تتحكم الإدارة الاقتصادية الأمريكية بمسار الأحداث الاقتصادية من خلال التصريحات. فقد قال روبرت جيبز المتحدث باسم البيت الأبيض ان أزمة الديون الأوروبية في الربيع شكلت جزءا من الظروف الصعبة التي تواجه الاقتصاد الأميركي في الوقت الذي يكافح فيه للتعافي من الركود في النصف الأول من العام.
وأن ما حدث في اليونان في أواخر الربيع كان جزءا من تلك الظروف وأضاف أن الولايات المتحدة اتخذت خطوات صعبة للتعامل مع هذا التحدي الاقتصادي. وأشار إلى أن أوروبا لم تتخذ خطوات مماثلة الأمر الذي انعكس سلبا على الافتصاد الأمريكي والعالمي. بهذا التصريح مهدت الولايات المتحدة لإطلاق موجة جديدة من سياسات التحفيز النقدي التي نعتقد أنها تستهدف إضعاف الدولار ودفع اليورو والين للارتفاع وبما يعيد كرة الصادرات إلى الساحة الأمريكية بعد أن انتقلت إلى الساحة الأوربية إثر انخفاض اليورو في أعقاب ما سمي بأزمة الديون السيادية.
ضخ السيولة
وفي هذا السياق قال تقرير صادر عن شركة الفجر للأوراق المالية: يبدو أن المطلوب هو المزيد من ضخ السيولة وتوسيع القاعدة النقدية وفقا لما عبر عنه رئيس الفدرالي الأمريكي والذي أشار الى ان الفدرالي مستعد لمزيد من الدعم. وهذا ما كنا قد أكدناه في تقريرنا للأسبوع المنتهي في 22 يوليو تحت عنوان الفدرالي الأمريكي يعلن من طرف خفي عن انه في طريقه لاتخاذ المزيد من الإجراءات لتحفيز الاقتصاد.
فقد أدلى قبل اسبوعين رئيس البنك الفدرالي الأمريكي بن برنانكي بشهادته حول تقرير السياسة النقدية الأمريكية أمام اللجنة البنكية في الكونغرس الأمريكي، حيث أكد على أن البنك الفدرالي الأمريكي يعد العدة لاتخاذ المزيد من الإجراءات الخاصة بالسياسة النقدية للبنك الفدرالي الأمريكي وفقا لمقتضيات الحاجة لذلك. كما أكد بأن آفاق الاقتصاد الأمريكي لا تزال غير واضحة ويكتنفها بعض من الغموض.
في حينها وجدنا ان مثل هذا التصريح غير مبرر خصوصا أن صندوق النقد الدولي يرى إن الاقتصاد الأمريكي بدأ يتعافى من (أسوأ) أزمة مالية يتعرض لها منذ الكساد الكبير نتيجة لاتباع (سياسة هائلة للتعامل مع الأزمة بالرغم من بطء وتيرة الانتعاش مشيرا إلى أن تدابير تحقيق الاستقرار في أسواق المال وضخ رؤوس الأموال والضمانات واختبارات التحمل حسنت بشكل كبير الأوضاع المالية وموضحاً أن الانتعاش الاقتصادي كان بطيئاً وفقا للمعايير التاريخية).
تأجيج المخاوف
من جانب أخر فقد أدت تصريحات بن برنانكي إلى تأجيج المخاوف في الأسواق وخلقت موجة من البيع للدولار نتيجة التوقع بمزيد من الانخفاض أثر ترجيح ، رئيس المركزي الأمريكي حدوث نمو اقتصادي ضعيف خلال العام الحالي، مشيراً إلى أن الانتعاش الذي يشهده الاقتصاد الأمريكي مازال في بدايته الأمر الذي يتطلب بقاء المستويات المنخفضة لأسعار الفائدة لتنشيط معدلات الاستهلاك في الأسواق وحركة الاستثمارات والأعمال خاصةً عند وقف العمل بإجراءات التحفيز الاقتصادي التي أقرت العام الماضي.
موجة التشاؤم هذه أدت إلى صعود اليورو مقابل الدولار الأمريكي خلال الشهرين الماضيين بنسبة 8, 8% مما ساهم برفع أسعار الطاقة في اوربا وأثر سلبا على الصادرات الاوربية التي كانت قد بدأت بالتحسن الأمر. هذا في الوقت الذي يتوقع فيه ان يؤدي تراجع الدولار إلى تحسن الصادرات الأمريكية وتراجع الأستيرادات وبما ينعش الطلب المحلي.
البيانات الإيجابية
موجة التشاؤم التي بثتها تصريحات رئيس الفدرالي ليست مبررة أيضا بسبب البيانات الأيجابية التي صدرت مؤخرا والتي تمثلت بخلق 42 ألف فرصة عمل جديدة في القطاع الخاص، بالمقارنة مع قراءة شهر حزيران والتي أشارت إلى أن القطاع وفر 19 ألف وظيفة جديدة خلال يونيو، مع الإشارة إلى أن قراءة يوليو جاءت بأعلى من التوقعات التي بلغت 30 ألف فرصة عمل جديدة.
من ناحية أخرى فقد صدر عن الاقتصاد الأمريكي اليوم قراءة مؤشر معهد التزويد الغير صناعي (الخدماتي) والخاصة بشهر يوليو، حيث شهدنا ارتفاع المؤشر ليصل إلى 3, 54 بالمقارنة مع القراءة السابقة والتي بلغت 8, 53 وبأعلى من التوقعات والتي كانت مسجلة عند 0, 53، الأمر الذي يؤكد على أن قطاع الخدمات الأمريكي يكتسب بعض الزخم.
وهذا يعني أن قطاع الخدمات استطاع اكتساب بعض القوة خلال شهر تموز، مع الإشارة إلى أن قطاع الخدمات الأمريكي يشكل 70 بالمائة تقريباً من الاقتصاد الأمريكي، فهل نستطيع أن نقول أن الاقتصاد الأمريكي يواجه مستقبلا مجهولا حسب تعبير رئيس الفدرالي الأمريكي ؟
وهل أن تحسن قطاع الخدمات الأمريكي الذي يولد ثلثي الناتج المحلي امر يمكن التغاضي عنه عند الاستماع إلى رأي يقول إن الاقتصاد يواجه مستقبل مجهول ؟ ألا يحق لنا ان نستنتج بان تصريحات برنانكي هي أصلا مُسيسه باتجاه ترجيح كفة النمو الأمريكي على حساب كفة النمو الأوربي؟. وبالنهاية فإن البيانات والأخبار الاقتصادية والتي صدرت عن الولايات المتحدة الأمريكية بأفضل من التوقعات، ناهيك عن نتائج الشركات الأمريكية والتي صدرت أيضاً بأفضل من التوقعات تثبت بما لا يقبل الشك بان ليس كل ما يصدر عن المسئولين الاقتصاديين هو شفاف وصريح.
