قالت صحيفة فاينانشيال تايمز في تحليل اقتصادي، أن وضعها الجديد، قد يجبر بكين على لعب دور عالمي أكثر مسؤولية. فحلول الصين محل اليابان في ثاني مراتب أكبر الاقتصادات في العالم، من الناحية الاسمية هو في الحقيقة غير ذي معنى.

فقد كانت الصين من حيث القوة الشرائية وهي الأهم من الوجهة الاقتصادية، تتفوق على اليابان منذ عقد مضى. وأن اللحظة التي تجاوز فيها الناتج المحلي الإجمالي للصين بالدولار، ناتج اليابان، كان له علاقة بسعر الصرف والمراجعات الإحصائية الفنية.

وتوضيحا للأمر، فإن أي اقتصادي سيقول أن المنزل العادي الذي يبنى اليوم في البلدين باستخدام مواد البناء والعمالة ذاتها، سيخلق ثلاثة أضعاف الناتج المحلي في اليابان عما هو في الصين لأن كلفة كل شئ في اليابان هي أعلى بكثير.

أما بالنسبة لغير الاقتصاديين، فإن قفزة الصين إلى المرتبة الثانية، وهو أمر سيتحقق هذا العام، إذا لم يكن تحقق بالفعل، فهي مسألة في غاية الأهمية، كونها تشكل تحولا في الاقتصاد العالمي، والقوة السياسية.

كما أنها هامة بالنسبة للحكومة الصينية، وعلاقتها بسائر مناطق العالم، حيث أن النجاح الذي يتثمل في صعودها في ترتيب الناتج المحلي الإجمالي، سيجلب معه مزيدا من الرقابة، وتوقعا من الصين أن تتحمل مسؤولية أكبر على الساحة العالمية.

ووفقا لآرثر كروبر، العضو المنتدب في شركة الأبحاث دراجونوميكس، فإن سياسة الصين الأجنبية درجت على عدم الظهور العلني، غير أنها الآن المصدر الأول، وثاني اقتصاد عالمي، وستكون المستهلك الأول للطاقة في العام القادم. وكل تلك العلامات البارزة لا تبقي مجالا للتواري عن الأنظار. مضيفة أن البلاد ليست مستعدة بعد لدورها الجديد، وستحاول المماطلة فيه أطول مدة ممكنة.

وقالت الصحيفة أن الصين أضحت بارعة في ترجمة قوتها الاقتصادية المتصاعدة إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي، خصوصا في مناطق مثل أميركا اللاتينية وأفريقيا، حيث يوجد هناك ازدراء للسياسة والمصالح الغربية. وباعتبارها مالكة أكبر احتياطي من العملات الأجنبية، فإن الصين تحدت علانية دور الدولار الأميركي باعتباره العملة الاحتياطية العالمية الرئيسية، وقادت الحملة من اجل تمثيل أكثر توازنا في الهيئات العالمية مثل صندوق النقد الدولي.

دولة ناشئة

غير أن المسؤولين في بكين يصرون على أن الصين ما زالت دولة ناشئة، ولا يتوقع منها أن تقود مبادرات عالمية، أو تتخذ خطوات مثل خفض الانبعاث الكربوني، أو تعويم عملتها، أو التصدي للاختلالات التجارية.

ويشيرون إلى أن الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للفرد أقل من الناتجين المحليين لليابان والولايات المتحدة، وأقل من سدس النتاج المحلي لكل من فرنسا والمملكة المتحدة. كما يشير خبراء اقتصاديون أكثر جرأة إلى الكفاءة الضعيفة لنمو الصين مقارنة بالدول الأخرى.

وفي هذا الصدد قال ليي جيان رونغ، مدير معهد التمويل في أكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية، وهي مؤسسة فكرية حكومية، أن نمو الاقتصاد الصيني اعتمد من عام 2003 على ركنين، وهما الصادرات والعقارات، وبينما جلب الأول للبلاد منافع من حيث التحديث، فإن الأخير جلب على البلاد مخاطر كثيرة. فقد اعتمد نمو القطاع العقاري على سوء إدارة مصادر الأرض، والمضاربة العقارية، مما أدى إلى ارتفاع صاروخي في أسعار المنازل، وفقاعة عقارية لا بد لها في النهاية أن تنفجر.

