أجمع مراقبون ومديرو شركات استشارات ووساطة عقارية على أن مواصلة سوق الايجارات تحقيق المزيد من التراجع لأسباب متنوعة تسهم بقوة في إنعاش جاذبية الأسواق في عموم مدن الدولة بعدما شكلت عاملاً ضاغطاً على الاقتصاد وزادت من أعبائه التضخمية خلال الفترة مابين 2002 لغاية 2008 .
وأشاروا إلى أن الإيجارات تسببت في وقت سابق في فقدان نسبة كبيرة من المستأجرين المقدرة على التوفيق بين متطلبات السكن وباقي النفقات المتصلة بالمعيشة. ولجأ الكثير من أصحاب العوائل إلى ترحيل أسرهم للتخفيف من المصروفات التي أفقدت قوتهم الشرائية تأثيرها الإيجابي في حياتهم اليومية وجدوى الأعمال التي يزاولونها.
لكن الوضع الذي بدأت تتضح معالمه خلال العام الجاري يؤكد انقلاب الصورة - مع تنامي الطلب على الإيجارات وتحديداً من قبل العوائل المتوسطة والكبيرة- فقد مهدت زيادة المعروض في كم ونوع الوحدات السكنية الطريق أمام تصحيح سعري شمل القيمة الإيجارية وأسعار البيع، إلى جانب تصحيح العلاقة ما بين أطراف العلاقة بعدما شهدت تجاذبات منها ما تبخر بالتوفيق والتصالح، ومنها ما ذهب الى المحاكم تحت عنوان «المنازعات الإيجارية».
وذكروا أن صدور قوانين ومراسيم تحدد القيمة الإيجارية وتعدل العلاقة ما بين المؤجر والمستأجر وتنظم العلاقة بين البائع والمشتري في مناطق التملك الحر وقطع الطريق أمام الاستخدام السيئ لشيكات المشترين أو المستأجرين أدت دوراً محورياً في تغيير سلوك أطراف العلاقة لجهة المرونة في السداد وجدولة الدفعات وخفض الأسعار، بما قاد إلى إنعاش سوقي الإيجارات والبيع، وإضفاء المزيد من الاستقرار على تعاملاته.
وقالوا إن تراجع الإيجارات في الإمارات عموماً وفي دبي وابوظبي والشارقة على وجه التحديد صحي للغاية، لاسيما وأن المستأجرين باتوا قادرين على إدارة مداخيلهم بدرجة ومرونة كانتا غائبتين بسبب الزيادات غير المبررة في القيمة الإيجارية في الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية.
وبدأت توجهات السوق العقاري - الإيجارات تحديداً- تتحرك وفقاً لمتطلبات السوق ومحركاته بعدما رزحت طويلاً تحت وطأة رغبات بعض الملاك، ما يقود إلى الإعتقاد بأن السوق يخطو خطوات أكثر جدية في اتجاه تحقيق أمرين مهمين لديمومته واستمرار نموه وهما (النضوج والاستقرار).
متطلبات السوق
وقال خالد المالك، الرئيس التنفيذي لمجموعة دبي للعقارات عقب طرح 400 شقة مساحة الواحدة 1000 قدم مربع بأسعار تنافسية في مشروع شروق مردف: «نواصل التزامنا المستمر بالعمل على توفير مجمعات مستدامة في أكثر الأماكن المفضلة للسكن في دبي. وفي هذا الإطار، يأتي مشروع شروق مردف استجابة لمتطلبات السوق من حيث الجودة العالية والأسعار المناسبة، وذلك من خلال المرافق الشاملة والموقع المثالي للمجمع، فضلاً عن تقديم قيمة حقيقية مقابل المال».
الكفة الراجحة
وقالت إلين جونز، الرئيس التنفيذي لشركة أستيكو لإدارة العقارات إن أسعار العقارات (بضمنها الاراضي) شهدت تراجعا وتصحيحاً سعرياً قويا، خاصة في مناطق التملك الحر، لكنها قالت إن الأسعار لم تتراجع كلها، فنحن نقصد اسعار العقارات المباعة على الخارطة التي تأثرت كثيرا، لكن تبقى كفة العقارات المكتملة راجحة على غيرها.
