اثار ضعف حصاد القمح في روسيا واوكرانيا هلع العالم من وقوع ازمة غذائية. والقى البعض باللوم على الجفاف والتغيرات المناخية ، لكن السبب الحقيق هو ضعف الاداء وسياسات الاقتصاد الزراعي على المدى الطويل في المنطقة التي لا تزال تردد صدى السياسات الشيوعية القديمة.
ومنع تصدير القمح كما اعلنت كل من روسيا واوكرانيا لن يأتي الا بآثار عكسية. هذا الحظر على التصدير يمكن أن يؤدي الى ازمة غذائية عالمية ، اذا ما اضيف الى رفض استخدام التقنيات الحديثة المستوردة من الاتحاد الاوروبي ، كما اقترحت اميركا على الدولتين .
وتم تطبيق السياسات البلشفية على الاسواق الزراعية في المنطقة عقب الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917 . ورغم أن الخطاب كان موجها الى الرجل العادي الا أن الهدف الحقيقي كان استغلال المزارعين بدفع اسعار اقل من التكلفة لمنتجاتهم ومحاصيلهم واستغلال العائدات في تمويل القطاع الصناعي في الدولة.
تلك السياسة الاقتصادية الجديدة أدت الى نتيجة عكسية ، خاصة ان المزارعين استخدموا المحاصيل في تصنيع علف الحيوانات و مشروبات ثم باعوها في السوق السوداء، وبالتالي افلتوا من سيطرة الدولة على الاسعار. ولابد لكل من روسيا واوكرانيا أن يعيدا النظر في السياسات الزراعية التي تتبعها.
وفي الصين كان النقيض، كان رد فعل الملايين من المزارعين، الذين نجوا من تاميم الزراعة والقفز فوق سياسة «القفزة العظيمة للامام» في السبعينات هو ان يتحولوا الى رجال اعمال.
فقد تم تأميم الملكيات في القرى الصينية رسميا ، فكان الانتاج غزيرا لدرجة الاغراق. ثم قنن دنغ شياو بنغ استغلال هذا الفائض الرهيب ، فيما عرف باسم «نظام مسؤولية العائلات» ، الذي وفر حافزا قويا لانطلاقة الصين الاقتصادية الحديثة.
وفي الثمانينات حاول ميخائيل جورباتشوف ، الرئيس السوفييتي الاسبق ، اجراء اصلاحات اقتصادية مماثلة في روسيا لكن من القمة الى القاع. ولم تنجح تلك الاصلاحات. وبعد مرور نصف قرن من الزمان والضغط على رجال الاعمال ، من يجرؤ على تحمل مخاطر التسويق الزراعي والزراعة بصفة عامة؟
الاميركيون اعتادوا الوفرة الغذائية باسعار معقولة ويعتبرونه أمرا مسلما به. غير أنه ليس هناك طعام مجاني في الاقتصاد الغذائي. والقضاء على العوامل التي تساعد على وفرة المحاصيل ، كما تنادي روسيا والدول المجاورة لها، يمكن أن تؤدي في النهاية الى اشعال الاسعار ، وتضع العالم في ازمة غذائية محيطة .
