اوصت حلقة نقاشية حول طرق التمويل غير التقليدية في امارة ابوظبي بضرورة تأسيس صندوق رأسمال مخاطر حكومي لتمويل المشروعات ذات التكنولوجيا المتقدمة التي تستهدفها الرؤية الاقتصادية 2030. والمساهمة مع مستثمرين من القطاع الخاص في تأسيس مثل تلك الصناديق.
كما اوصت باصدار قانون ينظم نشاط التأجير التمويلي وسجل للرهن الصناعي.وكانت دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي - إدارة الدراسات- قد نظمت امس بمقر غرفة تجارة وصناعة أبوظبي حلقة النقاش بمشاركة عشرة بنوك ومؤسسات تمويلية واقتصادية.
وقال محمد عمر عبد الله وكيل الدائرة في كلمة له اختتم بها الحلقة إن تمكين الأسواق المالية من أن تصبح الممول الرئيسي للمشاريع والقطاعات الاقتصادية أحد مجالات الاهتمام السبعة للسياسة الاقتصادية في أبوظبي، كما أن التمويل المتزايد للقطاعات الاقتصادية والمشروعات يعد واحداً من الأهداف الرئيسية لرؤية أبوظبي 2030.
دائرة التنمية الاقتصادية
وأضاف أنه من هنا يأتي سعي دائرة التنمية الاقتصادية نحو طرح أفكار، وإيجاد منتديات للرأي، وإثارة النقاشات حول القضايا ذات الصلة بتعميق معروضات الإمارة المالية من خلال منتجات وهياكل وأنماط تمويلية وتشغيلية مبتكرة، الأمر الذي من شأنه أن يمنح دفعة قوية لتوافر فرص التمويل أمام المشروعات التنموية.
وأشار إلى أهمية هذا اللقاء التشاوري، مع نخبة متميزة من المسؤولين والمختصين والمهتمين بقضايا التمويل في أبوظبي والإمارات بشكل عام، للبحث في كيفية تفعيل مجموعة من أدوات التمويل غير التقليدية، والتي يمكن أن تكون رافداً مهما لدعم المسيرة التنموية في أبوظبي.
أحد الأولويات المهمة
وأكد عبد الله أن البحث عن مصادر التمويل الملائمة أحد الأولويات المهمة للمشروعات الاستثمارية، بالنظر إلى دور التمويل في تحديد حجم المشروع، وكذلك لإمكانات توسعه واقتنائه لأساليب تكنولوجية حديثة، ومن ثم مساهمته بفاعلية في تنمية الاقتصاد الوطني.
وقال إنه في الوقت الراهن يمثل الجهاز المصرفي بالإضافة إلى سوق الأسهم المصدر الرئيسي لتمويل المشروعات، التي تقوم بالمفاضلة بين البدائل التمويلية المتاحة بالاعتماد على مجموعة من العناصر التي يأتي في مقدمتها التكلفة، والأثر في نسبة المديونية، والمرونة.
وأفاد بأنه إذا نظرنا إلى الائتمان المصرفي خلال السنوات العشر الماضية، نلاحظ أنه قد ارتفع بمعدل 600% كنتيجة مباشرة للطفرة التنموية التي شهدتها أبوظبي بشكل خاص، والإمارات بشكل عام ، فقد ارتفع الائتمان المصرفي للمقيمين من 138 مليار درهم عام 2000 إلى نحو 959 مليار درهم عام 2009.
وأضاف أن الجزء الأكبر من هذا الائتمان يذهب إلى قطاعات غير منتجة أو أنه يستخدم لأغراض منح القروض الشخصية. وقد استحوذ نشاطا الإنشاءات والتجارة على 24% من إجمالي الائتمان الممنوح للمقيمين خلال عام 2009، بينما لم تتجاوز مساهمة النشاطين في الناتج المحلي الإجمالي للإمارة 16% خلال نفس العام.