الاختلال الجغرافي

كما أشار لي إلى فجوة الجل الكبيرة في الصين، والاختلال الجغرافي بين مناطقها الساحلية الغنية نسبيا، ومناطقها الداخلية الفقيرة، قائلا ، عندما نتحدث عن قوة الصين الاقتصادية، ينبغي أن نكون حذرين في عدم المبالغة في قوتنا. فنمو الناتج المحلي الإجمالي للصين السريع سيكون بلا معنى لو أن تلك الاختلالات ظلت دون حل.

غير أن تلك المشاكل الخطيرة، وكثير غيرها تواجه القيادة الصينية، لا تبدو ظاهرة للعالم الخارجي، الذي لا يرى سوى نمو اقتصادي سريع يديره نظام أتوقراطي منطو على مفارقات تاريخية.

وفي هذا السياق يقول إسوار براساد الأستاذ في جامعة كورنويل، والرئيس السابق لصندوق النقد الدولي في الصين، إن ثمة سؤالا هاما يدور في الذهن، وفحواه هل تتقبل الصين المسؤوليات المترتبة على كونها قوة اقتصادية رائدة، حتى ولو طلت دولة متوسطة الدخل. مضيفا أن أمام الصين، من سياسياتها التجارية، والنقدية، إلى التعامل مع التغير المناخي، مسؤوليات عالمية، وهي مدعوة إلى النظر إلى ما وراء مصالحها الذاتية الضيقة.

ترحيب حذر

رحبت الصين بتجاوز اجمالي ناتجها الداخلي نظيره الياباني في الربع الثاني من 2010 مؤكدة انه لا يزال هناك الكثير للقيام به ولا سيما لجهة انتشال عشرات ملايين السكان من الفقر. وكشفت ارقام رسمية ان اجمالي الناتج المحلي الصيني في الربع الثاني من العام الجاري بلغ 9 .1336 مليار دولار واحتل بذلك المركز الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة، بينما لم يتجاوز نظيره الياباني 3 .1288 مليار دولار.

واحتلت الصين في الفترة الممتدة بين ابريل ويوليو المرتبة الثانية التي شغلتها اليابان طوال 40 عاما. لكن النشاط الياباني ظل اكبر من نظيره الصيني في النصف الاول من العام اذ بلغ 2578 مليار دولار مقابل 2532 مليار دولار في الصين.

الانفتاح الاقتصادي

وتجاوزت الصين تدريجيا فرنسا وبريطانيا والمانيا بعد مرور ثلاثين سنة على انفتاحها الاقتصادي، لتحتل مكانة كاحدى اكبر القوى الاقتصادية العالمية. كما صنفت كالمصدر العالمي الاول وسوق السيارات الاولى بالاضافة الى المنتج الاول للفولاذ.

ولكن بحسب مسؤول في وزارة التجارة ووسائل الاعلام فانه اذا اخذ في الحسبان معدل الدخل الفردي في الصين وليس فقط اجمالي الناتج الداخلي، يتبين ان الصين تحتل مركزا بعيدا جدا خلف منافسيها وعليها بالتالي القيام بالكثير من العمل في هذا المجال.

وقال الناطق باسم وزارة التجارة ياو جيان في لقاء صحافي: لا يجب الاهتمام فقط باجمالي الناتج الداخلي بل بمعدل الدخل الفردي ايضا. ويبلغ متوسط الدخل الفردي السنوي في الصين 3800 دولار مما يضعها في المركز ال105 في التصنيف العالمي، بينما يعيش 150 مليون صيني من اصل مليار و300 مليون تحت خط الفقر.

