دعا مسؤولون وخبراء اقتصاديون من دبي إلى مراجعة أساليب التنمية ووضع خطط اقتصادية متوازنة في الدول الخليجية لمواجهة تداعيات الازمة العالمية ، كما اوصى الخبراء بضرورة تنويع الاقتصادات لتتمكن من استقبال الاستثمارات المهاجرة من دول تعاني أزمات اقتصادية حادة.

والانتقال إلى أشكال أخرى من التنمية، تضمن تحقيق الشراكة والانسجام بين القطاعين الخاص والحكومي، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في قطاعات رئيسية مثل قطاع البتروكيماويات الذي لا يزال يعتبر حكراً على القطاع الحكومي.

اتفق الخبراء المشاركون في الندوة الرمضانية التي نظمتها صحيفة «الاقتصادية» السعودية للعام السادس على التوالي، في مجلس الفريق ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي، على أن دول الخليج بدأت تتعافى من آثار الأزمة المالية العالمية وإن بوتائر بطيئة وبنسب تحسن تدريجية.

وبعد أن وصلت «إلى القاع»، وقد بات واضحاً أن دول الخليج بحاجة إلى إعادة التوازن وخلق بيئة اقتصادية متنوعة، فضلاً عن ضرورة إعادة النظر في التشريعات والقوانين الخليجية التي تنظم القطاع الاقتصادي.

وثمة من اعتبر أن الأزمة ليست عقارية بقدر ما هي أزمة بنوك، وأن الأخيرة اعتمدت سياسة إقراضية منفلتة بعيدة عن الرقابة، إلى درجة أن أرصدتها النقدية تقلصت، في حين ذكر آخرون بأن المواطن الخليجي لم تعد لديه الثقة في أي مشروع عقاري خصوصاً بعد بروز الأزمة، مما يستدعي مراجعة الخطط السابقة واعتماد خطط تنموية جديدة.

الأمن الاقتصادي

في بداية الجلسة، أوضح الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي، بأن الأزمة المالية لم تؤثر على الجوانب الأمنية، وإنما هي أثرت من حيث زيادة التقاضي، أي الأطراف الذين لهم علاقة بأوضاع استثمارية وتجارية، وقال (إن البعض حاول ربط الأزمة العالمية بتلك التي وقعت في دول الخليج، على اعتبار أنها السبب في هذه الأزمة).

وأضاف (ربما لم تكن هناك أزمة في دول الخليج لو كان التخطيط الاستراتيجي فيه نوع من العقلانية والتوازن وفي ظل تنمية مفتوحة ليس لها سقف. دول الخليج أقبلت على أزمة لا محالة، على الأقل في المجال العقاري، والبنوك أقرضت بلا تحفظ، ذلك أن كل مستثمر وكل من ادعى ذلك، حصل على قروض من البنوك).

ونوه إلى أن الأزمة ليست عقارية وإنما هي أزمة بنوك، كون الأخيرة أعطت قروضاً للدرجة التي لم تعد تتوفر لديها السيولة، مشيراً إلى أن معظم البنوك جازفت في إقراض المستثمرين بدون رقابة بنكية على هذه العملية.

وفي جوابه على مسألة التعافي من الأزمة الحالية، شدد الفريق ضاحي خلفان على أن هذا يعتمد على إنهاء ملف التقاضي، من حيث فض المنازعات بين دائن ومدين، وقال: لا أتحدث عن تجارة بينية وسياحة... إلخ، وإنما أتحدث عن رؤوس أموال ومشاريع عملاقة أنفقت ويجري تدوير حركتها وهي تعاني الاضطراب والإشكاليات.

فرص متاحة لدبي

وأوصى الفريق ضاحي خلفان من أجل رفع وتيرة التعافي من الأزمة المالية، الاستعداد لاستقبال هجرة الاستثمارات ورؤوس الأموال من إيران، في ظل العقوبات المتزايدة عليها، موضحاً بأن إمارة دبي يمكن لها أن تستوعب هؤلاء المستثمرين.

وبالتالي (علينا إعداد العدة لاستقبال رؤوس الأموال المهاجرة إلينا، وهذه الأموال غير مسيسة وليس لها علاقة بالحكومة الإيرانية، بل أصحاب رؤوس هذه الأموال هم أناس عاديون ولديهم نشاطات اقتصادية دولية، وهذه فرصة متاحة لدبي نحو جذب هذه الاستثمارات).