سوق الأسهم
وذكر أنه بالنسبة إلى سوق الأسهم، فإن أبوظبي تجتذب بالفعل نسبة كبيرة من استثمارات الأصول الخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلا أن هناك مجالاً أكبر لتطوير عمليات الإصدار الأولي للأسهم، إلى جانب تحديث الإطار التنظيمي لسوق الأسهم وتطوير عملياته الداخلية.
وأضاف: إننا إذ نجتمع اليوم لطرح أفكار جديدة عن أدوات منتجات تمويلية مبتكرة، فإن هدفنا الرئيسي هو المواكبة المستمرة للطفرات التنموية التي يشهدها الاقتصاد الوطني، خاصة مع تزايد حاجة المشروعات إلى مصادر تمويلية أكثر مرونة واستجابة لمتطلبات نموها وتوسعها. بالإضافة إلى تخفيض نسبة القروض الشخصية الأقل إنتاجية من الناحية الاقتصادية إلى إجمالي الائتمان المتاح، وتغير مجرى تنامي التمويل الموجه نحو القطاعات ذات الإنتاجية المنخفضة.
مزايا التأجير التمويلي
وكان صبري عمارة الباحث بدائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي قد قدم في بداية الحلقة عرضا تناول فيه مزايا التأجير التمويلي والذي يعد طريقة متعارف عليها ومطبقة في تمويل المشروعات الاستثمارية في العديد من الدول ويتمتع بالعديد من المزايا عن غيره من أشكال التمويل التقليدية.
مشيرا إلى أنه من أهم مزايا التأجير عدم اشتراط وجود ضمانات، كما أن العقد يتمتع بدرجة عالية من المرونة وفقاً للحالة المالية للمقترض، ويتميز التأجير التمويلي بقدرته على تمويل 100% من الاستثمارات.
وأضاف أن التمويل من خلال التأجير يتم بطريقة تساعد على تحسين صورة ميزانية المشروع المُستأجِر؛ حيث لا تظهر الأعباء التي تترتب من جراء عقد التأجير في جانب الخصوم في ميزانية المستأجر، وبتعبير آخر لا تظهر في شكل ديون، وإنما في صورة تكلفة إنتاج.
واستطرد قائلاً: كذلك يستطيع المستأجر أن يتفاوض مع المؤجر على تحديد مبلغ الأجرة حسب ظروف السوق؛ كما يمكنه أن يطلب من المؤجر تغيير المعدات إذا ما تجاوزتها التغيرات التكنولوجية دون أن يكلفه ذلك الكثير.
المؤسسة الممولة
وفيما يخص المؤسسة الممولة، قال عمارة إن التأجير يعد وسيلة من وسائل الائتمان الأقل خطورة بالنسبة إليها؛ ففي القرض التقليدي على سبيل المقارنة تقوم المؤسسة المالية بمنح المتعامل الأموال اللازمة لشراء المعدات ثم تنتقل ملكية هذه الأخيرة إليه.
فإذا أفلس هذا المتعامل أو أصبح في حالة عُسر، فإن وضعه هذا سيهدد لا محالة مؤسسة التمويل بحيث يصعب عليها استرداد الائتمان بأكمله، ويبقى عليها الرجوع فقط إلى الضمانات المقدمة من طرف المقترض لعلها تكفي لاسترجاع القرض المقدم.
وأوضح أنه في حالة التأجير، فإن المؤسسة الممولة لها ضمان قوي مقابل تقديمها الائتمان، يتمثل في أقوى الحقوق العينية وهو حق الملكية؛ فتظل المؤسسة المالية محتفظة بملكية الأموال المؤجرة طوال مدة الإيجار، ومن ثم تستطيع استرجاعها في أي وقت يحصل فيه طارئ يهدد الائتمان المقدم.
