دعا المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع إلى أن تنصب الجهود على معالجة أصل مشكلة أسواق الأسهم المحلية المتمثل في المديونية.
وكتب الدكتور الشمّاع في تقريره الأسبوعي: واصلت قيم وحجوم التداولات في الأسواق المالية تراجعها، تحت تأثير ظاهرة تفضيل السيولة وتوقف المصارف عن الإقراض، كما واصل المؤشر العام لسوقي دبي المالي وأبوظبي للأوراق المالية التحرك في نطاق ضيق جدا.
وقد أكدت بيانات المصرف المركزي لشهر يوليو الماضي ما كنا قد ذهبنا إليه من أن الاقتصاد يعاني من ركود، بدليل ظاهرة تفضيل السيولة. فقد أوضحت هذه البيانات زيادة قيمة الودائع الثابتة والادخارية خلال يوليو بمقدار 14 مليار درهم، جاء معظمها كما نعتقد من سحب السيولة من مختلف الأسواق بما في ذلك أسواق المال وتوظيفها في ودائع ادخارية بفوائد مغرية درجت بعض المصارف على إعطائها للعملاء محسوبة على أساس شهري مركب يصل إلى 5%.
ولعل هذا ما يفسر جزئيا تعمق تراجع التداول من حيث الحجم والقيمة خلال شهري يوليو وأغسطس من معدل تداول يومي قدره 276 مليون درهم في شهر يونيو إلى معدل 183 مليون درهم في يوليو، وإلى 166 مليون درهم في أغسطس.
حركة السوق
وتابع التقرير: خلال الأسبوع الماضي بلغ معدل قيمة تداولات مواطني الدولة 50 مليون درهم، وهو مبلغ يؤشر إلى مدى غياب المستثمرين عن الأسواق.
وحيث إن تراجع قيم التداول يعكس كفاءة التداولات من حيث تأثيرها في المؤشر العام للسوق عبر التأثير في القيمة السوقية، فإننا أمام تفاقم ظاهرة تأثير كبير لتداولات قليلة على القيمة السوقية والمؤشر العام. فأحيانا ينخفض المؤشر والقيمة السوقية بشكل كبير وحاد في وقت لم تكن هناك ضغوط بيع كبيرة بسبب غياب المشترين.
وعلى العكس قد يرتفع المؤشر والقيمة السوقية في ظل طلبات شراء ضعيفة بسبب عدم وجود راغبين بالبيع. حركة السوق إذن لا تعكس اداءً استثمارياً يستند إلى المؤشرات المالية والقيمة العادلة للأسهم لأن من يتداول بالسوق هو مضارب مهمته اليومية الحضور الى مكان التداول. ربما بعضهم حتى لتمضية الوقت والتسلية واقتناص فرصة إن وجدت.
إن تراجع قيم التداول والنطاق الضيق لحركة المؤشر سمات مشتركة لكل الأسواق الخليجية وحتى أسواق المنطقة. فبالمقارنة بين هذه الأسواق منذ نهاية العام 2007 حيث لم تكن قد ظهرت آثار الأزمة المالية العالمية وبين نهاية أغسطس الحالي نجد أن أكثر الأسواق التي انخفضت فيها قيم التداولات كانت سوق مسقط تليها الإمارات فالبحرين فقطر فالأردن فالسعودية لتأتي الكويت كأقل الأسواق التي شهدت تراجعا في قيم تداولاتها.
أصل المشكلة
وأضاف التقرير: تراجع التداولات من حيث القيمة، والناجم عن ظاهرة تفضيل السيولة وعن ظاهرة تراجع سرعة تداول النقد، ليس اصل المشكلة بل إحدى نتائجها. إن أصل المشكلة هو المديونية العالية وهي حالة عالمية وخليجية لا تشذ عنها الإمارات.
وهي بدورها نتاج الإفراط في التمويل الذي أعقب الطفرة القوية التي ظهرت أثر موجة التفاؤل القوية التي سادت في الأسواق العالمية و الإقليمية والمحلية عقب عام 2003.
وقد تحفز الإفراط في التمويل المحلي بدعم من الأسواق الدولية والفوائض المالية العالية في الدول المتقدمة خصوصا في العام 2008. وأدى ذلك إلى إغراق الأفراد والمؤسسات في كل المنطقة دون استثناء بمديونية عالية يمكن تلمسها من خلال نسب الائتمان المصرفي للناتج المحلي العالية للعام 2008. فقد بلغت في الكويت 5, 59% وفي السعودية 7, 41% فيما وصلت في الإمارات إلى 99% من الناتج المحلي للعام 2008.
