الذي يواجه نفس مشكلات أسواق الأسهم.

فالمصارف التي أفرطت في التمويل منساقة وراء تعظيم الأرباح دون التحسب للمخاطر من خلال الاقتراض وإعادة الإقراض للأفراد والمؤسسات، قد أغرقت المجتمع في ديون عالية في وقت انخفضت قيمة الأصول، التي كان قد تم تمويلها بهذه الديون.

لذلك فقد تعثرت العديد من الشركات وخصوصا العقارية والأفراد. ومما يزيد من حدة المشكلة أنه حتى في حالة تسييل الأصول المرهونة وفقا للأسعار الحالية، فان قيمتها لا تسد مبلغ القرض الذي كان قد تم احتسابه بنسبة تصل إلى 90% من قيمة الأصل في فترة الطفرة.

أي أن المصارف في فترة الطفرة لم تكن تتحسب لمخاطر انخفاض الأسعار أو مخاطر انفجار الفقاعة لتتحفظ على قيمة الأصل عند منح القرض. وكان الهم الأول هو زيادة الأرباح وزيادة المكافآت التي تترتب على الأرباح العالية.

علاقة ارتباط قوية

ويذكر التقرير أنه في الواقع توجد علاقة ارتباط موجبة قوية قدرها 6, 0 بين التغير الشهري للقروض المقدمة (بعد استبعاد القروض ما بين المصارف من إجمالي القروض)، وبين التغير الشهري لمؤشر السوق، فزيادة او نقصان القروض مسؤول بنسبة 60% عن ارتفاع وانخفاض المؤشر العام لسوق الأسهم.

ويضيف: جوهر المشكلة التي وضع الفريق ضاحي خلفان أصبعه عليها هو توقف المصارف عن الإقراض وبما يؤدي الى إنقطاع دورة السيولة، حيث أن البنوك أصبحت تتشدد في تقديم قروض جديدة إلى الشركات وترفع من أسعار الفائدة وتكلفة الدين.

وهو ما ينعكس سلبا على أعمال المدينين، ويرتد مرة أخرى على قدرة المصارف في تحصيل ديونها. وكل تقلص في الإقراض المصرفي يتبلور في مزيد من الانخفاض في قيم الأصول المالية والعقارية لينعكس مرة أخرى على المصارف.

وقال الدكتور الشماع: إذا كانت المصارف، وكما شخص ذلك الفريق ضاحي خلفان، مسؤولة جزئيا عن الأوضاع الراهنة، فإننا نعتقد أنها غير قادرة بدون الدعم الحكومي على النهوض بمسؤوليتها تجاه الاقتصاد، وبالذات تجاه قطاعي الثروة الوطنية، العقار والأسهم، واللذين يرتبطان بعلاقة قوية موجبة قدرها 7, 0 أي أن ارتفاعهما وانخفاضهما يسيران بشكل متماثل بنسبة 70%.

حركة المؤشر والسيولة

وتابع الدكتور الشماع قائلاً: إذا كنا قد ركزنا خلال الأشهر الماضية في تقاريرنا الأسبوعية على قيم التداولات فإنما تم ذلك لوجود علاقة ارتباط قوية موجبة بين حركة المؤشر وحركة السيولة أو التداول.

فهذه الأخيرة هي نتيجة لشح السيولة الكلية في الاقتصاد، والتي بدورها هي نتاج المديونية العالية للأفراد والمؤسسات، والتي تحولت في ظل ظروف الانكماش إلى واحد من أهم أسباب تجفيف السيولة للبنوك، ومن خلالها تنعكس مرة أخرى على الاقتصاد ككل لتشكل الحلقة المفرغة من العلاقة السببية.

والسبب في التركيز على قيم التداولات هو وجود علاقة رياضية مثبتة بين ارتفاع وانخفاض قيم التداولات وبين ارتفاع وانخفاض مؤشر سوق الإمارات. فبموجب معامل الارتباط الموجب للفترة من بداية 2008 وحتى نهاية أغسطس من العام الحالي والذي بلغ 93, 0، فإن 93% من ارتفاع وانخفاض مؤشر هيئة الأوراق المالية والسلع يرتبط بارتفاع أو انخفاض قيمة التداولات.

