«أتريد أن تبيع مياه غازية طوال حياتك أم تريد أن تغير العالم؟»

هذه الكلمات التي وجهها «ستيف جوبز» في الثمانينيات لإقناع «جون سكالي» المدير التنفيذي لشركة بيبسي كولا للدخول معه في شراكة لتطوير الحواسيب.

والطريف أن ستيف جوبز، الرئيس التنفيذي لشركة «آبل» وبعد مرور 38 عاما على تلك المقولة، تصدر قائمة أفضل 200 رئيس تنفيذي من حيث الأداء في العالم للعام2010، وفقا لدراسة أعدتها كلية إنسياد لإدارة الأعمال، إذ تم اختيار الأسماء من قاعدة بيانات أولية مكونة من 1999 رئيسا تنفيذيا من 48 جنسية وشركات من 33 دولة.فمن هو أفضل رئيس تنفيذي في العالم يا ترى، وهل صحيح أنه من أصول عربية سورية بالتحديد؟ وكيف حمل اسمه الحالي؟قبل الخوض في رحلة نجاحه الشخصية يكفي القول بأن المتابع لمسيرة آبل يجد أن لها بصمات واضحة في تاريخ التكنولوجيا، فهي أول من قام بإنتاج الكمبيوتر بشكله الحالي (شاشة ولوحة مفاتيح وفأرة)، وكان إنتاج الفأرة حدثا فريدا في ذلك الوقت غير نظرة الكثيرين في التعامل مع الحاسوب إلى الأبد. منذ ذلك الحين وآبل تقفز من إبداع إلى إبداع ومن نجاح إلى نجاح.

سعى جوبز في عام 1982 لإقناع جون سكولي من شركة «بيبسي» ليكون المدير التنفيذي لـ «أبل» وتم طرح جهاز جديد في السوق باسم «ليزا» وعلى الرغم من التقنية العالية لهذا الجهاز إلا أنه عانى من الفشل نظراً لسعره المرتفع، عقب ذلك سارع جوبز من أجل تطوير جهاز «ليزا» فتم استخدام نفس التكنولوجيا ولكن بصورة أبسط وجاء عام 1984 ليشهد انطلاقة أول كمبيوتر «ماكنتوش» والذي غزا السوق بقوة وحقق الكثير من النجاح.

وقرر جوبز عام 1985 أن يترك العمل بمؤسسة «أبل» الذي يرجع له الفضل في تأسيسها، وقام ببيع كامل حصته بها، ولم يقف جوبز عند هذا الحد بل سعى من اجل إنشاء شركة أخرى أسماها «نكست ستيب» وقد شارك في تمويل هذه الشركة الجديدة كبار رجال الأعمال والتكنولوجيا مثل الملياردير روس بيرو وغيره.

وفي عام 1989 قام جوبز بإنتاج أول كمبيوتر يحمل اسم «نكست» والذي على الرغم من تفوقه التقني إلا أنه لم يكتب له النجاح تجارياً نظراً لارتفاع سعره.

تعرض مصنع جوبز الجديد «نكست» للخسائر المتتالية مما جعله يغلقه في فبراير 1993، وتوقف عن تصنيع الكمبيوترات مكتفياً بالبرامج.

ولم تتمكن « أبل « من الثبات بعدما هجرها ستيف فأخذت في الانهيار سريعاً وتقلصت حصتها في السوق بشكل كبير، وتنقلت من مدير إلى أخر حتى استقرت رئاسة مجلس الإدارة مع جيلبرت أميليو والذي لم يجد طوق للنجاة ينقذ به الشركة من الانهيار سوى ستيف جوبز، فدعاه للانضمام لمجس إدارة «أبل» كمستشار لها عام 1995.

وفي هذا العام تمكنت شركة جوبز «نكست « من تحقيق أرباحا بعد تأرجحها صعوداً وهبوطاً، وبدأ تعاون مع قطبي التكنولوجيا بيل جيتس ؟ الرئيس السابق لمايكروسوفت- وستيف جوبز لتصميم برنامج «ويندوز إن تي».

وفي ديسمبر 1995 قامت شركة «أبل» بشراء شركة «نكست» بـ 400 مليون دولار، وتم تعيين ستيف جوبز رئيساً تنفيذياً مؤقتاً لـ «أبل» عام 1997 براتب قدره دولار واحد سنوياً مما أدخله في مجموعة جينيس للأرقام القياسية كأقل الرؤساء التنفيذيين تقاضيا للراتب في العالم.

