ارتفعت خلال الفترة الأخيرة اسعار سلع مثل القهوة والسكر وعصير البرتقال وباتت أكثر غلاء لدرجة أصبحت معها تكلفة وجبة الإفطار تبدو قياسية. ذلك هو تضخم أسعار المواد الغذائية والتي بات قاب قوسين أو أدنى من العودة مجددا إلى مربع الخوف معيدا إلي الأذهان ملامح الأزمة الغذائية التي واجهها العالم في عام 2008 .
أما بالنسبة للبن ، فارتفاع الأسعار يعود إلى نقص في حبوب بن أرابيكا الذي ينتج في كولومبيا وأميركا الوسطى. لكن وصول المحصول البرازيلي الجديد في وقت لاحق من هذا العام من المتوقع أن يملأ هذه الفجوة. أما بشأن أسعار السكر فهي تتراجع بالفعل مع أنباء عن رياح موسمية جيدة في الهند والتي تعتبر ثاني أكبر منتج للسكر في العالم. كما ارتفعت أسعار الكاكاو أيضاً بسبب تزايد أنشطة تصنيع الشوكولاتة.
اسعار الفائدة
وتتساءل مجلة «ايكونوفست» عن اسباب تعويل المستثمرين على المستقبل وترى أن التفسير الوحيد يكمن في اسعار الفائدة المنخفض فتاريخيا يساهم انخفاض معدلات الفائدة في الولايات المتحدة في دعم شراء كميات ضخمة من عقود القمح الآجلة كما ان المستثمرين يبحثون عن أسواق للاستثمار وسط مخاوف من احتمالات أن يعاني الاقتصاد من ركود مزدوج في الأشهر المقبلة.
العديد من الصناديق في العالم قامت بشراء كميات كبيرة على غير المعتاد من عقود القمح الآجلة في البورصة منذ أيام ، تقدر من قبل التجار بحوالي 20 ألف عقد آجل أي ما يعادل 100 مليون بوشل ( مكيال للحبوب ) من القمح. وهذا الشراء هو مؤشر على احتمالات تفشي الذعر لدى حكومات العالم لتبدأ في الحد من صادراتها من الحبوب أو التوجه لتخزين مزيد من السلع . نأمل أن تتعلم الحكومات من درس الأزمة الغذائية التي أصابت العالم قبل عامين عندما تحول نقص صغير في السلع إلي أزمة غذاء عالمية بسبب سوء التفكير وفرض الحظر على الصادرات من قبل البلدان المنتجة وانتشار ذعر الشراء من قبل الموردين.
سباق محموم
وفي البحث في الأسباب الكامنة وراء تحركات أسعار السلع سنرى أن السباق على بعض السلع ربما هو أمر مبالغ فيه فهو يختلف كثيرا عن أزمة الغذاء التي شهدها العالم قبل عامين ، فهذه المرة الأمر يتعلق بمخزونات الارز والذرة وغيرها من السلع الأساسية على مستويات صحية. منظمة الأغذية والزراعة تقدر أنه وبعد تسجيل سنتين من الإنتاج القياسي للمحاصيل فإن مخزونات العالم من القمح تعد كافية لتغطية أي عجز في الإنتاج .
إلى جانب أن اسعار النفط الخام هي الأخرى أقل مما كانت عليه في عام 2008 فيما دفع إلى ارتفاع الطلب على الوقود الحيوي وبالتالي تسجيل زيادة في أسعار الذرة. ويكفي أن ننظر إلى الاختلاف بين العقود الآجلة وسوق القمح النقدية الفعلية لفهم أن ارتفاع العقود الآجلة هو رد فعل مبالغ فيه على الأرجح على حدوث الجفاف.
مخزون الحبوب
ويأتي تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة فاو الأخير ليطمئن العالم بشأن مخزوناته من الحبوب حيث يقول تقرير المنظمة أن مشكلات الإنتاج لدى بعض البلدان المُصدِّرة الرئيسية لا تمسّ تَوازُن السوق الدولية التي تُبدي استقراراً يفوق بكثير حالتها إبّان أزمة الغذاء العالمية في غضون الفترة 2007 - 2008، ويستبعد تقرير المنظمة وقوع أزمةٍ غذائية عالمية جديدة تبدو غير مُبرَّرةٍ في الوقت الراهن على حد وصف التقرير.
وتأتي تأكيدات فاو وسط استمرار الجفاف المُدمِّر للمحاصيل لدى الاتحاد الروسي في الوقت الراهن، مَقروناً بتوقُّعاتٍ لمعدلات إنتاجٍ أوطأ في كازاخستان وأوكرانيا، إلا أن التقرير لا يحاول إخفاء مشاعر القلق القوية المتنامية بالنسبة لتَوافُر العَرض العالمي من محصول القمح الاستراتيجي لموسم التسويق خلال الفترة 2010 - 2011.
ويقول تقرير فاو إن الاضطراب في أسواق القمح العالمية الذي اشتدّ على نحوٍ ملحوظ في غضون الأسابيع الأخيرة، يعكس الاعتماد العالمي المتزايد على منطقة البحر الأسود كمورِّد لسوقٍ القمح العالمية وباعتبارها إقليماً يتسم بالتقلُّب المحصوليّ. وقد فاقَم من الاضطراب السائد الهبوط المتوقّع في إنتاج كندا بوصفها مُنتجاً رئيسياً ومُصدّراً كبيراً للقمح إلى السوق العالمية.
قَفزةٌ في الأسعار
سجَّلت أسعار القمح الدولية زيادةً تتجاوز 50 بالمائة منذ يونيو الماضي، وتَبعث مثل هذه الزيادة السريعة في الأسعار على الجَزَع من إمكانية عودة أزمة الغذاء العالمية على نحوٍ مُشابه للفترة 2007ألا - 2008. لكن عامين مُتعاقبين من إنتاج محاصيلٍ قياسيّة أعادا أرصدة المخزونات الدولية إلى مستوياتٍ كافية لتغطية توقُّعات عَجز الإنتاج من هذا المحصول الاستراتيجي.
بل وأهم من ذلك أن أرصدة المُصدِّرين الرئيسيين التقليدية لمحصول القمح، والتي تشكِّل الحاجز الدولي الواقي ضدّ أي طوارئ من هذا النوع تَظلُّ ذات مستوياتٍ كافيةٍ ومأمونة.
وتستبعد فاو أن تشكل العوامل الخارجية، بما في ذلك تأثيرات البيئة والتطوّرات الاقتصادية الكلّية في أسواق المواد الغذائية الأخرى التي حَرَّكت ارتفاع الأسعار الدولية خلال الفترة الأخيرة أي تهديداتٍ إضافية.
وإذ تشير المنظمة إلى أن أي مخاوف من وقوع أزمةٍ غذاء عالميةٍ جديدة تبدو غير مُبرَّرة في الوقت الراهن، إلا أن مُراجعة توقُّعات الإنتاج العالمي للقمح من جانب المنظمة لموسم عام 2010 إنما يؤشِّر مع ذلك بتناقُص كميات الإمدادات من هذا المحصول مقارنةً إلى الموسم السابق ويشير باتجاه تَزايُد احتمالات ارتفاع مستويات الأسعار.
ففي حالة استمرار الجفاف السائد لدى الاتحاد الروسي من الممكن أن تواجِه المشكلاتُ عملياتَ الزَرع لموسم الشتاء المقبل فيما ينطوي على نتائجٍ سَلبية كامنة بالنسبة للإنتاج العالمي من محصول القمح الاستراتيجي للفترة 2010 - 2011.
دبي - كفاية اولير