التدابير في وقتها

عبد الرحمن آل صالح مدير عام الدائرة المالية في حكومة دبي، لم يختلف مع المتحدثين من حيث تأثير الأزمة المالية العالمية على دول العالم، بمافي ذلك دول الخليج، وقال في هذا الصدد (الأزمة عالمية ولا أعتقد أن هناك نوع من التقصير أو تأخر في اتخاذ الإجراءات، فمثلاً دولة مثل الولايات المتحدة فشلت في مواجهة الأزمة بالرغم من قوتها الاقتصادية.

إذن التدابير جاءت في وقت مناسب، ومن ضمن هذه التدابير، تخفيض الحد الإلزامي للقروض، تخفيض نسبة الفوائد، تشكيل لجان، توفير سيولة للبنوك، وأعتقد أن هذه التدابير ساهمت في الحفاظ على القطاع المالي، ولا يوجد هناك بنوك مفلسة في دول الخليج خلال الأزمة، والتعافي بدأ يحصل، ونتوقع ظهور مؤشرات إيجابية في المرحلة المقبلة).

في سؤال عن مناسبة الوقت لزيادة الأسعار في دول الخليج، وما إذا كان يؤدي ذلك إلى التعافي من الأزمة؟، أجاب عبد الرحمن آل صالح (أعتقد أن السلعة المقصودة هي الوقود، والحقيقة أن الوقود مدعوم من قبل الحكومة في كل دول الخليج، وهذا يحتاج إلى ضخ الكثير من المليارات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تستطيع دول الخليج الاستمرار في هذا الدعم خلال السنوات المقبلة، إذا أخذنا بعين الاعتبار النمو السكاني؟).

وأضاف (من المستفيد من دعم الوقود بالذات؟ على مستوى دولة الإمارات، نجد أن القطاع التجاري والصناعي يستخدم سلعة الديزل، وهذه السلعة محررة وهذا القطاع تكيف مع السعر، بينما الخلاف بين ذوي الدخل المحدود حول تسعيرة الوقود (البنزين) الجديدة، وأقول إنه علينا الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في مجال الدعم.

بحيث أن التوجه يقتضي حالياً إلغاء الدعم على جميع السلع والخدمات، وفي نفس الوقت إيجاد برامج موجهة لمساعدة هذه الفئات، وبالتالي يصل الدعم إلى الشخص الذي يحتاجه، في حين لو كان الدعم عام فإن المستفيد وغير المستفيد يحصل عليه، ثم إن الدعم لا يقتصر فقط على الوقود، وإنما يشمل ذلك المياه والكهرباء).

امتصاص آثار الأزمة

وفي رده على سؤال عن حدوث تعاف جزئي أم كلي للأزمة؟ قال عبد الرحمن آل صالح، إن(دول الخليج اعتمدت في العقدين الماضيين على وفرة البترول، وهي لديها الآن 40% من احتياطي النفط العالمي، و23% من احتياطي الغاز.

وهذا مؤشر مطمئن للنمو الاقتصادي لهذه الدول في الفترات المقبلة، من حيث التعافي التدريجي)، مشيراً إلى أن هذه الدول نجحت في امتصاص آثار الأزمة، والتعافي بحاجة إلى وقت وأما النمو فهو سيحصل إن شاء الله.

لا تقصير

اعتبر الشيخ طارق بن فيصل القاسمي رئيس مجلس إدارة مجموعة الإمارات للاستثمار أن (أزمة السيولة في منطقة الخليج مختلفة بشكل كبير عن ما هي عليه في الغرب، ذلك أن الشركات الخاصة في الغرب لديها نسب عالية من السيولة، وتقوم الحكومات الغربية بالاقتراض لتوفير السيولة من أجل دعم المشاريع لديها، بينما لدينا هو العكس، إذ أن الشركات والمؤسسات الخاصة لديها شح في السيول.

بينما نجد أن الحكومات لديها فائض كبير في الصناديق السيادية، وما ينقص في المنطقة هو كيف يمكن توفير هذه السيولة أو الاحتياطيات الموجودة لدى الصناديق السيادية لتصل إلى القطاعات الصغيرة والمتوسطة، وليس فقط القطاعات الكبيرة، وهذا قد يؤدي بنا إلى الخروج من الأزمة الاقتصادية التي نمر بها في المنطقة حالياً).