إن ارتفاع قيمة التداولات يعني أن هناك احتمالاً بنسبة 93% في أن يرتفع مؤشر السوق بنسبة ما. وعلى العكس فإذا انخفضت قيمة التداولات، فإن ذلك يعني احتمالاً بنسبة 93% في أن تنخفض السوق بنسبة ما.

مفهوم تدوير السيولة

وعلاقة الارتباط القوية أمر منطقي، حيث أنها تعبر عن السيولة التي تدخل للأسواق أو تخرج منها فتؤدي إلى الارتفاع والتراجع. وواضح أن المقصود بالسيولة هو المال الإضافي، أو الذي سيوظف في السوق، ويضيف إلى رصيد المال المستخدم في التداولات اليومية. والمقصود أيضا بالسيولة هو المال الذي كان موظفا في السوق، ويسحب للتوظيف في مجالات أخرى.

والبعض يستخدم خطأ مصطلح السيولة كرديف للأموال المتداولة أو لقيمة التداول في الأسواق. هذا الفهم للسيولة على أنها قيمة التداول يرتبط بالمضاربات التي تقوم بالبيع والشراء عدة مرات خلال الجلسة الواحدة، أي تدوير السيولة.

هذا التدوير للسيولة لا يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مؤشر السوق، كما أن تناقص المضاربات وتدوير السيولة قد لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع مؤشر السوق، كما في الربع الثاني من العام 2008 والربع الثالث من العام 2009.الذي يؤثر بالمؤشر ارتفاعا وانخفاضا هو السيولة الجديدة التي تدخل أو السيولة التي تسحب من السوق.

وقال الدكتور الشماع: لا بد من التأكيد على أن تدوير السيولة والمضاربة اليومية أيضاً ترتفع وتنخفض بدخول سيولة جديدة أو سحب سيولة موظفة في الأسواق. فمع دخول سيولة جديدة ترتفع درجة وقابلية تسبيل أسهم الشركات المدرجة.

فقد ترتفع قيمة التداولات بسبب المضاربة في وقت قد ينخفض المؤشر العام للسوق. لهذا السبب نجد أن معامل الارتباط ليس متساويا خلال الحقبة كلها من 2008 وحتى أغسطس من العام الحالي .

فقد كان حتى نهاية 2009 أقوى بكثير مما كان عليه في العام الحالي بسبب تحول السوق بشكل كامل إلى سوق مضاربة. وفي ظل المضاربة يتناقص تأثير قيمة التداولات على أداء المؤشر. ومما يؤكد ان المضاربة لها تأثير ايجابي على أداء مؤشرات الأسواق هو التباين في معامل ارتباط سوقي دبي وابوظبي. فمعامل ارتباط سوق ابوظبي الأقل مضاربة من سوق دبي كان موجب 95, 0 في حين كان لسوق دبي موجب 85 , 0 .

أهمية صانع السوق

ورغم أن التداولات المضاربية لها تأثير اقل على حركة المؤشر، إلا أنها تبقى عنصراً مهماً في تحسين أداء المؤشر في حالة ارتفاع هذه التداولات. وهنا قد تظهر أهمية صانع السوق في إيجاد نوع من المعالجة للأوضاع الراهنة لأسواق الأسهم. غير أن المشكلة تكمن في السيولة، التي قد لا تتوفر في أي جهة بما في ذلك المصارف، للقيام بدور صانع السوق في الظرف الراهن.

واختتم الدكتور الشماع قائلاً: قد يساعد إيجاد صانع أو صناع سوق قي التخفيف من مشكلة الأسواق وتراجع قيم تداولاتها، ولكن لا نعتقد انه سيكون كفيلا بانتشال الأسواق، ومن ثم الاقتصاد، من وضع الركود الذي يعيشه، ولابد من كسر الحلقة المفرغة من العلاقة السببية بين أسعار الأصول المالية والعقارية وبين شح السيولة الكلية في الاقتصاد، والتي بدورها هي نتاج المديونية العالية للأفراد والمؤسسات، والتي تحولت في ظل ظروف الانكماش إلى واحد من أهم أسباب تجفيف السيولة للبنوك.

دبي - «البيان»