وبعد أن أطلق جوبز كمبيوتر « I mac » عادت شركة «أبل» مرة أخرى لتلتقط أنفاسها وتستعيد مكانتها في سوق الكمبيوترات الشخصية مرة أخرى، وفي يناير 2000 أصبح جوبز رئيساً تنفيذياً دائماً للشركة، ومالكاً لـ 30 مليون سهم منها، وصعدت أرباحها سريعاً.

إلى عالم الكارتون

قرر جوبز اختراق عالم الكارتون ولم يبتعد كثيراً عن التكنولوجيا في ذلك بل وظفها من اجل إضافة المزيد من الإبهار والروعة عليه، ففي عام 1986 قام بشراء أستوديو للرسوم المتحركة من جورج لوكاس ودفع في هذه الصفقة 10 مليون دولار فأصبح الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة لها.

وقام بالإبداع في هذا المجال الجديد فدمج الرسوم المتحركة مع تكنولوجيا الكمبيوتر الحديثة، وحقق الكثير من النجاح ففازت شركة «بيكسار» عام 1988 بجائزة الأوسكار عن فيلمها القصير «توب توين» المنفذ بالكامل على الكمبيوتر.

وجاء جوبز بتكنولوجيته لينقل الرسوم المتحركة من الشكل التقليدي لها إلى شكل جديد ليحقق المزيد من الإبهار، وتوالت الأعمال التي أنتجتها «بيكسار» ووالت ديزني فأصدرت فيلم Toy Story عام 1995 والذي حقق إيرادات ضخمة، وبعده A Bug?s Life . Toy Story 2 . Monsters . Inc . Finding Nemo . The Incredibleَّ وغيرها العديد من الأفلام المميزة.

وقد تألقت وازدهرت شركة «بيكسار» بأفلامها المميزة وطرحت الشركة في اكتتاب عام في نوفمبر 1995 وبيعت أسهمها بـ 22 دولارا للسهم صعدت سريعاً إلى 39 دولارا، أمتلك جوبز فقط 80 مليون سهم منها وأصبح ملياردير، كما يمتلك جوبز حصة كبيرة في شركة والت ديزني.

متاجر «أبل»

سعى جوبز من اجل افتتاح سلسلة متاجر لبيع منتجات «أبل» وعلى الرغم من التخوف من فتح محلات لتسويق منتجات الشركات نظراً لكون المتاجر من هذا النوع لا تجني أرباحا وتشتت الذهن عن التركيز في تنمية العمل، إلى أن جاءت محلات «أبل» عبارة عن متحف يضم أروع ما صنعته «أبل».

كما حرص جوبز على أن ينال كل مشتر قدرا كبيرا من الرفاهية والتميز أثناء وبعد الشراء، وكان من المعتاد في سوق الكمبيوتر الأمريكية أن يقوم العميل بطلب الجهاز أو ما يود شراءه ثم يصل إليه بعدها بفترة مثل ما كان متبع في شركة «دل».

إلا أن جوبز قرر تغيير ذلك أيضاً وأن يأخذ العميل طلبه مجرد أن يطلبه وقال في ذلك « عندما أشتري شيئا وأعود به إلى أولادي في البيت، فإني أريد أن أحصل أنا بنفسي على نظرة الفرحة على وجوه أولادي، لا عامل التسليم»، وقد نجحت محلات «أبل» في تسويق منتجاتها وزيادة مبيعاتها وتحقيق أرباح استثنائية.

ابتكارات جوبز

عقلية مثل جوبز لا تتوقف عند حد معين بل تسعى دائماً من اجل البحث عن الجديد في التكنولوجيا، ومن الابتكارات التي يرجع الفضل فيها لجوبز هو ما قدمه عام 2001 وهو جهاز « الأي بود» أو جهاز الموسيقى المحمول الذي يقوم بتحميل الأغاني من نوع حذ3، وحقق هذا المنتج انتشارا هائلا في جميع الأسواق العالمية.

وبفكر جوبز التسويقي المميز تمكن من إقناع معظم شركات الأغاني بمنحه حقوق تسويق أغانيها على الإنترنت، واستكمالاً لابتكاراته قدم جوبز برنامج « أي تونز» وهو برنامج موسيقي رقمي يبيع الأغاني ويحملها على «الأي بود» عبر الإنترنت.

عندما سئل جوبز ذات مرة عن سر الأفكار الخيالية التي تتمتع بها آبل قال «إن من يعمل في الشركة ليسوا فقط مبرمجين بل رسامين وشعراء ومصممين ينظرون للمنتج من زوايا مختلفة لينتجوا في النهاية ما ترونه أمام أعينكم».

ومن كلام جوبز السابق يظهر لنا السر وراء هذا النجاح المبهر الذي وصل إليه ووصلت إليه شركته «أبل».