وأضافت: مع ذلك تمر السوق في مرحلة قد يختلف التسعير فيها من وحدة الى أخرى في أي من المشاريع العقارية. لقد لاحظنا استعداد بعض العملاء الأجانب الذين اشتروا عقارات على نخلة جميرا للبيع بسعر أقل بكثير للقدم المربع الواحد، حيث إن أسعار الصرف أضحت أكثر ملائمة بالنسبة لهم وبدون تكبدهم أي خصومات. في غضون ذلك، تحافظ أسعار بيع الفلل في الإمارة على ثباتها.
ويعود الانخفاض في هذين المشروعين بشكل أساسي إلى توفر عدد كبير من الوحدات المتاحة في المنطقة وإلى أعمارها وإلى أن المالكين الذين اشتروا في البداية بأسعار منخفضة أصبحوا في موقف يمكنهم من تخفيض السعر المطلوب من دون خسارة.
وتبقى الفلل على جزيرة النخلة الأغلى في الإمارة في سعر يبلغ 1800 درهم للقدم المربع الواحد، في حين تقابلها أسعار الفلل في «ذا غرين كميونيتي» في سعر بيع يبلغ 700 درهم للقدم المربع الواحد.
توجهات المتعاملين
أما جسي داونز مديرة الأبحاث والخدمات الاستشارية في «لاندمارك الاستشارية» فتقول إن تسارع الوتيرة في انخفاض معدلات الإيجار قد بات يسهم كثيراً في تحسين القدرة على تحمل تكاليف المعيشة.
ولفتت إلى أن الانخفاض في الإيجارات السكنية والتجارية يسهم في جعل الإمارات العربية المتحدة مكاناً أكثر جاذبية للعيش والعمل. ولفتت إلى أن سلوك المستأجرين والمؤجرين والمشترين والملاك قد شهد تحولات كبيرة لصالح فئة المستأجر والمشتري. وقالت إن أسعار الاستئجار في دبي قد واصلت تراجعها في أنحاء الإمارة بصرف النظر عن جودة العقار أو موقعه، وشمل هذا التراجع الشقق السكنية والوحدات التجارية على حدّ سواء.
وفي حين أنَّ الوحدات العقارية الواقعة في مبان متدنية الجودة وفي مواقع أقل فخامة هي التي تشهد التراجعَ الأكبر في أسعار الاستئجار، فإنه من اللافت أيضاً استئنافُ تراجع أسعار الاستئجار للوحدات العقارية ذات المعايير الرفيعة الواقعة في مناطق فخمة.
وفي المقام الأول، مردُّ مثل هذا التراجع إلى زيادة المعروض خلال الفترة الماضية، ومن المتوقع أن يسود هذا الوضع مع توقُّع الانتهاء من نحو 100 ألف وحدة عقارية جديدة وتسليمها لأصحابها خلال العامين المقبلين.
وقالت داونز: المستأجرون يبحثون دوماً عن قيمة إضافية لكلِّ درهم يدفعونه شهرياً، ويمكنهم في الظروف الراهنة أن يستفيدوا من البدائل المتاحة للتفاوض مع المالكين واقتناص أفضل العروض المُجزية المتاحة. وقد كان لذلك أكبر الأثر في توسيع الفارق بين سعر العرض وسعر الطلب، كما يظهر ذلك أن المالكين العقاريين قد أخذوا يتنازلون عند التفاوض مع المستأجرين المحتملين الذين باتوا ينتقون الوحدات العقارية بحثاً عن أفضل قيمة ممكنة.
والأهم من ذلك، أننا بتنا نشهد مثل هذا التوجُّه في الوحدات العقارية الفخمة الواقعة في مناطق راقية بإمارة دبي، حيث ظلت التقلبات التي شهدتها هذه الفئة من الوحدات العقارية محدودة نسبياً في أواخر عام 2009 والرُّبع الأول 2010 بسبب التوجه نحو التنقل من منطقة إلى أخرى.
أخبار جيدة
من جهته، أشار إيان ألبيرت المدير الإقليمي لكوليرز إنترناشيونال إلى وجود ما يزيد على 340 ألف عقار سكني في دبي بمعدل إشغال قدره 87 بالمئة متوقعاً انخفاضاً في هذا المعدل، وقال: لا تستطيع السوق أن تستوعب الأعداد الإضافية من الوحدات العقارية ما لم يزدَد عدد السكان أو ابطاء دخول هذه الوحدات العقارية الجديدة للسوق.