وفي سؤال عن أن الحكومات الخليجية ما زالت مقصرة في ضخ سيولة أكبر في السوق المالي بدول الخليج من أجل زيادة التعافي، قال الشيخ طارق إن ذلك ليس تقصيراً، وإنما فيلالم نر فعاليات نحو الوصول إلى قطاع اقتصادي تنموي.

وضرب مثلاً بالمملكة العربية السعودية التي قامت بمبادرة تقتصر على ضخ مبلغ 400 مليار دولار في مشاريع تنموية، مشيراً إلى أن هذه المبادرة ستتأخر من عامين إلى ثلاثة أعوام، حتى تصل إلى قطاعات صغيرة، ونفس ذلك فعلت الكويت التي ستضخ 100 مليار دولار، لكن إلى أن يتم إقرار الموازنات فإن ذلك يتطلب وقتاً حتى نرى السيولة في أسواقنا.

توجيه المبادرات

في تساؤل عن المتطلبات التي يمكن توفيرها خلال الفترة المقبلة للإسراع في وتيرة المعالجة الاقتصادية لدول الخليج، أجاب الشيخ طارق بن فيصل القاسمي، بأن تكون المبادرات متوجهة إلى القطاعات الصغيرة والمتوسطة، وذكر بأنه لا توجد مؤشرات حقيقية عن التنمية الاقتصادية والنمو في دول الخليج، لكنه ركز على أهمية تقوية ثقة المستثمرين في دول الخليج.

وقال (نحن عبارة عن سوق واحد والمستثمر يرى بأننا سوق واحد، وأعتقد من وجهة نظري ضرورة تمويل برامج الإسكان في دول الخليج، وهذه تعود بالفائدة على الجميع، ومثلاً حينما يتم ضخ 500 مليار درهم في الاقتصاد، فهي تعود بالفائدة على المواطن الخليجي، فضلاً عن أنها تشكل دعماً للشركات المتوسطة والصغيرة في بناء المنازل).

موضوع السيولة النقدية أجاب عنه بأننا (نلاحظ وجود الاحتياطيات الضخمة لدى دول الخليج في الصناديق السيادية، لكن في نفس الوقت نرى أن الإمارات تدفع على الوديعة 4 إلى 5 .4%، بينما دولة مثل الولايات المتحدة تدفع 5 .0%، مع أننا مرتبطون بالدولار، إذن لماذا ندفع هذه الزيادة؟

هذا يعني أن هناك شحا في السيولة والبنوك تتنافس عليها، كما يعني أن هناك شحا في السيولة على مستوى دول الخليح، وهذه السيولة الموجودة في المحافظ السيادية يجب توجيهها في الأسواق المحلية، لكن أين نوظف هذه السيولة طالما أن القطاع العقاري لديه أزمة وقطاع الأسهم لديه أزمة، وبالتالي يجب إيجاد طرق جديدة لتوظيف هذه السيولة في اقتصاداتنا).

الاوضاع المستقبلية

اتفق الدكتور محمد العسومي الخبير الاقتصادي، مع الجميع بأن الاقتصادات الخليجية بدأت بالتحسن والتعافي بشكل تدريجي، لكنه قال (ما يهمني بصورة أساسية هو ماذا بشأن المستقبل؟ فالأزمة مضى عليها عامين، لكن ماذا ستكون عليه الأوضاع خلال الأعوام المقبلة).

وركز على الجانب المحلي الخليجي والجانب العالمي باعتبارنا جزءاً من الاقتصاد العالمي، مؤكداً بأن دول الخليج تأثرت بالأزمة، لكن التأثير أقل مما حصل في أوروبا وأمريكا، وقد وصلنا محلياً وخليجياً إلى قاع الأزمة، وهناك تحسن تدريجي وهذا إيجابي وجيد، والتحسن مدفوع بارتفاع أسعار النفط وبتنظيم القطاعات الاقتصادية.

فيما عدا ثلاثة جوانب، أولها البورصات الخليجية التي ما زالت تعاني بصورة كبيرة، ومعاناتها انعكست على المواطنين الخليجيين باعتبارهم مستثمرين في سوق الأسهم في دول الخليج.