واستعرض عمارة الصعوبات التي تواجه التأجير التمويلي في أبوظبي وقال: يواجه التأجير التمويلي في الإمارة عدداً من المعوقات التي تحد من دوره كأحد الأدوات التمويلية الفاعلة للمشروعات ويأتي على رأسها عدم وجود سجل للرهن الصناعي إذ يضع محاذير على تأجير الآلات والمعدات، باعتبار أن هذه العملية لا يتم توثيقها بواسطة سجل، ومن ثم عدم توفر الضمانات الكافية للجهة المؤجرة.
وأضاف أن توفير الحراسة الكافية للآلات والمعدات في المصانع العاملة ضمن نطاق المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية المتخصصة يعد أحد المطالب المهمة التي يجب أخذها بعين الاعتبار، حتى يمكن تفعيل دور التأجير التمويلي في أبوظبي.
وذكر أن عدم وجود تشريع ينظم نشاط التأجير التمويلي، ويضع إطاراً لعمل المؤسسات التي تمارس هذا النشاط يؤثر بشكل كبير في الحد من دور التأجير في تمويل المشروعات الاستثمارية العاملة في أبوظبي.
رأس المال المخاطر
وبالمقابل تحدث عمارة عن مزايا رأس المال المخاطر الذي وصفه بأنه يمتاز عن التمويل التقليدي الممنوح بواسطة المصارف في أن هذا النوع من رأس المال مستعد لتقبل درجة عالية من المخاطر، عما هو الحال بالنسبة للمصارف التقليدية.
ومن ثم فإن هذا التمويل عادة ما يُقدم لأصحاب المشروعات والأفكار المبتكرة التي تنطوي على قدر كبير من المخاطرة؛ أي أن هذا النوع من رأس المال يقوم بسد الفجوة بين الاحتياجات التمويلية للمشروعات الابتكارية عالية المخاطر ومصادر التمويل التقليدية.
وأفاد بأن رأس المال المخاطر لا يتطلب ضمانات من المقترضين، الأمر الذي يٌمكنه من المساهمة بفاعلية في تمويل المشروعات الصغيرة التي يتوفر لديها إمكانات النمو والتطور، بينما لا يتوافر لديها الضمانات الكافية للاقتراض من الجهاز المصرفي، ومن ثم يمكن للجهاز المصرفي في مراحل لاحقة دخول مجال تمويل هذه المشروعات.
وقال: يتميز رأس المال المخاطر بأنه تمويل طويل الأجل، أو على الأقل متوسط الأجل، وهو ما يميزه عن التمويل قصير الأجل الذي تمنحه المصارف. ويلبى رأس المال المخاطر احتياجات الشركات في مراحل التمويل المختلفة.
وذكر عماره إن من المميزات أيضا مرحلة التمويل اللاحقة والتي يهدف رأس المال المخاطر فيها إلى تمويل تنمية وتطوير شركات قائمة تحتاج إلى متطلبات تمويلية خاصة وتقدم آفاق نمو جذابة ويتضمن ذلك توفير التمويل لأغراض التوسع للشركات غير المسجلة في البورصات، بهدف مساعدتها على النمو ودخول أسواق جديدة، أو الإحلال محل بعض الشركاء في رأس مال الشركات الرابحة والذين يرغبون في التخارج.
وأضاف أن ما يميز تمويل رأس المال المخاطر هو تمويل الحالات الخاصة ليوجه لتمويل احتياجات خاصة لشركات ناضجة تكون غالباً أجزاء من شركات ضخمة، ويتضمن ذلك تمويل شراء حصة الملكية، والسيطرة على شركات قائمة، إضافة إلى تمويل الشركات ذات الأداء الضعيف، ولكن يتوفر لديها فرص واضحة للتحسن.
وأكد أن هذا النوع من التمويل لا يخلو من الصعوبات التي تواجهه في أبوظبي مشيرا إلى إن ثمة مجموعة من المعوقات التي تحد من الدور الذي يمكن أن يلعبه رأس المال المخاطر في تمويل المشروعات الاستثمارية في إمارة أبوظبي.