قمة الطفرة وقاع الانقباض
وواصل التقرير: من المؤكد أن هذه المديونية العالية التي تفاقمت في قمة الطفرة المالية، عندما بلغت أسعار النفط 147 دولاراً للبرميل في يوليو 2008، قد انعكست لاحقا على أداء الاقتصاد من خلال المصارف والانقباض في الإقراض الذي بدوره ترتب على انقطاع مصادر التمويل الدولي في وقت حانت فيه آجال قروض سابقة.
إذن فالتشدد في سياسات الإقراض من قبل المصارف في المنطقة هو بالدرجة الأساسية ناجم عن عدم القدرة على تمويل القروض القديمة المستحقة بقروض من مصادر خارجية، في وقت استحقت آجال التزامات سابقة، الأمر الذي يصعب من مشكلات السيولة متوسطة وطويلة الأجل لدى المصارف في عموم دول الخليج وفي الإمارات بشكل خاص.
ولا احد يشك أن دور المصارف بمثابة دور القلب في جسم الإنسان فهي تضخ الدم (النقود) الذي ينقل مستلزمات الحياة والنمو. فالمصارف ومن خلال عمليات الإقراض للأموال غير الممتلكة من قبلها تمول عمليات الإنتاج القائم أو الجديد.
ومع اكتمال الدورة الإنتاجية، وبدء المشاريع الجديدة بالتثمير، تستعيد المصارف مبالغ القروض القديمة لتمنح قروضاً جديدة لعمليات الإنتاج في دورة جديدة أو لمشاريع جديدة.
وهكذا يتواصل الإنتاج ويتواصل النمو الاقتصادي. إلا أن الذي حدث هو انقطاع هذه العلاقة أو دورة انتقال الأموال بين المشاريع والمصارف لأسباب عديدة، ولكن كلها لا تخرج عن نطاق الإفراط في المديونية والتي ترتب عليها تعثر في التسديد هدد وضع المصارف في العالم، وبما اجبر الحكومات على التدخل لدعمها بما في ذلك الإمارات.
ظاهرة خطيرة
وأكد التقرير أنه عندما يتوقف التمويل المصرف يتوقف النمو، وأن استمرار توقف التمويل المصرفي ظاهرة خطيرة يجوز لغرض المقاربة تشبيهها بحالة (سكتة قلبية) إذا طال أمدها على سنتين أو ثلاث سنوات في الحالة الافتراضية المتعلقة بالاقتصاد. وقد أدى انقطاع العلاقة أو دورة انتقال الأموال بين المشاريع والمصارف.
والذي يعني التعثر في سداد القروض الذي أعقب الأزمة المالية، إلى تراجع أسعار الأصول العقارية بسبب الانقباض الحاد في التمويل، والذي بدوره عمّق التراجع في الأصول العقارية والأسهم، التي أيضا تراجع التمويل المصرفي لها بسبب تراجع قيمها.
وكما أن المؤسسات المالية وغير المالية، كانت تمول استحقاقات قروض حانت آجالها بقروض جديدة أو بسندات وصكوك، فان الأفراد هم أيضا كانوا يمولون قروضاً قديمة بتسهيلات أو قروض جديدة من المصرف أو باللجوء إلى عدة مصارف في آن واحد، حيث لم تكن دول الخليج مهتمة حينذاك بتوفير المعلومات الائتمانية.
ولكن تدريجيا بسب نضوب الأموال من الأسواق الدولية توقفت المصارف عن تمويل القروض، وتشددت في سياسات الإقراض، حالها حال المصارف الأمريكية التي لا تزال متشددة في الإقراض، مع فارق جوهري مهم وهو أن الدعم المالي الذي حصلت عليه المصارف من الخزينة الأميركية لم يقتصر على زيادة ملاءتها المالية، وإنما انصب أيضا على زيادة السيولة لديها بحيث توجهت للتوظيف في أسواق الأسهم.
والتي ارتفعت يوم الأربعاء الماضي على الرغم من البيانات السلبية التي صدرت عن قطاع المنازل. وقد انخفض نمو القروض في الإمارات في العام الحالي إلى الصفر بعد أن كان قد سجل معدلات نمو زادت على 40% في العام2005.
