انصب غضب مجتمع رجال الاعمال في الجزائر على القيود المفروضة على الواردات منذ اعلانها العام الماضي والتي تأتي في اطار اتجاه لتكريس سيطرة الدولة على المقومات الاقتصادية يستهدف أيضا المستثمرين الاجانب.

وبلغ الغضب ذروته الشهر الماضي عندما ذكرت شركة الخطوط الجوية الجزائرية الحكومية ان بعضا من طائراتها توقفت عن العمل لانه تعذر استيراد قطع الغيار بسبب القيود. وهذا الاستياء قد يشكل تحديا للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي قاد سياسة تكرس سيطرة الدولة على الاقتصاد.

معارضة جارفة

وقال حافظ سواليلي المعلق الاقتصادي بصحيفة الخبر ان فرض القيود على الواردات قرار لا يحظى بشعبية. واضاف انه ليس قرارا صائبا بالنسبة لسياسة بوتفليقة لتعزيز النزعة الوطنية في الاقتصاد وانه سيعطي مصداقية لانصار الاقتصاد الحر. وتقول الحكومة انها فرضت القيود لحماية المنتجين المحليين الذين تقول انهم لا يمكنهم منافسة البضائع الاجنبية منخفضة الجودة التي تغمر سوق الجزائر.

وكان الموقف المتشدد من الواردات والاستثمار الاجنبي حتى الآن يحظى بشعبية بين قطاع كبير من الجزائريين الذين يسترجعون بحنين ذكرى الماضي الاشتراكي للبلاد.

وهلل الكثيرون في الجزائر فرحا عندما تضرر مستثمر أجنبي كبير هو شركة اوراسكوم تليكوم المصرية من مطالبات ضخمة بمتأخرات ضريبية. وتتفاوض الشركة الآن على بيع وحدتها الجزائرية المربحة للدولة. غير أن بعض المراقبين يعتقدون أن القيود على الواردات قد تغير الرأي العام خاصة اذا تسببت في مضايقات للمواطن العادي.

شكاوى عديدة

وتنصب شكاوى مجتمع الاعمال على أحد القيود الذي يطالب المستوردين قبل جلب بضائع يزيد ثمنها على 1500 يورو أي 1900 دولار الى البلاد بالحصول على خطاب ضمان من بنك يغطي قيمة البضائع.

وحتى فرض هذا القيد كان من المعتاد أن يشحن الموردون البضائع بناء على الثقة وأن تسوى المدفوعات فيما بعد. والواردات مسألة شائكة في الجزائر وهي ثامن أكبر دولة مصدرة للنفط الخام في العالم لكن قطاعها الصناعي محدود مما يدفعها لاستيراد معظم ما يستهلكه سكانها وعددهم 35 مليون نسمة.

مصدر إزعاج

وتمثل القيود الجديدة أكبر مصدر ازعاج لاصحاب المشروعات الصغيرة مثل صاحب المتجر الذي يهرب البضائع ويفتقر للسيولة الكافية للحصول على خطاب ضمان أو الموارد للتحايل على البيروقراطية المتعلقة بذلك.

لكن الاجراءات تسببت كذلك في مصاعب للشركات الكبيرة الملتزمة بالقانون. وقال أحد المستوردين ان البنوك الجزائرية محملة بأكثر من طاقتها لفتح خطابات الضمان المطلوبة حتى ان العملية تستغرق في بعض الاحيان ما يصل الى أسبوعين. وخارج الجزائر عادة ما تستغرق هذه العملية ما بين ساعتين وخمس ساعات.

وهذا التعطيل الذي يضاف الى المشكلات القائمة المتمثلة في تكدس الموانئ وبطء اجراءات الجمارك أدى الى انتظار السفن لايام قبل تفريغ حمولتها. وقال المستورد ان تأخر السفينة التي تحمل شحنته يكلفه 45 الف دولار يوميا مشيرا الى الرسوم التي يتعين دفعها للسفينة في حالة التأخير. وأضاف المستورد الذي طلب عدم نشر اسمه: أعتقد أنني في العام الماضي دفعت نحو مليوني دولار لسداد هذه الرسوم وغيرها... والامر يزداد سوءا.

تفاقم الاستياء

وفي أوضح اشارة حتى الآن على تفاقم الاستياء قال رئيس شركة الخطوط الجوية الوطنية ان تأخر رحلات الطيران في موسم الصيف المزدحم يرجع جزئيا الى وقف طائرات بسبب عدم القدرة على الحصول على قطع غيار لاصلاحها. ونقلت الصحف المحلية عن عبد الواحد بو عبد الله الرئيس التنفيذي لطيران الجزائر قوله ان ترتيبات الاستيراد الجديدة تمثل كارثة حقيقية.

وقال مسؤول من قطاع الشحن انه لا يمكنه فهم كيف يمكن أن يعمل نظام الاستيراد. وأضاف: سيصلون بالتأكيد الى نقطة تفرغ فيها المتاجر من البضائع. وهناك أدلة غير موثقة كذلك على أن سلسلة التوريد تتعرض لضغوط. فقالت شركة توريد أجهزة كمبيوتر انها ليس لديها جهاز واحد لان الشحنة عالقة في الجمارك. وقال متجر أثاث ان مجموعته الصيفية لم تصل بعد. وبعض المواد الغذائية المستوردة تختفي كذلك في بعض الاوقات ثم تعود للظهور بعد أسابيع.

ولكن ليس هناك حتى الآن دليل مباشر على أن القيود رفعت الاسعار. فقفز التضخم العام الماضي لكن ذلك يرجع الى ارتفاع أسعار المواد الغذائية المنتجة في الجزائر.

وقدرت بيانات رسمية في يونيو معدل التضخم السنوي عند 4,5 بالمئة. ومع ذلك كانت الحكومة تشعر بالقلق من ارتفاع الاسعار مما دفعها لوضع مشروع قانون يفرض حدودا قصوى على اسعار بعض المنتجات الاستهلاكية. وأفادت تقارير صحفية أن بعض الوزراء لمحوا الى أنهم قد يخففون بعض الجوانب الفرعية للقيود على الواردات خاصة فيما يتعلق بواردات قطع الغيار الضرورية.

لكن ذلك لا يبعث على الارتياح بالنسبة لرضا شويخ مستورد البرمجيات الذي قال انه اضطر لوقف نشاطه بسبب القيود. وقال: أعتقد ان دولة لا تنتج شيئا لا يمكنها البقاء اذا أوقفت الواردات.

أمثلة أخرى

وهنالك أمثلة كثيرة تحكي المعاناة. ويدفع عزوز وهو رجل أعمال جزائري أموالا لاشخاص مقابل تهريب بضائع الى الجزائر في حقائب سفرهم. ولا يهرب عزوز المخدرات انه مجرد صاحب متجر عادي يحاول ملء أرفف متجره في ظل قيود صارمة جديدة على الواردات فرضتها الحكومة.

ويقول عزوز الذي طلب عدم نشر اسمه بالكامل لان ما يقوم به غير مشروع: الجبن الفرنسي والشيكولاته والبن والعطور تتصدر قائمتي. وأضاف: أفضل أن أدفع للمسافرين جوا ليحضروا لي ما أحتاجه في حقائبهم.

(رويترز)