طريق طويل

وتشير الصحافة الصينية الى ان الطريق لا تزال طويلة مع ان الصين كانت محرك التعافي الاقتصادي بعد الازمة المالية العالمية. وتقول صحيفة الشعب ان اقتصاد الصين لا يزال بمستوى اقتصاد دولة نامية وبالتالي فان القوة الاقتصادية الثانية في العالم لا تعني الاقتصاد الثاني في العالم. اما صحيفة تشاينا ديلي فتقول ان المجتمع الدولي: لا يجب ان يتوقع الكثير من اقتصاد لا يزال في طور النمو، معدل الدخل الفردي فيه ما زال منخفضا.

واضافت الصحيفة: امام الاقتصاد الصيني فرص نمو كبيرة ويمكنه المساهمة في التعافي الاقتصادي. لكن الذين يريدون من الصين تحمل مسؤوليات عالمية اكبر بسبب حجم اقتصادها وحده عليهم ان يأخذوا بالحسبان التحديات الكبيرة التي تواجهها الصين في مجال التنمية.

ويذهب محرر صحيفة الشعب لي هونغ ابعد من ذلك بقوله ان الصين ستصبح الاقتصاد العالمي الاول بالتفوق على الولايات المتحدة بعد فترة تتراوح بين 15 و25 عاما. ويضيف: هدفنا الاكبر هو الوصول الى القمة طبعا، والتفوق على الولايات المتحدة.

اليابان تدرس اجراءات جديدة لتحفيز الاقتصاد

أكدت الحكومة اليابانية أنها بصدد تنفيذ اجراءات جديدة للتحفيز قبيل اجتماع متوقع بين رئيس الوزراء ناوتو كان ومحافظ بنك اليابان المركزي ماساكي شيراكاوا في الوقت الذي يهدد فيه الارتفاع المتواصل للين الانتعاش الاقتصادي الضعيف.

لكن من المتوقع أن يكون التحفيز محدودا نسبيا وسيتمثل على الارجح في اعادة تخصيص أموال بدلا من رصد انفاق جديد. وقالت صحيفة نيكاي ان اجراءات التحفيز الحكومية قد تتضمن تمديد أجل الدعم الحكومي المقدم للعائلات لشراء الالكترونيات الاستهلاكية ذات الكفاءة العالية في استهلاك الطاقة والذي من المقرر أن ينتهي بنهاية العام.

أوضاع الين

ونقلت وكالة جيجي للانباء عن وزير الاقتصاد الياباني ساتوشي اراي قوله ان الحكومة ستبدأ مناقشة اجراءات التحفيز يوم الجمعة المقبل. وسيسبق هذه المناقشة على الارجح اجتماع بين كان وشيراكاوا.

ومن المتوقع أن يبحث كان وشيراكاوا اللذان قالت مصادر حكومية في وقت سابق انهما قد يلتقيان في وقت لاحق هذا الاسبوع قوة الين وردود الفعل المحتملة وان كانت الخيارات تبدو محدودة. وقال جونكو نيشيوكا كبير الاقتصاديين في ار.بي.اس سيكيوريتيز: بينما تبدو الحكومة متجهة نحو طرح اجراءات تحفيز اضافية فان من المرجح أن يدعم البنك المركزي.

ذلك باعلان أنه سيواصل الابقاء على سياسة ميسرة وسيدعم ميادين النمو ببرنامجه الجديد للقروض. ونقلت تقارير عن اراي قوله ان الاكتفاء بالتصريحات لن يوقف صعود الين في الوقت الذي بقيت فيه العملة اليابانية بالقرب من أعلى مستوى لها في 15 عاما أمام الدولار.

حماية النهوض

ويرى المحللون ان على اليابان، التي تقدمت عليها الصين بعد ان سجلت طوكيو ادنى معدلات نمو خلال ثلاثة فصول متتالية، ان تحمي نهوضها الاقتصادي الهش وتحاول الافادة من دينامية جارتها لكن من دون الوقوع في التبعية.

وأثر تباطؤ الصادرات نتيجة ارتفاع سعر الين ومحدودية الاستهلاك الداخلي على معدل النمو في اليابان بين ابريل ويونيو، ما سمح للصين بان تصبح في الربع الثاني من 2010 القوة الاقتصادية الثانية في العالم، وهو موقع قد تحتله الصين اعتبارا من هذه السنة. وقال تكاهيدي كيوشي خبير الاقتصاد لدى نمورا سيكيوريتيز ان الصين احتلت موقع اليابان كمركز آسيا. واضاف:على اليابان الان ان تستفيد من النمو في الصين وباقي الدول الاسيوية.