حياته الشخصية

ولد ستيف بول جوبز في الرابع والعشرين من فبراير 1955 بـ «غرين باي» في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ابن بالتبني لكل من بول وكلارا جوبز، والداه الحقيقيان هما جوان سيمسون وعبد الفتاح جندلي ؟ من أصل سوري- ولديه أخت تدعى منى سيمبسون وهي روائية مشهورة التقى بها بعد سنوات طويلة بسبب تبنيها من قبل عائلة أخرى.

التحق جوبز بالمدرسة فكان يدرس في فصل الشتاء ويذهب للعمل في الأجازة الصيفية، وشغف بالالكترونيات منذ صغره فكان ولعاً بالتكنولوجيا وطريقة عمل الآلات، كانت أولى ابتكاراته وهو في المرحلة الثانوية وكانت عبارة عن شريحة الكترونية.

ونظراً لولعه بهذا المجال أتيحت له الفرصة من أجل التدرب في إحدى الأجازات الصيفية بشركة هوليت باكرد « بذ « وهناك تعرف جوبز على المهندس الإلكتروني ستيفين وزنياك، واللذان سوف يحققان معاً خطوات هامة في عالم التكنولوجيا بعد ذلك.

تخرج جوبز من مدرسته الثانوية والتحق بجامعة ريد في بورتلاند بولاية أرغون، لكنه لم يحقق النجاح بالجامعة فرسب في عامه الأول وقرر ترك الدراسة، ولم يقف جوبز ساكناً بعد تركه للدراسة بل سعى لتنمية مهاراته في مجال التكنولوجيا والإلكترونيات.

فقدم ورقة بأفكاره في مجال الالكترونيات لشركة «أتاري» الأولى في صناعة ألعاب الفيديو وتمكن من الحصول على وظيفة بها كمصمم ألعاب، ثم ترك جوبز عمله لفترة سافر فيها للهند ثم ما لبث أن عاد مرة أخرى لمواصلة عمله بـ «أتاري».

تعاد جوبز مرة أخرى ليلتقي ستيف وزنياك عام 1975 وذلك عندما انضم جوبز إلى «هومبرو كمبيوتر» ؟ ناد لمطوري أجهزة الكمبيوترات الشخصية ؟ والذي كان من بين أعضائه وزنياك، الذي مثل وجوده ولقاءه بجوبز شرارة البدء لثنائي إلكتروني سينطلق في عالم التكنولوجيا.

كان وزنياك قد اكتشف لعبة في معلبات طعام الأطفال « كاب أند كرانش» تنتج الرنات التي تستخدمها شركات الهواتف في الاتصالات بعيدة المدى، وبمساعدة جوبز تمكن وزنياك من صنع علبة صغيرة يتم استخدامها مع التليفون للاحتيال على الشركات وإجراء اتصالات بعيدة المدى، وعمل جوبز على الاستفادة من هذا الاختراع فقام ببيعه لعدد من طلاب المدارس ثم توقف بعد ذلك خوفاً من الملاحقة القانونية.

قرر الاثنان الانضمام معاً واقتحام عالم التكنولوجيا فترك وزنياك عمله كمهندس بشركة بذ وانضم إلى جوبز من أجل جمع رأس مال صغير وتأسيس شركة تهتم بتكنولوجيا الكمبيوتر الشخصي، وبالفعل نجحا في عام 1976من إطلاق شركة «أبل» أو «التفاحة» وكان جوبز حينها في الحادية والعشرين من عمره وكان وزنياك يكبره بأربع سنوات.

وتمكن الاثنان من تصميم أول نموذج للكمبيوتر الشخصي، وكانت الفكرة المسيطرة على جوبز هي دمج لوحة المفاتيح مع جهاز الكمبيوتر، وجاء الاختراع الأول لجوبز ووزنياك حاملاً اسم « أبل 1» ومشكلاً ثورة في مجال الكمبيوتر، وتمكنا من تحقيق ثروة معقولة كانت ثمار بيع 600 جهاز كمبيوتر. وحقا انه رجل مميز على المستوى العالمي في الوقت الحاضر.

انطلق جوبز ووزنياك في طريقهما لتطوير جهازهما الجديد فبعد «أبل 1» سعيا من اجل إنتاج كمبيوتر أخر أكثر تعقيداً ولكن أسهل في الاستخدام، وقد جذب نجاحهم أعين المستثمرين ففي عام 1977 قرر الرئيس التنفيذي السابق لشركة «أنتل مايك ماركولا» الاستثمار في «أبل» وأصبح رئيس مجلس إداراتها هذا بالإضافة لعدد من المستثمرين الآخرين.