وحدد عمارة المعوقات في عدم وجود تشريع ينظم هذا النشاط، وغياب الأطر والتعريفات القانونية ذات الصلة بهذا النشاط وعدم وجود حماية قانونية للمؤسسات التي تعمل في نشاط رأس المال المخاطر، وعدم وجود سياسات تدعم عمل تلك المؤسسات.
وأضاف أن هناك غياب الوعي بهذا النشاط لدى الأطراف التي يمكن أن تستفيد منه، وخاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي غالباً ما لا ترضى أن يأتي صاحب رأس المال المخاطر ليسيطر على المشروع، دون إدراك شامل لما يمكن أن يحققه رأس المال المخاطر من مساعدة للمشروع داعياً إلى اصدار تشريعات قانونية.
واختتم الباحث عرضه بالقول: إن العمل الأساسي لشركات رأس المال المخاطر في الدول الصناعية هو الدخول في اختيار أفكار واعدة في مجال التكنولوجيا المتقدمة وتمويلها حتى تتحول إلى مشروع، وهذا الشكل غير موجود حالياً، إذ أن الإمارات حالها كحال باقي الدول العربية دولة ناقلة للتكنولوجيا ومعظم الأفكار المعروضة ليست مبنية على قدرات علمية في مجال جديد.
طرح منتجات تساهم في تعميق المعروضات المالية
أكدت الحلقة النقاشية أهمية طرح منتجات تساهم في تعميق المعروضات المالية في أبوظبي وقيام الحكومة بدور القائد في عملية دعم وتحفيز النشاط سواء في جانب توفير التمويل أو كان في جانب تنمية وتطوير الأنشطة الإنتاجية.
وخلصت الحلقة إلى عدد من النتائج أبرزها عدم وجود إطار تشريعي يحكم وينظم نشاطي التأجير التمويلي ورأس المال المخاطر وعدم توافر البيانات والإحصاءات اللازمة لتوفير الثقة وتقييم المشاريع وتوقعات الأسواق وخطط النمو وغيرها من البيانات الضرورية.
ورصدت قيام غالبية المصارف والمؤسسات التمويلية بتطبيق أدوات التأجير التمويلي وإن اختلفت المسميات، إلا انه يقتصر على نشاطي العقارات والتشييد والبناء. كما رصدت مبادرات لإنشاء صناديق لرأس المال المخاطر.
وأوصت بإصدار قانون ينظم نشاط التأجير التمويلي، ويضع إطار عمل واضح لكافة الجهات العاملة في هذا النشاط، وكذلك إصدار تشريع يساير الاتجاهات العالمية، ويهتم بوضع أطر وتعريفات محددة لرأس المال المخاطر ووضع اليات محددة لتيسير عمليات التخارج والخروج من السوق. كما أوصت بإنشاء سجل للرهن الصناعي، الأمر الذي يُمكن من تسجيل الآلات والمعدات التي تستخدم في نشاط التأجير التمويلي، مما يوفر ضماناً قوياً للشركات التي تعمل في هذا المجال.
وأكدت أهمية تأسيس صندوق رأسمال مخاطر حكومي لتمويل المشروعات ذات التكنولوجيا المتقدمة التي تستهدفها الرؤية الاقتصادية 2030، والمساهمة مع مستثمرين من القطاع الخاص في تأسيس مثل تلك الصناديق.
وشدد المشاركون في الحلقة على أهمية توفير البيانات والمؤشرات المالية التي تدعم متخذ القرار في التقييم وتبني المشروعات الجديدة وكذلك توفير حوافز تنشيطية لقيام الأنشطة الإنتاجية والتي منها توفير التمويل الحكومي منخفض التكاليف مشيرين إلى ضرورة إصدار دليل تعريفي بنشاطي رأس المال المخاطر والتأجير التمويلي.
أبو ظبي - «البيان»