تحول كبير

ورغم بقاء اليابان خلال النصف الاول من 2010 في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة، فقد تقدمت عليها الصين في الفصل الثاني من حيث اجمالي الناتج الداخلي. وقد تبقى الصين في هذا الموقع لفترة طويلة اعتبارا من هذه السنة بعد ان اصبحت الدولة الاولى المصدرة في العالم وسوق السيارات الاولى بالاضافة الى كونها المنتجة الاولى للفولاذ.

وقال يوكو تاكيدا خبير الاقتصاد في معهد ميتسوبيشي للابحاث: لم نفاجأ نظرا الى الفارق الكبير في عدد السكان بين البلدين. وعدد سكان اليابان اقل بكثير من الصين ومعدل الدخل الفردي اعلى ب10 مرات من معدل الدخل في الصين.

واضاف: لكن نمو الصين عامل ايجابي بالنسبة الى الاقتصاد الياباني لان الصين اصبحت سوقا للمصدرين اليابانيين. وادرك الصناعيون اليابانيون ذلك لكنهم يطلبون الان مساعدة الحكومة ليكونوا اقوياء في الداخل وليصبحوا كذلك ايضا في الدول الناشئة حيث تكنولوجياتهم وخدماتهم الصناعية مطلوبة لكن اسعارهم مرتفعة.

اقطاب الصناعة

وعلى غرار شركات انتاج السيارات، باتت الاسماء الكبرى في صناعة الاجهزة الالكترونية تعرف ذلك وان عليها توسيع شبكات التوزيع وحدها او مع شركاء محليين مع الاخذ في الاعتبار ان 100 نقطة بيع كافية في اليابان لتلبية حاجات قسم من السكان، في حين تحتاج الصين الى 100 مرة اكثر من ذلك.

وقال ماساكي اوسومي مدير المنتجات السمعية البصرية لدى توشيبا: المهم الان هو ان نكون موجودين في الدول الناشئة مع شركاء محليين او مع مواردنا الخاصة. وهذا المبدأ ينطبق ايضا على شركتي شارب و باناسونيك.

قطاع الخدمات

ويسعى قطاع الخدمات الذي حقق نجاحا في اليابان، الى نقل خبرته الى الصين. ويسجل معدل النمو تراجعا مع اكثر من 40 الف متجر اغذية كبير مفتوحة على مدار الساعة في اليابان التي يتراجع عدد سكانها. الا ان الامر يختلف تماما في الصين.

وبوجودها بقوة في الخارج ستكون المؤسسات اليابانية اكثر تبعية للاوضاع الاقتصادية الخارجية. ولاعطاء دفع حقيقي للاقتصاد يجب، بحسب المحللين، تشجيع الطلب الداخلي المتقلب واحياء المناطق والحفاظ على تماسك النسيج الصناعي الياباني وجذب الاستثمارات الاجنبية.

فتح سوق السندات

أعلن البنك المركزي الصيني أن الصين ستسمح بضخ احتياطيات اليوان المتراكمة في الخارج من تسويات تعاملات تجارية أو مبادلات البنوك المركزية في سوق السندات الصينية بين البنوك. وأضاف البنك أن هذه الخطوة تهدف الى تعزيز خطة الصين الجديدة لتشجيع استخدام اليوان في تسوية التعاملات التجارية وزيادة الدور العالمي للعملة الصينية.

وقال البنك في بيان بموقعه على الانترنت انه سيسمح لثلاثة أنواع من المؤسسات المالية بضخ حيازاتها الفائضة من اليوان في سوق السندات الصينية وهي البنوك التي تنفذ عمليات المقاصة باليوان في هونج كونج ومكاو والبنوك المركزية الاجنبية بالاضافة الى البنوك الاجنبية المشاركة في برامج لتسوية المعاملات التجارية العابرة للحدود باليوان.

(وكالات)

دبي- وائل الخطيب