جاء «أبل 2» بعد ذلك ليشهد انطلاقة قوية في مجال الكمبيوتر الشخصي ويكتسح السوق الأمريكي بما يتضمنه من تكنولوجيا متقدمة وبرامج عالية الجودة، تمكن جوبز بذكائه من تسويق منتجه الجديد فباع مئات الأجهزة.

لم يتمكن لوزنياك من الاستمرار في تحقيق حلمه حيث تعرض لحادث طائرة، خرج منه بإصابات بالغة لم يتمكن من الاستمرار بسببها فقرر التفرغ لحياته ومشاريعه الاجتماعية وتدريس الكمبيوتر في مكتبه بكاليفورنيا.

صعوداً وهبوطاً

صعدت أسهم «ابل» سريعاً إلى القمة ففي عام 1980 وبعد طرحها لأسهمها في اكتتاب عام أولي بسعر 22 دولارا للسهم، قفزت لتصبح 29 دولارا وأصبحت قيمة « أبل « السوقية تقدر بـ 2 .1 مليار دولار، وكان جوبز مساهم رئيسي بالشركة بحصة تقدر بـ 15 من الأسهم.

استمر جوبز في سعيه من أجل التطور وابتكار التكنولوجيا، فأنتجت الشركة «أبل 3» ولكن لم يكتب له النجاح فتم استعادة الكمية الأولى منه من السوق، بسبب بعض العيوب التقنية به. وبما أن لكل تكنولوجيا منافسيها قامت شركة «ةح « بإنتاج الكمبيوتر الشخصي وبالفعل أصبحت بمنتجها منافسا قويا لشركة جوبز، والذي قام بدوره بشن حملة شرسة من أجل المحافظة على موقعه في سوق التكنولوجيا.

الجودة ليست صدفة

عندما تمارس عملاً لوقت طويل جداً لا بد أن تحترفه وعندها يصبح التجويد أحد أهم المدخلات في عملك . لقد تفوقت آبل على كثير من نظيراتها ليس ببراعة منتجاتها فحسب فهناك الكثير من المنتجات التي تنافسها بشدة ولكن بإتقانها لما تصنع والآيفون خير مثال.

كانت تتنافس في سوق الهواتف النقالة شركات معروفة للجميع على رأسها نوكيا و موتورلا و زمَّمفْكو ةَ حُُّيَُ صاحبة جهاز البلاكبيري . تنافست هذه الشركات في إغراق الأسواق بعدد هائل من الأجهزة المحمولة تناسب جميع الأذواق والاعمار والفئات الإجتماعية فـ خًُيف لوحدها تنتج أكثر من خمسين موديلا مختلفا وفي كل يوم تخرج لنا بالجديد.

وقد نجحت لحد كبير هذه الشركات في اجتذاب أعداد كبيرة جداً من المستخدمين لاقتناء أجهزتها بفضل سحر التكنولوجيا وتأثيرها القوي على الإنسان . في عام 2007 م شهد العالم ميلاد أول هاتف محمول تنتجه آبل والذي أصبح معروفا فيما بعد بالآيفون.

أشفق كثير من المراقبين حينها على آبل وذلك لحداثة تجربتها في هذا المجال فقد ولجت لسوق مليء بحيتان لا ترحم وكان في اعتقادهم أن آبل لا تمتلك من الأسنان الحادة ما يكفي حتى تأخذ قضمة في هذا المعترك الساخن.

أشهر مقولات ستيف جوبز

1. اختارت شركات عديدة تصغير حجمها، وربما كانت هذه الخطوة الصحيحة لهم . أما نحن فاخترنا طريقا مختلفا. قناعتنا هي أننا إذا داومنا على وضع منتجات رائعة أمام العملاء فهم سيستمرون في فتح محافظ نقودهم.

2. حصة شركة ابل من سوق الكمبيوتر أكبر من حصة شركة BMW أو مرسيدس أو بورشه في سوق السيارات، فما العيب في أن نكون مثل حط أو مرسيدس.

3. التصميم ليس فقط كيف يبدو الشيء وكيف يُشعرك . التصميم هو كيف يعمل الشيء.

4. أظن أننا نمرح، وأظن أن عملاءنا يحبون منتجاتنا فعلاً ونحن نحاول دائماً أن نتحسن.

5. الابتكار والإبداع هو ما يميز بين القائد والتابع.

6. أنها القرصنة وليست مواقع بيع الأغاني على الإنترنت، التي تقف كمنافسنا الأساسي.

8. أحيانا عندما تبتكر فإنك تقع في بعض الأخطاء . من الأفضل أن تعترف بها بسرعة، وتمضي في سبيل تطوير ابتكاراتك الأخرى.

دبي ـ محمد بيضا