توقف عن الإقراض
عندما تتوقف المصارف عن الإقراض بسبب جفاف مصادر أموالها المُستعادة من المقترضين السابقين، سواء بسبب إعادة الجدولة أو بسبب تسويات تعالج التعثر عن السداد، فإن كلفة الإقراض الجديد سترتفع (الفوائد الدائنة).
وهو ما يعمق التأثير السلبي في الراغبين في إعادة هيكلة القروض وإعادة جدولتها. إن سبب جفاف مصادر التمويل الدولي، التي تدفقت بغزارة خلال سنوات الطفرة منذ العام 2005 وحتى العام 2008، هو الغموض الذي يكتنف أداء الاقتصاد العالمي والناجم عن عدم الثقة بالمؤسسات المالية وما يمكن أن تخفيه من مفاجآت غير متوقعة جعلت القابضين على السيولة يتخذون وضعاً دفاعياً يتسم بالتحسب لما قد يكون الأسوأ فيما مر من أوضاع مالية عصيبة.
الحرص الفائق على المتاح من السيولة في ظل ما يمكن أن نطلق عليه بفوبيا الأزمة المالية العالمية أثر تبخر المليارات ولد ظاهرة تفضيل السيولة على المستوى العالمي، وأسهم في تجفيف مصادر السيولة في الأسواق الدولية، والتي بدورها انعكست على العديد من مناطق العالم التي كانت تعتمد على القروض الدولية في إدامة دوران عجلة النمو الاقتصادي.
إفرازات جفاف السيولة
وتفجر الأزمات المالية بشكل متعاقب في العديد من مناطق العالم أحد افرازات جفاف السيولة في الأسواق الدولية. فبعد الضجة التي أثيرت حول طلب دبي العالمية لإعادة جدولة ديونها تفجرت أزمة الديون السيادية الأوروبية. إن تعاقب الأزمات شدد مواقف القابضين على السيولة بحيث أصبح عسيرا على المقترضين تسويق سندات وتمويل قروض جديدة.
إذن فالتشدد في سياسات الإقراض من قبل المصارف في المنطقة والإمارات هو بالدرجة الأساسية ناجم عن عدم القدرة على تمويل القروض القديمة المستحقة بقروض من مصادر خارجية في وقت استحقت آجال التزامات سابقة، الأمر الذي يصعب من مشكلات السيولة متوسطة وطويل الأجل لدى المصارف في عموم دول الخليج وفي الإمارات بشكل خاص.
إن مديونية الشركات التابعة كليا او جزئيا للحكومات المحلية للإمارات قد تكون وراء تفكير الحكومة الاتحادية في اللجوء إلى تطوير أدوات الدين العام بإصدار السندات السيادية، وذلك لتقليل الاعتماد على التمويل المباشر من موازنات الحكومات المحلية لكل إمارة.
إننا نعتقد بأن تطوير سوق السندات المحلية لن يحل المشكلة. ففي ظل أوضاع شح السيولة فان إصدار وتسويق سندات في الأسواق المحلية لن يؤدي سوى إلى تحويل السيولة الشحيحة من جهة إلى أخرى، وسيرفع من التنافسية على السيولة المحدودة.
وإذا ما قامت الحكومة بإصدار السندات التي ستجتذب السيولة بسبب عائدها وانخفاض مخاطرها فإن هذه السندات ستزيد من متاعب المصارف مع السيولة. ونعتقد أن الودائع الثابتة والادخارية لدى المصارف ستتحول في الظروف الراهنة إلى الاستثمار في السندات الحكومية عالية التسييل. وقد يكون سوق السندات مفيداً بالمعايير التجارية حيث انه يخدم الشركات والمؤسسات الأقوى على حساب الأقل قوة.
غير أن الأقل قوة من المؤسسات المالية قد لا يكون بالضرورة هو الأقل جدوى من الناحية الاقتصادية. لذلك فإن الاقتصاديين لا يخشون من ضخامة ديون المؤسسات والشركات بقدر ما يخشون من ضخامة ديون المؤسسات والشركات المستحقة لجهات خارجية (خارج الدولة) فالديون الداخلية المستحقة للمصارف المحلية يمكن معالجتها بإجراءات نقودية سواء من خلال زيادة موجودات المصرف المركزي الأجنبية أو من خلال تعديل قانون المصرف المركزي رقم 10 لسنة 1980، والذي نأمل أن يتضمنه القانون الجديد الخاص بالدين العام، الذي هو قيد الإصدار الآن.
دبي - «البيان»