وقال ألبيرت إنه رغم كونها أخباراً جيدة للمستأجرين فإن الانخفاض المحتمل في دخل العقارات السكنية المؤجرة يؤثر سلباً في القيمة السوقية، وهو ما سيكون عاملاً آخر يستوجب الرصد خلال الفصول المقبلة.
استقرار
وقالت نيكول بتس رئيسة ادارة الهيئات في شركة أستيكو لادارة العقارات إن الجهود الرسمية على صعيد التشريع والتنظيم واضحة جداً لجهة خلق آليات وضوابط جديدة بهدف جعل الاستقرار في الايجارات سمة من سمات المدينة، وهناك خطط ودراسات وخطوات عملية بهدف ايجاد تلك الضوابط لمعالجة مشكلة الارتفاعات في القيمة الايجاري بشكل جذري».
واضافت: «لمسنا في السابق ونلمس الآن وبقوة حرص أعلى السلطات في دبي على مراعاة ظروف سكان الامارة الذين واجهوا متاعب كبيرة بسبب الزيادات المطردة في إيجارات مساكنهم في السابق».
تشريعات
وقال مات غرين المدير المساعد للأبحاث والاستشارات في سي بي ريتشارد أليس الشرق الأوسط إن صدور قوانين ومراسيم تحدد القيمة الإيجارية وتعدل العلاقة ما بين المؤجر والمستأجر وتنظم العلاقة بين البائع والمشتري في مناطق التملك الحر يسهم بقوة في استقرار ونضج السوق ويدعم جاذبيته.
وأضاف: «صدور تلك القوانين خطوة كبيرة، وستمنح السوق المزيد من الشفافية المطلوبة للنمو والانتعاش». وأشار إلى أن «ثمة اموراً لم تكن واضحة في بدايات الطفرة العقارية، لكنها الآن وبفضل التشريعات الجديدة باتت عكس ذلك، فمثلا لا تزال رسوم الخدمات في مواقع التملك الحر مصدر قلق للمستثمرين الحاليين والمستقبليين.
وأدى انخفاض أسعار الإيجارات إلى إبراز معدلات رسوم الخدمة المفرطة التي فرضها المطورون في فترة الذروة العقارية، وهذا ما لمسناه من الاهتمام المناسب به من قبل مؤسسة التنظيم العقاري (ريرا) للمساعدة في تحقيق المزيد من الشفافية ولتحفيز وتشجيع زيادة النشاط الاستثماري في المستقبل».
سوق التمويل
ويرى ديفيد انجلزفيلد، المدير الإقليمي لستاندرد تشارترد الخاص، الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بأن المشهد الجديد في سوق الإيجارات وسوق البيع ألقى بظلاله الإيجابية على سوق التمويل العقارية ليصبح الأخير أكثر نضجاً خلافاً مغادراً مرحلة (الأكثر تشدداً).
واستدل انجلزفيلد والدليل على ذلك - كما يقول- بإعلان ستاندرد تشارترد عن خدمة جديدة للرهون العقارية في الدولة بعد أن أبرز البحث المستند إلى العملاء أن العملاء من ذوي مستويات الدخل العالية لا يستطيعون الوصول إلى عروض للرهون العقارية تلبي احتياجاتهم.
وتقدم الرهون العقارية الجديدة مبلغ قرض يصل إلى 5 ملايين دولار، وهو أعلى قرض في السوق، ومعدلات فوائد تنافسية. ويستهدف هذا النظام للرهون العقارية شريحة الأفراد ذوي مستويات الدخل العالية، ويتوفر للعقارات الجديدة أو الحالية، بشرط أن يكون قد تم بناؤها من قِبل أحد المتعهدين المسجلين لدى البنك.
واضاف ديفيد انجلزفيلد بأنه تم تسهيل إجراءات عملية الرهون العقارية نظرًا لأن البنك قد وضع معيارين، لأول مرة في سوق الإمارات العربية المتحدة، لتقييم الدخل تم إعدادهما لهذه الشريحة المميزة - اختبارات الأصول السائلة والإقراض المدعوم بالأصول.
وتم تصميم اختبارات الأصول السائلة للعميل الذي بمقدوره إثبات ملكية أصول سائلة تعادل أو تزيد على 24 شهرًا من قسطه المقترح بدلاً من تقييم الدخل الرسمي، بينما يستند الإقراض المدعوم بالأصول على إعلان العميل الذاتي لدخله، وأصوله، وديونه بدلاً من تقييم الدخل الرسمي.
تحقيق- مشرق علي حيدر