وبرأي الدكتور العسومي فإن (القطاع الآخر الذي لا يزال يعاني وبشدة هو القطاع العقاري، إذ في السابق أدى إلى كسر القوانين الاقتصادية، والاقتصاد أحد أكثر العلوم الإنسانية الذي تسيره القوانين، وما حدث للقطاع العقاري.

هو كسر قانون العرض والطلب، وأشبه كسر القانون الاقتصادي بكسر (الإشارة الحمراء)، وهذا يؤدي إلى عواقب وخيمة. أما الجانب الآخر الذي ما زلنا نعاني منه، فهو الديون العامة وديون الشركات العامة بشكل خاص، وهذا بحاجة إلى وقت لكي يتم التغلب عليه).

وأوضح بأننا (عالمياً يمكن القول إن الاقتصاد العالمي وصل إلى القاع، وما يحدث الآن هو وجود هزات ارتدادية للأزمة الأساسية، التي جاءت في اليونان وأثرت على اليورو وعلى بلدان أوروبية... إلخ.

وإذا لاحظنا تقرير لجنة الميزانية في الكونجرس الذي نشر في بداية هذا الشهر ( أغسطس)، فهو يشير إلى موضوع جداً خطير، وهو أن الأزمة اليونانية يمكن أن تتكرر في الولايات المتحدة، وهذا حديث لجنة الكونجرس وليس حديث أية جهة أخرى، ويملك الكثير من المصداقية.

ويقول إن الولايات المتحدة يمكن أن تتعرض إلى أزمة ديون سيادية، على غرار ما حدث في اليونان. في هذه الحالة ستكون هناك هزة ارتدادية كبيرة جداً، وسيكون لها انعكاسات خطيرة على مختلف بلدان العالم، بما في ذلك بلدان الخليج).

مؤشرات التعافي

اتفق محمد التويجري رئيس بنك (HSBC) في الشرق الأوسط وأفريقيا، مع من سبقه في الحديث بأن التعافي موجود لكنه ليس كاملاً، وحسب رأيه هناك مؤشرات على التعافي في السنة الأخيرة، موضحاً بأن دول الخليج وضعها أحسن من وضع دولة مثل اليونان أو البرتغال، وذلك مدعوم لدى دول الخليج بأسعار البترول، فضلاً عن الاحتياطيات الكبيرة التي تمتلكها هذه الدول.

وأكد مرةً أخرى بأن التعافي حاصل، لكنه بطيء وجزئي وهناك مؤشرات كثيرة على هذا التعافي، منها عودة الائتمان الذي كان متوقفاً العام الماضي، مشيراً إلى انفتاح البنوك نحو الإقراض لكن بحذر.

الأزمة المالية العالمية برأي التويجري جديدة على العالم، و(هذه أول مرة يمر فيها العالم بمثل هذه الأزمة التي ضربت شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا، عكس الأزمات التي حصلت عام 1997 وفي الثمانينيات، حيث كانت مختصة في منطقة معينة، وأسبابها معينة ومحدودة نوعاً ما، وبالتالي لا نستطيع القول لماذا تأخرت دولة أو منطقة.

دول الخليج ما تزال تعتمد على البترول وهي حديثة العهد فيما يتعلق بالكثير من السياسات الاستئمانية والسياسات الاقتصادية الداخلية، ولامسنا ذلك في إحساس الناس بالأزمة التي بدأت في العام 2007، وشعورهم بها في العام 2008، وبالتالي فإن بداية الأزمة تأخرت، وبالتالي فإن التعافي سيتأخر).

تقييم الأزمة

شخص الشيخ خالد بن زايد بن صقر رجل الأعمال المعروف، حال الأزمة المالية العالمية بعد عامين على وقوعها، وقال إنه (لابد من وضع الأزمة المالية العالمية في وضعها الصحيح، ولا يمكن أن نتحدث عن دول مجلس التعاون الخليجي خارج إطار الأزمة).

معتبراً بأن هناك سوء تقدير في موضوع تقييم الأزمة وأنها صحيح بدأت في أمريكا، لكن العديد من دول العالم تأثرت من تداعياتها، مثل دول نامية وآخرى صاعدة، حتى أن الصين تراجعت من ناحية الصادرات وأما الاتحاد الأوروبي فهو يعاني من أزمة مالية، بالإضافة إلى الهند التي كانت تنمو بنسب بين 8 الى 9%، إذ أن هذه النسب تراجعت إلى 5%.

دبي - محمد عبد الرشيد